الرُّجُولَةُ: تَعْرِيفُهَا وبيانُ آثَارِها

الرُّجُولَةُ: تَعْرِيفُهَا وَبَيَانُ آثَارِهَا

مُقْتَبَسَةٌ مِنْ خُطْبَةِ الشيخ د.صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ حَفِظَهُ اللَّهُ، بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.

الخُطْبَةُ الأُولَى:

الحَمْدُ لِلَّهِ، الحَمْدُ لِلَّهِ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ خُبْرًا؛ أَحْمَدُهُ – سُبْحَانَهُ – وَأَشْكُرُهُ، أَسْبَلَ عَلَيْنَا مِنْ حِفْظِهِ سِتْرًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ أَدَّخِرُهَا لِيَوْمِ القِيَامَةِ ذُخْرًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ؛ المَبْعُوثُ لِلثَّقَلَيْنِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، عُذْرًا وَنُذْرًا؛ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، أَعْظَمَ اللَّهُ لَهُمْ أَجْرًا، وَخَلَّدَ لَهُمْ ذِكْرًا، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مَزِيدًا يَتْرَى.

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ – أَيُّهَا النَّاسُ – وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٣]، فَاتَّقُوا اللَّهَ – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – وَاعْلَمُوا أَنَّ مَنْ صَفَا قَلْبُهُ حَسُنَ بِاللَّهِ ظَنُّهُ، وَتَفَتَّحَتْ بِالبَشَائِرِ آمَالُهُ، وَمَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ عَلَا فِي النَّاسِ ذِكْرُهُ، وَمَنْ وَثِقَ بِمَا عِنْدَ رَبِّهِ تَنَزَّلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ.

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا تُبْتَلَى بِهِ الأُمَمُ اخْتِلَالُ المَفَاهِيمِ، وَمِنْ أَخْطَرِ ذَلِكَ أَنْ تُشَوَّهَ المَعَانِي العَظِيمَةُ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا حَيَاةُ الأَفْرَادِ وَالمُجْتَمَعَاتِ؛ وَمِنْ أَجَلِّ تِلْكَ المَعَانِي وَأَرْفَعِهَا: مَعْنَى الرُّجُولَةِ؛ إِذِ الرُّجُولَةُ لَيْسَتِ ادِّعَاءً وَلَا مَظْهَرًا، بَلْ خُلُقٌ وَمَوْقِفٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ وَثَبَاتٌ عَلَى الحَقِّ

يَا عَبْدَ اللَّهِ: عَوِّدْ لِسَانَكَ رَبِّ اغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّ ثَمَّةَ سَاعَاتِ إِجَابَةٍ عِنْدَ رَبِّكَ، وَعَامِلِ النَّاسَ بِمَا تَرَى لَا بِمَا تَسْمَعُ، وَشَيْئَانِ لَا تَذْكُرْهُمَا: إِحْسَانُكَ لِلنَّاسِ، وَإِسَاءَةُ النَّاسِ إِلَيْكَ، وَالرِّفْقُ رَأْسُ الحِكْمَةِ، وَلَا شَيْءَ يُسَاوِي العَافِيَةَ، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤–٣٥].

