الْعَدْلُ قَوَامُ الأُمَمِ، وَالظُّلْمُ نَذِيرُ النِّقَم.

أ.د عبدالله الطيار
1447/11/01 - 2026/04/18 10:48AM

 

الْحَمْدُ للهِ الواحدِ الدَّيَّانِ، أَمَرَ بالعدلِ والسَّمَاحةِ والإِحْسَانِ، وحَرَّمَ الظُّلْمَ والْجُورَ والطُّغْيَانَ، وَأَشْهَدُ ألّا إِلَهَ إِلّا اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنّ محمدًا عبدهُ ورسولُه، صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبه إلى يومِ الدِّينِ، أمّا بعدُ: فاتّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) البقرة:[281].

أيُّهَا المؤْمِنُونَ: جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلا تَظالَمُوا) أخرجه مسلم (5277).

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الظُّلْمَ جُرْمٌ عَظِيمٌ، حَرَّمَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ عَلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) النساء: [40] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) فصلت: [46]. وَحَذَّرَ مِنْهُ نَبِيُّنَا ﷺ بِقَوْلِهِ: (اتَّقوا الظُّلمَ؛ فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ) رواه مسلم (2578).

أيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَالظُّلْمُ بَلِيَّةٌ وَمُصِيبَةٌ، وَمُوجِبٌ لِلطَّرْدِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) غافر: [52] وَالظُّلْمُ مَرْتَعُهُ وَخِيمٌ وَجَزَاؤُهُ الْجَحِيمُ، قَالَ تَعَالى: (وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا) وَالظُّلْمُ دَاءٌ عُضَالٌ وَسُمُومٌ تَسْرِي فِي جَسَدِ الْفَرْدِ فَتُرْدِيهِ، وَفِي بُنْيَانِ المُجْتَمَعِ فَتَهْدِمه، قَالَ تَعَالى: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) النمل: [25] وَالظَّالِمُ مَحْرُومٌ مِنَ الشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ تَعَالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) غافر: [18].

عِبَادَ اللهِ، وَقَدْ حَذَّرَنَا رَبُّنَا سُبْحَانَهُ مِنَ الرُّكُونِ إِلَى الظَّالِمِينَ، أَوْ مُنَاصَرَتِهِمْ بِقَوْلِهِ:(وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) هود: [113] وَإِذَا شَاعَ الظُّلْمُ فِي مُجْتَمَعٍ تَبَدَّلَ أَمْنُهُمْ خَوْفًا، وَعِزُّهُمْ هَوَانًا وَذُلًا، وَكَانَ هَذَا إِيذَانًا بِزَوَالِهِمْ وَفَنَائِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) هود: [102] وَالظُّلْمُ دَوَاوِينٌ ثَلاثة.
أوّلُهَا: دِيوَانٌ لا يَغْفِرُ اللهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَهُوَ الشِّرْكُ بِهِ سُبْحَانَهُ، قَالَ تَعَالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) النساء: [48] وَهُوَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) لقمان: [13] وَتَوَعَّدَ اللهُ عزَّ وجلَّ المشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) المائدة: [72]
وَثَانِيهَا: دِيوَانٌ يغفره الله لمن يشاء، وَهُوَ ظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ، بِارْتِكَابِ المحْظُورَاتِ، وَمُبَارَزَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ بالمعَاصِي في الْخَلَوَاتِ، فَيَحْرِم قَلْبَهُ مِنَ الْقُرْآَنِ، وَيَحْرِم رُوحَهُ مِنَ التَّلَذُّذِ بِمُنَاجَاةِ الرَّحْمَنِ، فَهَذَا ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ، قَالَ تَعَالَى: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) النحل: [33] وَهَذَا أَخَفُّ الدَّوَاوِين وِزْرًا، وَأَسْرَعُهَا مَحْوًا، تَمْحُوهُ التَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ، قَالَ رَبُّنَا: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا) النساء: [110].
والثَّالِثُ: دِيوَانُ المَظَالِمِ، وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَهَذَا لا فِدَاءَ فِيهِ وَلا خَلاصَ، وَلا مُكَفِّرَ لَهُ إِلا رَدّ المَظَالِم أَوِ الْقَصَاصُ، يَوْمَ تُنْصَبُ الموَازِينُ، وَتُكْشَفُ الدَّوَاوِينُ، قَالَ ﷺ: (لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى أهْلِها يَومَ القِيامَةِ، حتّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ، مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ) أخرجه مسلم (2582).
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) إبراهيم: [42]. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، وتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنَ الظُّلْمِ: الاسْتِقْوَاءُ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَالتَّسَلُّطُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَظُلْمُ الْعَمَالَةِ، بِهَضْمِ حُقُوقِهِمْ، وَالتَّجَاوُزُ فِي مُعَامَلَتِهِمْ، قَالَ ﷺ: (المُسلمُ أخو المُسلمِ، لا يَظلِمُه) وَقَالَ أَيْضًا: (مَن كانت له مَظلَمةٌ لأخيه مِن عِرضِه أو شَيءٍ، فلْيتَحَلَّلْه مِنه اليومَ) أخرجه البخاري (2449) وقَالَ أَيْضًا: (اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فإنَّها ليسَ بيْنَها وبيْنَ اللَّهِ حِجابٌ) أخرجه البخاري (2448) قَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (إنِّي لأستَحي أن أظلِمَ مَن لا يجِدُ عليَّ ناصِرًا إلَّا اللهَ) العقد الفريد: (1/30). وَمِنَ الظُّلْمِ: خِيَانَةُ المُوَظَّفِ لأَمَانَتِهِ، وَإِهْمَالِهِ فِي أَدَاءِ وَظِيفَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الأنفال: [27] وَقَالَ ﷺ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِه) أخرجه البخاري (2409)

اللَّهُمَّ ارْفَعِ الظُّلْمَ عَنِ المَظْلُومِينَ، وَوَفِّقْنَا لِرَدِّ المَظَالِمِ، وَلا تَجْعَلْنَا مِنَ الْغَافِلِينَ، (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) يونس: [85-86] اللَّهُمَّ إنِّا نعُوذُ بكَ مِنَ الفَقْرِ، والقِلَّةِ، والذِّلَّةِ، ونعُوذُ بكَ أنْ نظْلِمَ أوْ نُظْلَمَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسْلامَ والمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشْرِكِينَ، وانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَينِ الشَّرِيفَيْنِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى اَلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ وَفِّقْه ووَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى كُلِّ خَيرٍ، وَاصْرِفْ عَنْهُمَا كُلَّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ احْمِ حُدُودَنَا، واحْفَظْ رِجَالَ أَمْنِنَا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لآَبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، وَارْحَمْهُمْ كَمَا رَبَّوْنَا صِغَارًا. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

الجمعة 18/ 8/ 1447هـ

المشاهدات 322 | التعليقات 0