الشعيرة الكبيرة
عبدالرزاق بن محمد النهيان
الخطبة الأولى: 5/12/1447( الشعيرة الكبيرة )
الحمد لله الكبير المتعال، ذي الجلال والإكرام، فرض الفرائض وأظهر الشعائر، وجعل للمؤمنين مواسم للخيرات، تتنزل فيها الرحمات، وتُغفر فيها الزلات، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الأعياد لأهل الإسلام شعارَ فرحٍ بطاعته، وإظهاراً لدينه، وتعظيماً لشعائره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.
أيها المؤمنون: إن من أعظم ما يُبتلى به الناس في هذا الزمان: ضعفُ تعظيم شعائر الله، والتهاونُ بالمواسم العظيمة التي شرعها الله لعباده، حتى أصبح بعض الناس يعتني بمظاهر العيد وزينته وثيابه ومطعمه، أكثر من عنايته بأعظم شعائر ذلك اليوم وأجلِّ عباداته: صلاة العيد.
صلاةٌ عظيمةٌ جليلة، شرعها الله لأهل الإسلام، وأمر بها نبيه ﷺ، وخرج لها الرجال والنساء، حتى الحُيَّض يشهدن الخير ودعوة المسلمين.
روى البخاري ومسلم عن أم عطية رضي الله عنها قالت: “أَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ أن نُخرِجَهُنَّ في الفطر والأضحى: العواتق والحُيَّض وذوات الخدور، فأما الحُيَّض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين”.
فتأملوا ـ رحمكم الله ـ هذا الاهتمام العظيم بهذه الشعيرة، حتى النساء المخدَّرات في البيوت أُمرن بالخروج لها، فكيف برجالٍ أصحاء قادرين ثم يتخلفون عنها نومًا أو تكاسلًا أو انشغالًا بالدنيا؟!
عباد الله: لقد كان النبي ﷺ يعظم صلاة العيد تعظيماً بالغاً، ويخرج إليها مبكراً، ويجتمع لها المسلمون في المصليات، إظهاراً لشعيرة الإسلام، وإعلاناً لوحدة الأمة، وفرحها بطاعة ربها.
وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أن صلاة العيد فرض عين، وذهب آخرون إلى أنها فرض كفاية أو سنة مؤكدة، لكنهم جميعاً متفقون على عِظم شأنها، وأن تركها والتهاون بها من علامات الغفلة وفتور الإيمان.
فأي حرمانٍ أعظم من رجلٍ يسهر ليلة العيد على اللهو والغفلة، ثم ينام عن صلاة العيد، فيفقد تكبير المسلمين، ودعواتهم، وخير ذلك اليوم وبركته؟!
أيها المسلمون: إن يوم العيد ليس يوماً للغفلة والمعاصي، ولا موسماً للتبذل والتقصير، بل هو يوم شكرٍ لله على تمام العبادة، قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
ومن أعظم الشكر: المحافظة على صلاة العيد، وتعظيمها، والتبكير إليها، وإحضار الأبناء والأهل لها، وربط القلوب بهذه الشعيرة العظيمة، ألا فربُّوا أبناءكم على تعظيم صلاة العيد، لا على تعظيم الملابس والهدايا فقط.
علموهم أن أول فرحة العيد: سجدةٌ لله، وتكبيرٌ يملأ الآفاق، واجتماع المسلمين على الطاعة والذكر.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن تعظيم الشعائر من تقوى القلوب، قال سبحانه:﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾.
بارك الله لي ولكم،،،
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من علامات حياة القلب: تعظيم شعائر الله، والفرح بالطاعات، والحرص على مواطن الخير.
وإن صلاة العيد ليست صلاةً عابرة يؤديها الناس على سبيل العادة، بل هي مشهد إيماني مهيب، تُرفع فيه التكبيرات، وتجتمع فيه القلوب، وتظهر فيه وحدة المسلمين وهيبتهم وفرحتهم بعبادة ربهم.
فاحذروا ـ رحمكم الله ـ من التهاون بها، أو التساهل في شأنها، أو الانشغال عنها بالسهر والأسواق والاستراحات والملهيات.
وكم هو مؤلم أن تمتلئ المتنزهات والأسواق ليلة العيد، ثم تُرى فراغات في مصليات العيد صباحه!
أين تعظيم الشعائر؟ أين الفرح بالطاعة؟
أين الاستجابة لنداء الله؟
عباد الله: احرصوا على إحياء هذه السنة العظيمة في بيوتكم وأهليكم وأبنائكم، وأيقظوا أولادكم لصلاة العيد كما توقظونهم لأسفار الدنيا ومواعيدها، فإن القلوب تُربَّى بالمواقف، والأبناء يتعلمون بالتعظيم العملي للشعائر.