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: صِفَةٌ نَبِيلَةٌ مُتَوَارَثَةٌ، وَمُكْتَسَبٌ حَمِيدٌ، تَضَعُ المُجْتَمَعَ فِي مَقَامٍ كَرِيمٍ، مِنَ العُلُوِّ وَالتَّسَامِي وَالاحْتِرَامِ وَالأَدَبِ العَالِي، وَالاعْتِزَازِ بِالدِّينِ، وَبِالوَطَنِ، وَتَارِيخِ الأُمَّةِ، وَلُغَتِهَا، وَتُرَاثِهَا؛ صِفَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ القُوَّةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالحَزْمِ وَاللِّينِ، وَالشَّجَاعَةِ وَالْتِزَامِ الحَقِّ فِي النَّفْسِ وَفِي الآخَرِينَ؛ فِي قُوَّةِ جَنَانٍ، وَسَلَامَةِ فِكْرٍ، وَصَفَاءِ عَقْلٍ.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّهَا صِفَةُ الرُّجُولَةِ؛ فِي الرُّجُولَةِ تَتَرَسَّخُ فِي المُجْتَمَعِ قُوَّتُهُ، وَتَحْفَظُ الأُسَرُ تَرَابُطَهَا، وَتُحَصِّنُ أَجْيَالَهَا، وَتَأْمَنُ بِهَا الدُّوَلُ مِنَ الاخْتِرَاقِ وَالتَّخَلْخُلِ؛ وَتَدُومُ – بِإِذْنِ اللَّهِ – المَنَافِعُ وَالمُكْتَسَبَاتُ، وَتَنْدَفِعُ المَضَارُّ وَالمُفْسِدَاتُ.

مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ: إِنَّ مِنْ صَنَائِعِ الحِكْمَةِ، وَمَسَالِكِ الحِنْكَةِ: التَّمَسُّكَ بِالرُّجُولَةِ وَحَمِيدِ الخِصَالِ، وَجَمِيلِ السَّجَايَا، وَغَرْسَ المَآثِرِ الَّتِي يَتَسَابَقُ فِي مِيدَانِهَا الشُّرَفَاءُ، وَبِالانْتِسَابِ إِلَيْهَا يَشْتَهِرُ الفُضَلَاءُ؛ وَمِنْ ثَمَّ تَتَوَارَثُ الأَجْيَالُ هَذِهِ الأَخْلَاقَ وَالمَكَارِمَ وَالعَادَاتِ وَالأَعْرَافَ وَالتَّقَالِيدَ الحَمِيدَةَ، وَفِي التَّنْزِيلِ العَزِيزِ: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٢–١٣٣].

مَعَاشِرَ الإِخْوَةِ: حِينَ تَتَرَسَّخُ الرُّجُولَةُ يَكُونُ – بِإِذْنِ اللَّهِ – العَوْنُ فِي النَّائِبَاتِ، وَالنَّجْدَةُ حِينَ المُـلِمَّاتِ.

الرُّجُولَةُ خَطٌّ مُسْتَقِيمٌ طَوِيلُ جَادَّةٍ، يَنْتَظِمُ العِلْمَ وَالعَمَلَ، وَبَذْلَ المَعْرُوفِ وَالإِحْسَانَ، وَكُلَّ حَسَنٍ جَمِيلٍ؛ الرُّجُولَةُ تَأْبَى النَّقَائِصَ، وَتَأْنَفُ المَذَمَّاتِ، الرُّجُولَةُ هِيَ المَسْؤُولِيَّةُ، وَتَحَمُّلُهَا بِكُلِّ مُتَطَلَّبَاتِهَا المَادِّيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ، الرُّجُولَةُ تَحْمِلُ صَاحِبَهَا عَلَى مَعَالِي الأُمُورِ، وَتَرْفَعُهُ عَنْ سَفَاسِفِهَا.

وَخَيْرُ مَا تَهْتَمُّ بِهِ التَّرْبِيَةُ: صِنَاعَةُ الرُّجُولَةِ، وَتَرْبِيَةُ الرِّجَالِ، وَلَنْ تَنْبُتَ الرُّجُولَةُ وَيَتَرَبَّى الرِّجَالُ إِلَّا فِي ظِلَالِ العَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ، وَالفَضَائِلِ الرَّفِيعَةِ.

مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ: وَلِلرُّجُولَةِ مُقَوِّمَاتُهَا وَمَظَاهِرُهَا؛ إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُحَافِظُ عَلَى الأَصَالَةِ وَالرُّجُولَةِ: التَّمَسُّكَ المَتِينِ بِالدِّينِ وَبِالهُوِيَّةِ، وَالاعْتِزَازَ بِالانْتِمَاءِ إِلَى الأَهْلِ وَالأَعْرَافِ الحَسَنَةِ؛ إِنَّهُ مَسْلَكٌ مَتِينٌ؛ إِذَا تَعَاهَدَهُ المُجْتَمَعُ، وَتَعَاهَدَتْهُ مَنَاهِجُ التَّرْبِيَةِ؛ فَهُوَ – بِإِذْنِ اللَّهِ – الحَافِظُ لِلأَجْيَالِ مِنَ الذَّوَبَانِ وَالهَشَاشَةِ وَالانْحِرَافِ.

عِبَادَ اللَّهِ: وَمِمَّا يَبْنِي الرُّجُولَةَ: التَّرْبِيَةُ الحَازِمَةُ عَلَى الشُّعُورِ بِالمَسْؤُولِيَّةِ، وَالتَّمَسُّكُ المُحْكَمُ بِالدِّيَانَةِ، وَالمُحَافَظَةُ عَلَى المُكْتَسَبَاتِ، وَتَعْظِيمُ التَّارِيخِ وَالتُّرَاثِ؛ مِنْ أَجْلِ انْطِلَاقَةٍ رَاشِدَةٍ نَحْوَ مُسْتَقْبَلِ العِزَّةِ وَالشُّمُوخِ.

إِنَّ تَرْسِيخَ الشُّعُورِ بِالمَسْؤُولِيَّةِ يَصْنَعُ – بِإِذْنِ اللَّهِ – أَجْيَالًا قَوِيَّةً تُصِرُّ عَلَى تَحْقِيقِ الأَهْدَافِ؛ وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى لِلانْشِغَالِ بِالتَّرَفِ وَالكَمَالِيَّاتِ أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي إِضْعَافِ التَّطَلُّعِ إِلَى المَعَالِي وَعُلُوِّ الهِمَمِ.

وَمِمَّا يُضْعِفُ هَذَا الشُّعُورَ – عِبَادَ اللَّهِ – أَنْ يُحْرَمَ بَعْضُ الشَّبَابِ مِنَ الثِّقَةِ وَالفُرَصِ؛ فَلَا يُكَلَّفُ وَلَا يُؤْتَمَنُ، وَلَا يُدَرَّبُ عَلَى تَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ، ثُمَّ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا كَامِلَ الرُّجُولَةِ! إِنَّ الشَّابَّ إِذَا عَاشَ عَلَى هَامِشِ الحَيَاةِ، بَعِيدًا عَنْ تَجَارِبِ الرِّجَالِ، وَمَجَالِسِ الكِبَارِ، وَصِنَاعَةِ القَرَارِ فِي الأُسْرَةِ؛ ضَعُفَتْ عِنْدَهُ الثِّقَةُ، وَتَخَلْخَلَتْ لَدَيْهِ مَعَانِي الحَزْمِ وَالثَّبَاتِ، وَسَهُلَ أَنْ يَتَشَكَّلَ بِسُلُوكِيَّاتٍ رِخْوَةٍ، وَيَسْتَسْلِمَ لِلْمَظَاهِرِ وَالقُشُورِ.

مَعَاشِرَ الإِخْوَةِ: وَمِنْ مَبَانِي الرُّجُولَةِ: مُجَالَسَةُ العُلَمَاءِ وَالوُجَهَاءِ وَرِجَالِ الأَعْمَالِ وَذَوِي التَّجَارِبِ؛ مِمَّا يَحْفَظُ عَلَى الأَجْيَالِ أَصَالَتَهُمْ، وَارْتِبَاطَهُمْ بِوَطَنِهِمْ، وَارْتِبَاطَهُمْ بِأَهْلِهِمْ، وَاعْتِزَازَهُمْ بِالانْتِمَاءِ إِلَيْهِمْ.

