الفرج بعد الشدة

الخطبة الأولى:

الحمدُ لله، لم يزل بصفاتِ الكمال متَّصِفًا، وبدلائل ربوبيّته وآلائه إلى عبادهِ متعرِّفًا، كريمٍ إن وعدِ أنجز ووفى، وإن عُصِي تجاوز وعفا، أحمده سبحانه وهو حسبنا في كلّ حالٍ وكفى، وأشكره على ما عمَّ من آلائه ووفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ، وأشهد أنّ نبينا وسيّدنا محمّدًا عبد الله ورسوله أزكى البريّة نسبا وشرفًا، صلى الله عليه وعلى آله الشُّرفا وصحبه الحنفا، أهلِ البرّ والصدق والوفا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسارَ على نهجهم واقتفى، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أحبابنا في الله: الحياة الدنيا مليئة بالمحن والمتاعب والبلايا والشدائد والنكبات، إن صفت يوماً كدرت أياماً، وإن أضحكت ساعة أبكت أياماً، لا تدوم على حال  وَتِلْكَ ٱلاْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ

فقر وغنى، عافية وبلاء، صحة ومرض، عز وذل، فهذا مصاب بالعلل والأسقام، وذاك مصاب بعقوق الأبناء، وهذا مصاب بسوء خلق زوجته وسوء عشرتها، وتلك مصابة بزوج سيء الأخلاق، فظ الخلق، سيء العشرة، وثالث مصاب بكساد تجارته وسوء صحبه الجيران، وهكذا إلى نهاية سلسلة الآلام التي لا تقف عند حد، ولا يحصيها عد.

ولا يزيل هذه الآلام، ويكشف هذه الكروب إلا الله علام الغيوب الذي يجيب المضطر إذا دعاه، والمسلم حاله في البأساء الصبر والإنابة إلى الله، يتوسل بالأسباب الموصلة إلى كشف المكروه، لا يستكين للحادثات، ولا يضعف أمام الملمات، يحاول التخلص منها في حزم الأقوياء وعزيمة الأصفياء، قدوته في ذلك سيد المرسلين، وإمام الصابرين...

يقول خباب بن الأرت رضي الله عنه: شكونا إلى رسول الله  ، وهو متوسد برداً له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تستغفر لنا، ألا تدعو لنا، فقال: ((قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)) [البخاري].

ولقد وعدنا ربنا ومولانا بالسعة بعد الضيق، وبالعافية بعد البلاء، وبالرخاء بعد الشدة، واليسر بعد العسر  فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً   إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً  يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه؛ لأن الله تعالى يقول:  إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً   يقول  : ((وأن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً)) [أحمد].

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها         فرجت وكنت أظنها لا تفرج

يقول ابن رجب رحمه الله: كم قص الله سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكروب بإنجاء نوح ومن معه في الفلك، وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أمر بذبحه، وإنجاء موسى وقومه من اليم، وقصة يونس وقصص محمد – عليه وعلى جميع الأنبياء المرسلين أفضل الصلاة وأتم التسليم – مع أعدائه، وإنجائه منهم كقصة الغار ويوم بدر والأحزاب وحنين وغير ذلك.

فصبراً جميلاً ما أقرب الفرجا            من راقب الله في الأمر نجا

من صـدق الله لـم ينله أذى           ومن رجاه يكون حيث رجا

أخي المسلم لا تجزع مما أصابك، ولا تحزن، فإن ذلك لا يرد فائتاً، ولا يدفع واقعاً، فاترك الحزن والهم، وكن مستعيناً بالله متوكلاً عليه، وخذ من الأسباب ما يفرج كربك، واذكر الله في الرخاء يذكرك في الشدة..

جاء مالك الأبخص إلى رسول الله فقال له: أسر ابني عوف فقال له رسول الله: ((أرسل إليه أن رسول الله يأمرك بأن تكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله)) وكانوا قد قد شدوه بالقد فسقط القد عنه، فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها وأقبل، فإذا بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه فصاح بهم، فأتبع أولها آخرها فلم يفجأ أبويه إلا ينادي بالباب، فقال أبوه: عوف ورب الكعبة. فقالت أمه: اسوأتاه، وعوف كيف يقدم لما هو فيه من القد؟ فأستبقا الباب والخادم فإذا هو عوف قد ملأ الفناء إبلاً، فقص على أبيه أمره وأمر الأبل، فقال أبوه: حتى آتي رسول الله فأسأله عنها فأتى رسول الله، فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل فقال له رسول الله  : ((اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعاً بمالك)) ونزل قوله تعالى:  وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً   وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْراً

وعليك عبد الله بالاستغفار فإنه سبب لتفريج الكروب وإزالة الغموم، قال تعالى  فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ

وجاء عن المعصوم   قوله: ((من لزم الاستغفار – أو أكثر من الاستغفار – جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب)) [أبو داود].

وأكثر أخي من الأدعية التي وردت عن الحبيب   فإن فيها ذهاب الهموم والغموم، ومن ذلك قوله: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب العرش الكريم، لا إله إلا الله الحليم الكريم)) [متفق عليه].

وأخرج أحمد بسنده عن النبي   أنه قال: ((دعوة ذي النون عليه السلام إذ هو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له)).

واعلم يقيناً أن الذي يكشف البلوى هو الله، فاعتصم به، واعتمد عليه  وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ   فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ وَءاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ

روى سعيد بن عنبسة قال: بينما رجل جالس، وهو يعبث بالحصى، ويحذف بها، إذ رجعت حصاة منها، فصارت في أذنه، فجهد بكل حيلة، فلم يقدر على إخراجها، فبقيت الحصاة في أذنه تؤلمه، فبينما هو ذات يوم جالس إذ سمع قارئاً يقرأ  أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء   فقال: يا رب، أنت المجيب، وأنا المضطر، فاكشف ضر ما أنا فيه، فنزلت الحصاة من أذنه.

 

فراقب الله – أيها الأخ المسلم – وأكثر من الضراعة والالتجاء، وقل: يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، كن قوي الإيمان بالله، قوي الثقة به، حسن الرجاء حسن الظن بمولاك، يكشف عنك ما نزل بك من الضر، ويبدل شدتك رخاء، ويجعل لك من همك فرجاً ومخرجاً، ومن عسرك يسراً، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
 
 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

                                      الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. . أما بعد:

إخوة الإسلام:

المسلم يتهم نفسه دائماً بالتقصير والتفريط، ويعلم أنه ما أصابه إنما كان من قبل نفسه  وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ

والمؤمن قد ينتفع بمصيبته، فيجعل من هذه المحن منحاً يترقى بها في طاعة الله، يقول ابن رجب رحمه الله: إن المؤمن إذا استبطأ الفرج، وأيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعه، ولم يظهر له أثر الإجابة رجع إلى نفسه بالملائمة، وقال لها: إنما أتيت من قبلك، ولو كان فيك خير لأجبت، وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات، فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه أهل لما نزل به من البلاء، وأنه ليس أهلاً لإجابة الدعاء، فلذلك تسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله. يا حي يا قيوم رحمتك نرجو، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، وأصلح لنا شأننا كله بعفو منك وعافية.

ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم بذلك مولانا الكريم:  إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً
 

المرفقات

1774561330_الفرج بعد الشدة.docx

المشاهدات 232 | التعليقات 0