القرآن أيها الصائمون

سامي بن محمد العمر
1447/09/10 - 2026/02/27 01:29AM

القرآن أيها الصائمون

 

أما بعد:

تعريفٌ موجز، وتحدٍّ قاهر، وإعجازٌ باهر، واحوالٌ عجيبة، وأسرارٌ بديعة...

هذا ملخص رحلتنا اليوم في رحابه، وهذه عناصر جولتنا اليوم في بستانه..

وهاهم الثقلانِ جميعًا منذ تلك اللحظة التي طرق فيها أسماعَهم؛ قد وقفوا موقف العاجز أمام براهينه وإعجازه، وسبكه وألفاظه، ودلالته وهدايته، ونوره وبيانه.

إنه التعريف الموجز المختصر الذي فسر الله تعالى به المراد بشهركم هذا فقال:

{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}

فلم يبق بعد تفسير الله شيءٌ في هذا الشهر يمكن أن يكون ذا أهمية أعلى وأكبرَ ليُقدَّم في التعريف عليه، أو يساميه في المنزلةِ أو يُدانيه.

إنه القرآن عِزكم وشرفُكم ونورُكم وهدايتُكم وشفاؤكم واستغناؤكم.

عباد الله:

لقد أدركَ العقلاءُ جميعًا... أنه ما مِن أحدٍ يُؤلف كتابًا إلا اعتذرَ في بَدْئه أو خَتْمه عن زلةٍ تكون فيه أو هفوةٍ، وعثرةٍ، أو سقْطة.

غيرَ أنَّك تجدُ التحدي في أعلى مراتبِه، وأقوى أحوالِه حين تقرأُ في أولِ صفحاتِ القرآن:

{الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه}

لا ريبَ فيه، ولا شكَّ ولا خطأَ، ولا تناقضَ، ولا خللَ، ولا سقطةَ، ولا هفوةَ، ولا زلةَ، ولا عثرةَ.

يا لها من قوةٍ في التحدي تُبهر أعتى عتاة اللغةِ والبلاغةِ، وتُعجزُ أساطينَ الفصاحةِ والبيانِ.. حتى إذا ما قبلوا التحدي وبدأوا القراءةَ فيه والتفتيش؛ أتتهم بعد صفحة أخرى:

{وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين* فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين}

أرأيتم أقوى من هذا التحدي: {ولن تفعلوا}؟؟

ماذا لو أن هذا الكلام أثار حميةَ الناسِ الأدبيةَ فاجتمعتْ جماعةُ البلغاءِ للمنافسةِ والمعارضةِ، حتى يُخرجوا كلامًا يُساميه ولو في بعضِ نواحيه؟

فليفعلوا: ففي منتصف الكتابِ يجدون الجواب:

{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}.

وهكذا: رماها بين أظْهُرِ العالم، فلم يَهِمَّ أحدٌ بمعارضتِه إلا باءَ بالعجزِ الواضح، والفشلِ الفاضح، على مَرِّ العصورِ والدهور.

إنه الكتابُ الوحيدُ الذي تجدُ فيه القصدَ في اللفظِ مع الوفاءِ الكاملِ بالمعنى.

والكتابُ الوحيدُ الذي تجدُ فيه لفظًا يخاطبُ العامةَ والخاصةَ معًا، ويقنعُ العقلَ ويمتعُ العاطفةَ معًا([1]).

إن هذه البلاغةَ، وهذا الإعجازَ ليدعو القلوبَ الحيةَ التي ترتبطُ في هذا الشهرِ الكريمِ مع كتابِ ربها تلاوةً وترتيلاً، إلى أن تقفَ خاشعةً مُتعظةً مُعتبرةً عند عجائبه، لتدفعَ به ما رانَ عليها من الغفلةِ، وغطَّى عليها من الذنوب.

{ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق}

بلى قد آن، بلى قد آن.

بارك الله لي ولكم ...

 

الخطبة الثانية:

أما بعد:

فيا عبدَ الله: لقد سبقكَ أقوامٌ حرَّكوا قلوبهم بهذا الكتاب، وأحيوا مواتَه بهذا الخطاب؛ فكُن على سَنَنِهِم ماثلاً، وعلى دربِهِم سائرًا.

أشرفُهم محمدٌ صلى الله عليه وسلم:

فهذا عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يقرأ على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا) (النساء:41)، فيقول: «حسبك الآن» فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ([2]).

وهذا عبد الله بن شداد يقول: «سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}([3])

وهذه عائشة رضي الله عنها قرئ عليها قوله تعالى: {فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27] فبكت، وقالت : «ربِّ مُنَّ عليّ وقني عذاب السموم» .

وقرأ تميم الداري رضي الله عنه ليلة قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] فصار يُردِّدها ويبكي حتى الصباح.

وكان ابن عمر إذا قرأ: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} [الحديد: 16] بكى حتى يغلبه البكاء عن إكمال القراءة.

وكان عمر بن عبد العزيز إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قال: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} ثم يبكي.

 وصلى سفيان الثوري المغرب فقرأ الفاتحة حتى بلغ {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] فبكى حتى انقطعت قراءته.

 

فآهٍ ثم آهٍ من قلوبٍ أصبحت مُلهيات الدنيا أحبَّ إليها من كلام حبيبها، وآهٍ من نفوسٍ قضتْ أوقاتَها في غير كتابِ ربها.

ويا خسارةَ مَن ضاعتْ أيامُه بغير القرآن، ويا ندامةَ مَن دخلَ في زُمرةِ المخاطبين بهذه الآيةِ فباءَ بالخسران: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}، قال بعضُ المفسرين: أي أحْرِمُهُم فَهْم القرآن.

نسأل الله العافية

اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك .... الخ الدعاء.

 



([1]) انظر: النبأ العظيم (ص: 73-146)
([2]) البخاري 9 / 85 ، ومسلم رقم (800)
([3]) رواه البخاري تعليقا 2 / 172 في الأذان، باب إذا بكى الإمام في الصلاة،

المرفقات

1772144962_القرآن أيها الصائمون 1.docx

1772144974_القرآن أيها الصائمون 1.pdf

المشاهدات 227 | التعليقات 0