وَإِنَّ مِنَ الجَمِيلِ مَا اعْتَادَتْهُ بَعْضُ الأُسَرِ مِنْ فَتْحِ مَجَالِسَ وَدِيْوَانِيَّاتٍ وَأَنْدِيَةٍ لَا يَغِيبُ عَنْهَا أَبْنَاؤُهَا؛ مَجَالِسَ تَسْتَضِيفُ فِيهَا رِجَالَاتِ المُجْتَمَعِ وَكُبَرَاءَهُ لِيُقَدِّمُوا رُؤَاهُمْ وَتَجَارِبَهُمْ وَتَوْجِيهَاتِهِمْ؛ وَيَتِمُّ فِيهَا تَكْرِيمُ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّكْرِيمَ مِنْ أَهْلِ الفَضْلِ وَالإِنْجَازَاتِ.

كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُرَسِّخُ الرُّجُولَةَ الحَقَّةَ بِمَبَادِئِهَا وَآثَارِهَا العِلْمِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ. بَلْ إِنَّهُ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ المَجَالِسِ وَالدِّيْوَانِيَّاتِ تُنَمَّى مَهَارَاتُ أَفْرَادِ الأُسَرِ مِنْ أَبْنَاءٍ وَبَنَاتٍ، وَالارْتِقَاءِ بِقُدُرَاتِهِمْ، وَتَوْسِيعُ مَدَارِكِهِمْ وَآفَاقِهِمْ؛ كَمَا يَتَعَلَّمُونَ الأَدَبَ وَالأَخْلَاقَ وَحُسْنَ التَّعَامُلِ، وَتَوْقِيرَ الكِبَارِ، وَتَقْدِيرَ ذَوِي الهَيْئَاتِ، وَاحْتِرَامَ النَّاسِ؛ نَاهِيكُمْ عَمَّا يَدُورُ فِي هَذِهِ المَجَالِسِ مِنْ نِقَاشٍ وَآرَاءَ وَفَوَائِدَ لَهَا تَأْثِيرُهَا البَالِغُ المُبَاشِرُ وَغَيْرُ المُبَاشِرِ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ فِي اللَّهِ: وَإِنَّ مِنْ أَهَمِّ مُقَوِّمَاتِ الرُّجُولَةِ: الحِفَاظَ عَلَى لُغَةِ الأُمَّةِ تَكَلُّمًا وَتَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا؛ فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ هِيَ لُغَةَ القُرْآنِ الكَرِيمِ وَحَامِلَةَ الوَحْيِ العَظِيمِ: القُرْآنُ الكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ المُطَهَّرَةُ؟! إِنَّ رَطَانَةَ المَرْءِ مَنْقَصَةٌ، وَيَزْدَادُ الأَمْرُ نُقْصَانًا وَضَعْفًا وَعِيًّا حِينَ يَكُونُ ذَلِكَ فِيمَنْ هُمْ فِي مَقَامِ التَّوْجِيهِ وَالإِرْشَادِ وَالقُدْوَةِ، وَقَدْ دَفَعَتْ سَادَاتُ قُرَيْشٍ أَطْفَالَهَا الرُّضَّعَ إِلَى البَادِيَةِ؛ لِيَلْتَقِطُوا اللُّغَةَ الفَصِيحَةَ الرَّاقِيَةَ؛ وَالأُمَمُ تَعِزُّ بِعِزِّ لُغَاتِهَا

إِنَّ الأَصَالَةَ وَالرُّجُولَةَ تَقْتَضِي حَدًّا لَا نُزُولَ عَنْهُ مِنَ السَّلَامَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالتَّمَكُّنِ اللُّغَوِيِّ الَّذِي يَحْمِي مِنَ الذَّوَبَانِ وَسَطْحِيَّةِ التَّفْكِيرِ، وَرَدَاءَةِ الكِتَابَةِ وَالتَّعْبِيرِ.

