الظلم - صوره وعاقبته

فهد الجمعة
1447/08/18 - 2026/02/06 23:56PM

الحمدلله الذي حرّم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرمًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له نرجو بها أجرًا ومغنمًا، وأشهد أن محمدًا عبده ومصطفاه ونبيه المرتضى وخليلهالمجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا. أما بعد: فعليكم أيها المسلمون بتقوى الله، فاتقوه وأطيعوه، واتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يومالقيامة، اتقوا الظلم فإنه منافٍ للعدل الذي قامت عليه السماوات والأرض: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَابِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).

عباد الله: لقد جاء التحذير من الظلم في آيات كثيرة على وجوه متنوعة، تارة في التشديد علىالظلم والتشنيع على أهله، وتارة بذكر ما حل بهم من العقوبات وما ينتظرهم من عقوبات يومالعرض الأكبر على رب الأرض والسماوات، وتارة بدعوة الظالمين إلى التوبة وترك الظلم، وتارةبذكر أنواع الظلم إلى غير ذلك. ولقد نزَّه الله سبحانه نفسه العلية عن الظلم فقال -عز منقائل-: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ) وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "يا عبادي: إنيحرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا"، وحسبك في حمل الظلم ما جاءفي قول ربنا -جل جلاله-: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ).

وإن أشد وأخطر أنواع الظلم هو الشرك بالله، لأنه وضعٌ للعبادة في غير موضعها، وصرفٌ لهالغير مستحقها، قال سبحانه: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَلَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ومن الظلم كذلك ظلمُ العبدِ لنفسه بارتكاب المعاصي، والتفريط في الفرائضوالطاعات، والتهاون بحدود الله، قال تعالى: (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ). لقد انتشر الظلم في هذا الزمان، وأصبحنا نراه في كل مكان، انتشر الظلم في بيوتنا، فكم من أبٍ يظلم أولاده وأهله ومن يعول. انتشر الظلم بين الجيران، كم من جارٍ يظلم جاره، ويؤذيه في عرضه، ويأخذ من حقه، ويقتطع من أرضه،: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ فاتقِ الله -أيها الظالم- بالكف عن الظلم ولا تغتر بإمهال الله لك، فقدقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله -عز وجل- ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لميفلته"، ثم قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) واحذر يومالفصل والقضاء بين يدي المولى -جل وعلا- يوم يوضع الحساب ويجاء بالنبيين والشهداء:(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُصَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَمَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) فما أتعس الظالمين وأشقاهم في دنياهم وأخراهم!! ويا خيبة على الظالمين حين يقدمون على رب العالمين: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَمِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌلِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُالْحِسَابِ) (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَاشَفِيعٍ يُطَاعُ).

ما هو حالك أيها الظالم إذا قدمت على الله ومعك الحسنات، حسنات طالما تعبت في تحصيلهاواجتهدت في كسبها وإحرازها، فتجدها وقد وُضعت في صحائف غرمائك وسجلات خصومكوأنت أحوج ما تحتاج إليها، إنها الإفلاس الحقيقي والخسران المبين، عن أبي هريرة -رضي اللهعنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أتدرون من المفلس؟!"، فقالوا: المفلس فينا من لادرهم له ولا متاع، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامةبصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضربهذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته من قبل أن يقضي ما عليهأخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار". أعاذنا الله وإياكم من نار جهنم.

بارك الله ….

 


الخطبة الثانية

الحمدلله… أما بعد:فإن من صور الظلم المحرَّم تفريطَ الموظف في مهامه وواجباته، واستغلالهلمنصبه، وتعطيله لمصالح الناس؛ لما في ذلك من ظلمٍ للنفس بأكل الحرام، وظلمٍ للغيربتعطيل مصالحهم وحرمانهم.

عباد الله: إن الظلم اسمٌ يجمع الرذائل، ويدل على القبائح، الظلم اسم تمجه الأسماع، وتستثقله الألسن، الظلم يا عباد الله: له ظلمةٌ تقلب الأحوال، وتغير الدول.

إن الظالم وإن تجبر، وتكبر، فلا بد له من يوم وما أدراك ما ذلك اليوم!! قال سفيان بن عيينة رحمه الله: «أول ما كُتب في الزبور: ويلٌ للظلمة".

ولنعلم - يا عباد الله- أن عقوبات الظالمين ليست قاصرةً على الأفراد، بل إن الظلم إذا عم أرضًا كان ذلك إيذانًا بهلاكها، وقرب زوالها، فكم من دولٍ هلكت بسبب الظلم! كم من قريةٍ هلكت ديارها، وجفت أرضها، وماتت زروعها بسبب ظلمها: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾.

أيها المسلمون: إن كثيرًا من الناس ربما قد سلمت يداه من دماء المسلمين، وأموال الآخرين، فيظن أنه قد سلم من الظلم، ومن دعوات المظلومين، وما درى أن للظلم ألوانًا، وصورًا كثيرة، فهناك ظلم الأيتام، وهناك ظلم الأرحام، وهناك ظلم الأولاد والبنات والزوجات. فكم هي الأنَّات والزفرات التي تخرج من بيوتنا! وكم هي الدمعات التي تسيل في وجوه نسائنا! فكم من رجلٍ يظلم زوجته، أو زوجاته، ولا يعدل بينهن، ويحسن إليهن، قد يظلم الأولى، وقد يظلم الأخرى، قد يتزوج على زوجته، ثم يظلمها، ويتنكر لها، ويقهرها، ويميل إلى الزوجة الثانية، وقد يظلم الأخرى، ويصرف حبه وماله للأولى؛ بحجة أنها رفيقة حياته، وأنها أم أولاده، أو أنها الكبرى، إلى غير ذلك...، وتظل الثانية عنده كالخادمة، أو كالجارية المستأجرة، وكأنه ما تزوجها إلا للخدمة والمتعة، والله المستعان. فاتقوا الله أيها الرجال، واعدلوا بين زوجاتكم، ولا يضركم سكوت نسائكم عنكم - أيها المعددون الجائرون؛ فإن عدالة الله لن تنساكم.

فتوبوا من الظلم، وردوا المظالم، وتحللوا من الحقوق؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسولالله صلى الله عليه وسلم قال:"من كانت له مظلمةٌ لأخيه من عِرضه أو شيء، فليتحلَّلْه منهاليوم، قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم؛ إن كان له عملٌ صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكنله حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه".

اللهم وفقنا للتوبة النصوح واغفر لنا وارحمنا وتجاوز عنا يا رب العالمين.

المشاهدات 30 | التعليقات 0