العشر الأواخر
الشيخ عبدالعزيز الراجحي
فضل العشر الأواخر من رمضان
الحمد لله الذي شرّف عشر رمضان على كل عشر ، وخصها بليلة القدر خيرٍ من ألف شهر ، أحمده سبحانه وأشكره وهو أهل الحمد والشكر ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة في يوم النشر والحشر، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله حثَّ على الاجتهاد قيام الليل في هذه العشر ، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين حازوا قصب السبق ورُتب الفخر، ومن تبعهم بإحسان في التشمير إلى الله في حالتي العسر واليسر ، وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد : أيها المسلمون اتقوا الله تعالى واغتنموا كرم المولى في أوقات إفاضته، وتعرّضوا لنفحاته فإن لربكم في دهكم نفحات ، وتحرّوا ليلة القدر في العشر من رمضان ، واعلموا أنها ليلة شريفة عظيمة من وُفِّق فيها للعمل الصالح والدعاء سَعِد وأفلح ونجا ، ومن حرم خيرها فهو المحروم ، ومنْ عِظمها وشرفها أن الله أن الله اختصّها لإنزال القرآن فيها قال تعالى : [القدر :1-5]، وقال تعالى : [الدخان :1-6] .
وكان النبي e يخصّ العشر الأواخر من رمضان دون غيرها بأعمال لا يعملها في بقية الشهر ، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله e : (( إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليله ، وأيقظ أهله )) .
وفي رواية لمسلم عنها قالت : كان رسول الله e يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره .
وفي المسند عن عائشة قالت : كان النبي e يخلط العشرين بصلاة ونون، فإذا كان العشر شمَّر وشدَّ المئزر ، ومن ما كان النبي e يخص به العشر دون غيرها ، ومنها أنه كان يشد المئزر أي يعتزل النساء ، وورد أنه لم يأوِ إلى فراشه حتى ينسلخ رمضان ، وفي حديث أنس : وطوى فراشه واعتزل النساء ، ومنها أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي e كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله . وإنما كان النبي e يعتكف في هذه العشر الأواخر التي تطلب فيها ليلة القدر قطعاً لأشغاله ، وتفريغاً لبالـه ، وتخليَّا لمناجاة ربه وذكره ودعائه .
أيها المسلمون : والسبع الأواخر من رمضان أرجى لليلة القدر من غيرها، ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالاً من أصحاب النبي e أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان فقال رسول الله e : ((أَرى رؤياكم قد تواطأتْ في السبع الأواخر ، فمن كان متحرِّيها فليتحرّها في السبع الأواخر )) .
وروى مسلم عن النبي e قال : (( التمسوها في العشر الأواخر ، فإن ضعف أحدكم أو عَجَز فلا يُغلب على السبع البواقي )) .
وكان رسول الله e يأمر بالتماسها في أوتار العشر الأواخر من رمضان ، في تاسعة تبقى ، في سابعة تبقى ، في خامسة تبقى )) وفي رواية : (( هي في العشر سبعٍ يمضينَ أو سبع يبقينَ )) . وأرجا ليالي العشر لليلة القدر ليلةُ سبع وعشرين . لما ورد عن بعض الصحابة كابن عمر ومعاوية ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : (( من كان متحرِّيها فليتحرها ليلةَ سبع وعشرين )) . وعن معاوية قال : ((ليلة القدر ليلة سبع وعشرين )) ، ولم يرد نصّ صريح عن النبي e أنها في ليلة معيّّنة ، والحكمة في ذلك ــ والله أعلم ــ ليجتهد المؤمن في هذه الليالي الشريفة .
فاتقوا الله أيها المسلمون واجتهدوا في هذه الأيام العشر واحرصوا على مداومة القيام فيها وإحيائها بالعبادة والدعاء ومروا أهليكم بالاستكثار فيها من الطاعة ، لعلكم توفقون منها لليلة القدر فإنها شريفة القدر عند الله عظيمة ومن قامها عن إيمان واحتساب غفر الله له ، فعن أبي هريرة t أن النبي e قال : ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )) .
أيها المسلمون : وقيام ليلة القدر إنما هو بالتجهّد منها والصلاةِ والدعاء والمسألة وتلاوة كتاب الله بتدبر وتعقّل وتفكرّ وهذا أفضل الأعمال وأكملُها في ليالي العشر وغيرها ، وإذا كان يصلي ويقرأ ويدعو ويرغب إلى الله في الدعاء والمسألة فإنه حريّ أن يوفّق ، وقد كان النبي e يتهجد في ليالي رمضان ، ويقرأ قراءة مرتلة لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل ، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوّذ، فيجمع بين القراءة والدعاء والتفكّر .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدر ما أقول فيها ؟ قال : (( قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني )) . رواه الترمذي ، فاتقوا الله واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعم وافرة سابغة خصوصاً في هذا الشهر الكريم شهر رمضان .