أَيُّهَا الشَّبَابُ: مَوَاطِنُ بُرُوزِ الرُّجُولَةِ كَثِيرَةٌ؛ فِي العِلْمِ، وَالاقْتِصَادِ، وَالتِّجَارَةِ، وَالتِّقْنِيَّاتِ؛ فَمَنْ يُرِدْ نَصْرَ الإِسْلَامِ، وَرِفْعَةَ الوَطَنِ، وَإِعْلَاءَ شَأْنِ الأُمَّةِ، وَالانْتِمَاءَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ وَدِينِ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –؛ فَجَادَّةُ الرُّجُولَةِ وَاضِحَةٌ، وَمَنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ ذَلِكَ فَلْيَعْزِمْ عَلَى فِعْلِهِ إِذَا تَهَيَّأَ لَهُ.

مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ: وَهَذِهِ نَمَاذِجُ مِنْ نَمَاذِجِ المَجَالِسِ وَالتَّرْبِيَةِ وَبِنَاءِ الرُّجُولَةِ مِنْ مَأْثُورِ السَّلَفِ الصَّالِحِ: هَذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يُدْخِلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – وَهُوَ شَابٌّ مَعَ أَشْيَاخِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؛ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ. فَدَعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا رَأَيْتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ عِلْمِي. قَالَ عُمَرُ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ – عَزَّ وَجَلَّ –: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ﴾ [النَّصْرِ: ١] السُّورَةَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا. فَقَالَ لِي: أَكَذَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: مَا تَقُولُ؟ فَقُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَعْلَمَهُ لَهُ؛ قَالَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ﴾ فَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ؛ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ.

أَمَّا فِي شَأْنِ الصِّغَارِ – عِبَادَ اللَّهِ – فَتَأَمَّلُوا هَذَا الأَثَرَ التَّسَلْسُلِيَّ التَّرْبَوِيَّ لِحُسْنِ تَنْشِئَةِ الصِّغَارِ، وَحِفْظِ حُقُوقِهِمْ، وَزَرْعِ الأَدَبِ فِيهِمْ؛ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَيَّارٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ فَمَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ؛ فَقَالَ ثَابِتٌ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ أَنَسٍ فَمَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ؛ وَقَالَ أَنَسٌ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَمَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ».

عِبَادَ اللَّهِ!

اعْلَمُوا – يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ – أَنَّ الرُّجُولَةَ إِذَا أُقِيمَتْ عَلَى وَجْهِهَا فَإِنَّهَا – بِإِذْنِ اللَّهِ – صِمَامُ أَمَانٍ لِلْمُجْتَمَعِ وَالأُسَرِ وَالأَوْطَانِ؛ تَقُودُ إِلَى التَّسَابُقِ إِلَى المَحَامِدِ، وَتَقْضِي عَلَى السَّلْبِيَّةِ وَالذَّوَبَانِ وَالضَّعْفِ وَالضَّيَاعِ، وَلَا سِيَّمَا أَمَامَ الدَّعَوَاتِ المُرِيبَةِ لِهَدْمِ المُجْتَمَعَاتِ، وَضَعْفِ الانْتِمَاءِ، وَنَزْعِ الثِّقَةِ مِنْ رِجَالَاتِ الأُمَّةِ، وَالتَّمَسُّكِ بِجُذُورِهَا وَالاعْتِزَازِ بِهَا.

إِنَّ المُحَافَظَةَ عَلَى الرُّجُولَةِ وَالأَصَالَةِ هِيَ سَبِيلُ الرَّشَادِ وَمَنْهَجُ السَّدَادِ. أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأَحْزَابِ: ٢٣].

نَفَعَنِيَ اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِهَدْيِ كِتَابِهِ، وَبِسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –، وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمْدُ لِلَّهِ عَمَّ بِرَحْمَتِهِ جَمِيعَ العِبَادِ، وَاخْتَصَّ أَهْلَ طَاعَتِهِ بِالهُدَى وَالسَّدَادِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ تَنَزَّهَ عَنِ الأَشْبَاهِ وَالأَنْدَادِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ المَعَادِ.

