الذكاء الاصطناعي

أنشر تؤجر
1447/11/20 - 2026/05/07 16:15PM

الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي عَلَّمَ الإنسان ما لم يعلم ، نَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ الْكَثِيرَةِ ، وَآلاَئِهِ الْجَسِيمَةِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ؛ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ ، وَبَلَّغَ الْبَلَاغَ المُبِينَ ؛ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .

أما بعد : فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى ، فهي وصية الله للأولين والآخرين ، قال سبحانه :﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131].

أيها المسلمون : اللهَ سبحانه تعالى خلق الإنسانَ وعلَّمه ما لم يكنْ يعلمُ ، فقال تعالى :﴿ وَاللَّهُ أَخرَجَكُم مِن بُطونِ أُمَّهاتِكُم لا تَعلَمونَ شَيئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ وَالأَبصارَ وَالأَفئِدَةَ لَعَلَّكُم تَشكُرونَ ﴾.

وسخر اللهُ لعباده ما في السمواتِ والأرضِ ليستفيدوا منه ، فقال الله تعالى :﴿ وَسَخَّرَ لَكُم ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرضِ جَميعًا مِنهُ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرونَ ﴾.

ولقد أنعم اللهُ على عباده بما يسَّره لهم من التقنياتِ الحديثةِ التي سهلت كثيرًا من الأمور ، ومن ذلك وسائلُ التواصلِ وبرامجُه التي أصبح الناسُ يتناقلون الأخبارَ من خلالها فتبلغُ المشرقَ والمغربَ في لحظاتٍ معدوداتٍ .

ومن هذه الوسائلِ برامجُ ما يُعرفُ بالذكاء الاصطناعيِّ التي أنعم اللهُ بها على عبادِه ليستعملوها فيما ينفعُهم .

وواجبُ النعمةِ : شُكرُ الله تعالى عليها ، فشكرُ النِّعمِ يَزيدُها وكُفرها يُزيلُها ، قال الله تعالى :﴿ وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لَأَزيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذابي لَشَديدٌ ﴾.

وَمِنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ ، أَنْ نَسْتَعْمِلَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَفِيمَا يَعُودُ علينا بِالنَّفْعِ في الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَأَنْ نُسَخِّرَ هَذِهِ التِّقْنِيَّاتِ فِي خِدْمَةِ الْعِلْمِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ بِطُرُقٍ جَذَّابَةٍ وَفَعَّالَةٍ ، وتَطْوِيرِ مَجَالَاتِ الطِّبِّ وَالتَّعْلِيمِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَخْدِمُ مَجَالاتِ حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ ، وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي مسعود عقبة بن عامر البدري قال : قال النبي ﷺ :" من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله ".

وَمَعَ هَذِهِ الْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ – يا عباد الله - لا بُدَّ أَنْ نعلم أن الذَّكَاءُ الاصْطِنَاعِيُّ سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ ، فَإِنِ اسْتُخْدِمَ فِي الْخَيْرِ وَالْبِنَاءِ كَانَ نِعْمَةً عَظِيمَةً لِلْبَشَرِيَّةٍ ، وَإِنِ اسْتُخْدِمَ فِي الشَّرِّ وَالْهَدْمِ كَانَ نِقْمَةً وَفِتْنَةً ، لأنَّ النِّعْمَةَ قَدْ تَنْقَلِبُ نِقْمَةً ، إِنْ أُسِيءَ اسْتِعْمَالُهَا .

فهو لَيْسَ خَيْرًا مُطْلَقًا وَلا شَّرًّا حَتْمِيًّا ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ لِطَرِيقَةِ اسْتِخْدَامِنَا لَهُ ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مِنَ الخَطَرِ الذِي يَجِبُ الْحَذَرُ مِنْهُ هُوَ اسْتِعْمَالُ تِقْنِيَاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ فِيمَا حَرَّمَتْهُ الشَّرِيعَةُ وَنَهَتْ عَنْهُ ؛ مِنَ الْكَذِبِ ، وَتَزْوِيرِ الصُّوَرِ وَالْمَقَاطِعِ ، وَتَقْلِيدِ أَصْوَاتِ النَّاسِ وَالْعُلَمَاءِ، وَنَشْرِ الْفَتَاوَى الْمَكْذُوبَةِ ، بِقَصْدِ قَلْبِ الْحَقَائِقِ ، وَتَشْوِيهِ السُّمْعَةِ ، وَالْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ ، فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُرَاقِبَ اللهَ تَعَالَى عِنْدَ اسْتِخْدَامِهِ لِهَذِهِ التَّقْنِيَةِ ، فَكُلُّ مَا يَقُولُهُ الْإِنْسَانُ أَوْ يُعَمْلُهُ ؛ فَهُوَ مُسَجَّلٌ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ ؛ يَجِدُهُ فِي صَحَيِفَةِ أَعْمَالِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا :{ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ .{