ففي هذا الشهر أنزل الله كتابه المبين رحمة للعالمين ونور للمستضيئن وهدى للمتقين وعبرة للمعتبرين كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد .
وفي هذا الشهر المبارك غزوة بدر الكبرى التي نصر الله فيها عساكر الإيمان وجنود الرحمن ، وهزم فيها جنود الشيطان وأنصار الشرك والطغيان ، وفي هذا الشهر المبارك فتح الله مكة البلد الأمين على يد خليله وبنيه محمد e وطهرها من الأصنام والشرك فأشرق بهذا الفتح وجهُ الأرض ودخل به الناس في دين الله أفواجاً .
وفي هذا الشهر المبارك أنعم الله على عباده بغرض الصيام وجعله أحدَ أركان الإسلام ، وجعل ثواب من صامه إيماناً واحتساباً أن يكفر عنه ما تقدم من الآثام .
وفي هذا الشهر المبارك أنعم الله على العباد بمشروعية القيام ، فمن قامه إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة .
وفي هذا الشهر المبارك أنعم الله على هذه الأمة بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، من قامها إيماناً واحتساباً غفر الله ما تقدم من ذنبه .
وبركات هذا الشهر كثيرة وفيرة فاحمدوا الله على ما أنعم عليكم فيه وغياكم أ، تضيعوا فرص أيامه ولياليه ، فلو علمتم ما فيها لتمنيتم أن يكون السنة كلها ، فعظّموا أيها المسلمون شهركم بحفظ صيامكم عما يجرحه أو يبطله أو ينقص ثوابه وأكثروا فيه من قراءة القرآن يعظم الله لكم بذلك الأجر ، وإن في كل حرف من القرآن عشر حسنات والحسنات في رمضان مضاعفة فاقرءوا بتدبر وتفهم واسألوا الله عند آية الرحمة ، وتعوذوا بالله عند آية العذاب ليكون القرآن لكم شفيعاً يحاجّ عنكم يوم القيامة ، وأكثروا الركوع والسجود وعظموا الرب في ركوعكم وأكثروا من الدعاء في سجودكم فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد .
اللهم وفقنا لسلوك الصراط المستقيم للتزود من العمل الصالح في هذا الشهر الكريم، ووفقنا لإدراك ليلة القدر وقيامها عن احتساب وإيمان واجعل شهر رمضان شاهداً لنا بالإحسان ، إنك جواد كريم منان ، وبارك لنا في القرآن وانفعنا بما فيه من الحكمة والبيان، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين .
الحمد لله ..
أما بعد : اتقوا الله ، واعلموا أن الصيام سبب لاتقاء المحارم وقوة العزيمة والتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل ، ومن ذلك تنزيه الجوارح وتطهيرها عما حرم الله ، ومن الرذائل التي ينبغي التخلي عنها في كل وقت وفي شهر رمضان آكد سماع الغناء والتلذذ بالأصوات المطربة من رجال ونساء ، واحذروا من السهرات المباحة على سماع الغناء والقيل والقال ومشاهدة الأفلام الخليعة ، وغضوا أبصاركم عما حرم الله عليكم وكفوا أيديكم وأرجلكم عن الحرام، واحفظوا ألسنتكم من السباب والشتام وقول الزور ، فمن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه .
عباد الله : إن شهر رمضان قد أخذ في النقص فزيدوا أنتم في العمل واجتهدوا في بقيته بالعمل الصالح ، وخصوا العشر الأواخر بمزيد من الاجتهاد فقد بقي أربع ليال ثم تكونون في هذه العشر المفضلة فأروا الله فيها من أنفسكم خيراً ، واجتهدوا في إتمام العمل وإكماله وإتقانه ، وتنافسوا في الأعمال الصالحة وكونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل ، وألزموا العمل بكتاب ربكم وسنة نبيكم ، فإن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد e .
معالجة الذين لا يصلون في المسجد إلا في رمضان إن عزموا على الاستمرار فهذه التوبة والله يقبل من التائبين وإن كانوا يريدون ترك الجماعة بعد رمضان فيقال لهم رب الشهور واحد ، ويقال لهم إن كان يعتقدون وجوب صلاة الجماعة فكيف تتركون ما يعتقدون وجوبه وإن كنتم لا يعتقدوا وجوبها فكيف تصنعون بالنصوص الدالة على الوجوب ؟
صدقة الفطرة صاع من طعام يخرج قبل العيد ، ولا يجوز إخراج القيمة .