أَمَّا بَعْدُ، مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ: فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُضْعِفُ الرُّجُولَةَ وَيُوهِنُهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ: إِغْرَاقُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي السُّطْحِيَّاتِ، وَالمُبَالَغَةُ فِي الكَمَالِيَّاتِ، وَتَعْظِيمُ القُشُورِ وَالمَظَاهِرِ، حَتَّى صَارَ المِيزَانُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِالأَرْقَامِ وَالمُتَابِعِينَ وَالإِعْجَابَاتِ؛ لَا بِالجِدِّ وَالخُلُقِ وَالبِنَاءِ. وَحِينَ تَغْلِبُ القُشُورُ عَلَى العُقُولِ، يُسْتَبْدَلُ العُمْقُ بِالاسْتِعْرَاضِ، وَيَضْعُفُ التَّفْكِيرُ الرَّشِيدُ، وَتَخِفُّ المَسْؤُولِيَّةُ، وَيُنَشَّأُ المَرْءُ عَلَى العَاجِلِ مِنَ اللَّذَّةِ بَدَلَ الآجِلِ مِنَ المَعَالِي.

ثُمَّ إِنَّ مِنْ مَظَاهِرِ هَذَا الخَلَلِ: تَمْيِيعُ الشَّخْصِيَّةِ؛ بِأَنْ تُسَاقَ النُّفُوسُ إِلَى الرَّخَاوَةِ، وَتُفَرَّغَ مَعَانِي الوَقَارِ وَالحَزْمِ، وَيُزَيَّنَ لِلشَّابِّ أَنَّ الرُّجُولَةَ خُشُونَةٌ مَذْمُومَةٌ، وَأَنَّ الجِدَّ تَخَلُّفٌ، وَأَنَّ الثَّبَاتَ تَشَدُّدٌ؛ فَيَنْتَهِي الأَمْرُ إِلَى نَفْسٍ مَكْسُورَةِ الإِرَادَةِ، تَتَقَلَّبُ مَعَ الهَوَى، وَتَضْعُفُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ. وَيَزْدَادُ ذَلِكَ حِينَ تُهْمَلُ صِنَاعَةُ الرِّجَالِ فِي البُيُوتِ؛ فَتَضْعُفُ مَجَالِسُ الكِبَارِ، وَتَغِيبُ القُدْوَاتُ، وَيُقْصَى النَّاشِئُ عَنِ المَوَاقِفِ الَّتِي تُنْضِجُهُ؛ ثُمَّ يُطْلَبُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ صُلْبًا ثَابِتًا، وَمَا صُنِعَ لَهُ هَذَا الصُّنْعُ.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: الرُّجُولَةُ لَيْسَتْ شِعَارًا يُرْفَعُ، وَإِنَّمَا حَقَائِقُ تُرَى، وَأَوَّلُهَا وَأَعْظَمُهَا: المُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ؛ فَهِيَ مِيزَانُ الاسْتِقَامَةِ، وَبُرْهَانُ الصِّدْقِ، وَمَدْرَسَةُ الانْضِبَاطِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [النُّورِ: ٣٦ - ٣٨]..

فَمَنْ حَفِظَ صَلَاتَهُ حَفِظَتْهُ صَلَاتُهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا تَهَاوَى عَلَيْهِ بِنَاءُ الرُّجُولَةِ مِنْ دَاخِلِ قَلْبِهِ قَبْلَ ظَاهِرِ أَمْرِهِ.

وَمِنْ أَجْمَلِ آثَارِ الرُّجُولَةِ كَذَلِكَ: إِكْرَامُ الضَّيْفِ؛ فَالرَّجُلُ الكَرِيمُ يَتَّسِعُ صَدْرُهُ، وَيَجُودُ بِمَا يَسْتَطِيعُ، وَيَرَى إِكْرَامَ الضَّيْفِ شَرَفًا لَا كُلْفَةً.