وإِنَّ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ صَادِقًا مُتَثَبِّتًا ، لَا يُرَوِّجُ لِكُلِّ مَا يَسْمَعُ ، وَلَا يَنْقُلُ إِلَّا بَعْدَ تَأَكُّدٍ وَتَثَبُّتٍ ، خُصُوصًا فِي هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي كَثُرَ فِيهِ الْكَذِبُ ، وَسَهُلَ فِيهِ التَّزْوِيرُ ، قال الله تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }، وعنْ أَبي هُريْرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ :" كَفَى بِالْمَرءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِ مَا سَمِعِ " رَوَاهُ مُسْلِم .

اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا ، وَانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا ، وَزِدْنَا عِلْمَاً وَهُدًى ؛ يَا ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ. 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ , أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهِ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم  .

الخطبة الثانية :
الْحَمْدُ لله الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدهُ لَا شَرِيك له وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ وَسُلَّمٌ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وأصحابه وَسَلَّمَ تَسْلِيمَا كَثِيرَا .
أَمَّا بَعْدُ :

فَاتقوا الله وعْلَمُوا - رحمكم اللهِ - أَنَّ هَذِهِ التِّقْنِيَّاتِ وَمِنْهَا الذَّكَاءُ الْاِصْطِنَاعِيُّ ، لَيْسَتْ مَصْدَرَاً أَصيلَاً لِتَلَقِّي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَالْحُكْمِ عَلَى النَّاسِ ، بَلْ لَابُدَ مِنَ التَّحَرِّي وَالتَّمْحِيصِ ، وَالرُّجُوعِ لِلمَصَادَرِ الْمَوْثُوقَةِ ، قَالَ اِبْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللهُ : إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ ؛ فَانْظُرُوا عَمَنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ .

وإن من أعظم ما يجب الحذر منه ، سُؤَالُ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ عَنِ المُسْتَقْبَلِ ، والأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ ؛ فَلاَ يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلا اللهُ جَلَّ وَعَلا ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى :{ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } [النمل 65]

فلا يَجُوزُ سُؤَالُ أَحَدٍ عَنِ الغَيْبِ ؛ سَوَاءٌ كَانَ كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا أَوْ بَرْنَامَجًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.

ألا فاتقوا الله - أيها المؤمنون - وَاحْذَرُوا اسْتِخْدَامَ التَّقْنِيَةِ فِيمَا يُسْخِطُ اللَّهَ ، وَاشْكُرُوا اللهَ على نِعَمَهُ بِتَسْخِيرها فِي الْخَيْرِ ، وَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ إِذَا سَمِعُوا الْقَوْلَ اتَّبَعُوا أَحْسَنَهُ .

هذا وَصَلُوا وَسَلِّمُوا عَلَى خَيْرِ الْوَرَى ، فَمَنْ صَلَّى عَلِيِّهِ صَلَاَةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرَاً .

الَّلهُمَّ صلِّ وَسلِّم وَبارِكْ عَلَى نَبيِّنَا مُحَمْدٍ ، وَاِرْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ الرَّاشِدِينَ : أَبِي بِكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَنْ سَائرِ الصَحَابةِ أجْمَعِينَ ، وَعَنَا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَإحْسَانِكَ يَا أَرَحِمَ الرَّاحِمَيْنِ .

الَّلهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ والمُسلمينَ ، وَاِحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ ، وَآمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا ، وَأَصْلِحِ أَئِمَّتَنَا وَوُلاةَ أَمْرِنَا ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ ولي أمرنا ، وَوَليَ عَهدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى ، اللهمَّ أعزَّ بهما الإسلامَ والمسلمين .

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَوَالِدِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ بِرَحْمَتَكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .

اللهم آتِ نفوسَنا تقواها ، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها ، أنت وَليُّها ومولاها .

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذابَ النارِ .

عِبَادَ اللَّهِ : اذكُرُوْا اللَّهَ ذِكْرَاً كَثِيرَاً ، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلاً ، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ .

 

المرفقات

1778159683_الذكاء الاصطناعي.docx

المشاهدات 405 | التعليقات 0