وَمِنْ آثَارِهَا: الإِيثَارُ عِنْدَ الحَاجَةِ؛ فَصَاحِبُ الرُّجُولَةِ لَا يَعْبُدُ نَفْسَهُ، وَلَا يَجْعَلُ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّهِ، بَلْ يُقَدِّمُ أَهْلَهُ وَعِيَالَهُ وَجِيرَانَهُ وَإِخْوَانَهُ عَلَى شُحِّهِ وَهَوَاهُ.

وَمِنْ آثَارِهَا: الإِحْسَانُ إِلَى الجَارِ؛ كَفٌّ لِلْأَذَى، وَبَذْلٌ لِلْمَعْرُوفِ، وَحِفْظٌ لِلْحُقُوقِ؛ تِلْكَ شَهَامَةُ الرِّجَالِ؛ فَإِنَّ مِنْ ضَعْفِ الرُّجُولَةِ أَنْ يُضَيَّعَ حَقُّ جَارٍ أَوْ يُؤْذَى أَوْ يُهْمَلَ.

ثُمَّ اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- أَنَّ الرُّجُولَةَ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِسَمْتٍ يُوَافِقُهَا؛ فَالمَظْهَرُ رِسَالَةٌ، وَالهَيْئَةُ عُنْوَانٌ، وَالصَّوْتُ تُرْجُمَانٌ. وَالرُّجُولَةُ فِي الهَيْئَةِ لَيْسَتْ إِهْمَالًا وَلَا فَوْضَى، كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ تَكَسُّرًا وَلَا تَكَلُّفًا؛ بَلِ اعْتِدَالٌ وَوَقَارٌ. وَمِنْ مُنَافِيَاتِهَا: المُبَالَغَةُ فِي التَّجَمُّلِ وُصُولًا إِلَى النُّعُومَةِ وَالتَّمَيُّعِ؛ سَوَاءً فِي طَرِيقَةِ الكَلَامِ، أَوْ فِي اللِّبْسِ، أَوْ بِالحَرَكَاتِ وَصِفَةِ المَشْيِ، حَتَّى يَذْهَبَ الوَقَارُ وَتَضْعُفَ الهَيْبَةُ وَتُسْلَبَ الشَّخْصِيَّةُ جِدَّهَا. وَالرَّجُلُ المُسْلِمُ يُعْرَفُ بِسَكِينَةٍ فِي سَمْتِهِ، وَثَبَاتٍ فِي نَبْرَتِهِ، وَوُضُوحٍ فِي عِبَارَتِهِ؛ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا تَكَلُّفَ، وَلَا اسْتِعْرَاضَ وَلَا تَمْيِيعَ.

وَمِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّجُولَةِ الظَّاهِرَةِ: إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَتَخْفِيفُ الشَّارِبِ؛ فَهُوَ هَدْيُ فِطْرَةٍ وَوَقَارٍ، وَتَمْيِيزٌ لِشَخْصِيَّةِ المُسْلِمِ، وَحِفْظٌ لِلْهَيْبَةِ وَالرُّجُولَةِ.

فَاللِّحْيَةُ لَيْسَتْ مَظْهَرًا شَكْلِيًّا، بَلْ عَلامَةُ التِزَامٍ بِهَدْيِ النُّبُوَّةِ، وَالشَّارِبُ يُحَفُّ وَلَا يُحْلَقُ؛ لِيَبْقَى الرَّجُلُ عَلَى سَمْتٍ مُعْتَدِلٍ بَعِيدٍ عَنِ التَّشَبُّهِ وَالمُيُوعَةِ.

وَمَن تَمَسَّكَ بِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، ثَبَّتَ اللَّهُ لَهُ رُجُولَتَهُ وَهَيْبَتَهُ.

أَيُّهَا الآبَاءُ وَالمُرَبُّونَ:

أَعْطُوا أَبْنَاءَكُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الثِّقَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ؛ كَلِّفُوهُمْ، وَرَافِقُوهُمْ إِلَى مَجَالِسِ الرِّجَالِ، وَعَوِّدُوهُمْ خِدْمَةَ البَيْتِ، وَتَحَمُّلَ تَبِعَاتِ القَرَارِ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنَّ الرُّجُولَةَ لَيْسَتْ أَخْذًا فَقَطْ؛ بَلْ عَطَاءٌ وَانْضِبَاطٌ وَوَفَاءٌ.

وَمِنْ صِنَاعَةِ الرُّجُولَةِ: أَنْ نَتَحَمَّلَ أَخْطَاءَ الأَبْنَاءِ، وَنَمْنَحَهُمُ المَهَامَّ وَالثِّقَةَ وَإِنْ أَخْطَأُوا؛ فَالأَخْطَاءُ جُزْءٌ مِنَ التَّعَلُّمِ؛ فَمَتَى يَتَعَلَّمُ الشَّابُّ إِنْ لَمْ يُكَلَّفْ، وَمَتَى يَنْضُجُ إِنْ لَمْ يُخْطِئْ؟ نُقَوِّمُ وَلَا نُحَطِّمُ، وَنُوَجِّهُ وَلَا نُقْصِي.

ثُمَّ إِنَّ مِنْ تَمَامِ الرُّجُولَةِ أَنْ تُعَلَّقَ القُلُوبُ بِالمِثْلِ الأَعْلَى، وَأَنْ تُصْلَحَ البَوَاطِنُ عَلَى هَدْيِ النَّبِيِّ المُصْطَفَى؛ سَيِّدِ الرِّجَالِ وَإِمَامِ المُتَّقِينَ؛ فَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَدْ أَمَرَنَا رَبُّنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا اتِّبَاعَ سُنَّتِهِ، وَثَبِّتْ فِينَا مَعَانِيَ الرُّجُولَةِ الصَّادِقَةِ: صِدْقًا وَأَمَانَةً وَعِفَّةً وَحَيَاءً وَوَقَارًا وَحَزْمًا وَرَحْمَةً وَشَهَامَةً وَعَدْلًا، وَاجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا المَمْلَكَةَ العَرَبِيَّةَ السُّعُودِيَّةَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ أَرْضَهَا وَسَمَاءَهَا، وَاحْفَظْ جَنُوبَهَا وَشَمَالَهَا وَشَرْقَهَا وَغَرْبَهَا، وَاجْعَلْهَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ رِجَالَ أَمْنِنَا المُرَابِطِينَ عَلَى أَمْنِ بِلَادِنَا، اللَّهُمَّ سَدِّدْهُمْ وَوَفِّقْهُمْ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَاجْزِهِمْ خَيْرَ الجَزَاءِ، وَاكْتُبْ لَهُمُ الأَجْرَ وَالنَّصْرَ وَالسَّلَامَةَ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسْلِمِينَ بِسُوءٍ فَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْهِ.

اللَّهُمَّ ارْفَعِ البَلَاءَ عَنْ أَهْلِ اليَمَنِ، وَأَصْلِحْ أَحْوَالَهُمْ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ. اللَّهُمَّ ارْفَعِ الفِتَنَ عَنْ أَهْلِ السُّودَانِ، وَاحْقِنْ دِمَاءَهُمْ، وَأَبْدِلْ خَوْفَهُمْ أَمْنًا. اللَّهُمَّ انْصُرِ المُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَارْحَمْ مَوْتَاهُمْ، وَفَرِّجْ كُرُبَاتِهِمْ.

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ * وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ).

المرفقات

1767174683_الرجولة تعريفها وبيان آثارها.docx

المشاهدات 296 | التعليقات 0