اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا
يوسف العوض
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَتَرَ فَأَجْمَلَ، وَعَفَا فَأَكْمَلَ، وَأَسْبَغَ عَلَيْنَا نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفْضَحُ عَبْدَهُ مِنْ أَوَّلِ ذَنْبٍ، بَلْ يَسْتُرُهُ وَيُمْهِلُهُ، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ وَيَتُوبُ ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، العَفُوُّ الغَفُورُ السِّتِّيرُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ وَتَعَبَّدَ لَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
عِبَادَ اللَّهِ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَجَلِّ أَسْمَاءِ اللَّهِ الحُسْنَى السِّتِّيرَ، الَّذِي يَسْتُرُ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَا يَفْضَحُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يُحِبُّ السِّتْرَ وَأَهْلَهُ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِنَّ هٰذَا الاسْمَ العَظِيمَ ثَابِتٌ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، حَيْثُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الحَيَاءَ وَالسِّتْرَ»؛ فَرَبُّنَا سُبْحَانَهُ سِتِّيرٌ، يَسْتُرُ العُيُوبَ، وَيُخْفِي الزَّلَّاتِ، وَلَا يُحِبُّ الفَضِيحَةَ لِعِبَادِهِ.
وَتَأَمَّلُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ فِي كِتَابِ رَبِّكُمْ، كَيْفَ أَرْشَدَنَا إِلَى السِّتْرِ، فَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾،
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾،
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾،
وَكُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى حِفْظِ الأَعْرَاضِ، وَسَتْرِ العُيُوبِ، وَالبُعْدِ عَنْ فَضْحِ النَّاسِ.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَسْتُرَهُ فِي الدُّنْيَا، فَلَا يَفْضَحَهُ بَيْنَ الخَلْقِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ»، وَمِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ العَبْدُ الذَّنْبَ فِي اللَّيْلِ، فَيُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: عَمِلْتُ كَذَا وَكَذَا".
فَانْظُرُوا كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ المُجَاهَرَةَ سَبَبًا لِزَوَالِ السِّتْرِ، وَكَيْفَ أَمَرَنَا أَنْ نَحْفَظَ أَنْفُسَنَا، وَأَنْ نَسْتُرَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: وَمِنْ أَعْظَمِ الأَدِلَّةِ عَلَى فَضْلِ السِّتْرِ، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»، فَهٰذَا جَزَاءٌ عَظِيمٌ، أَنْ يَسْتُرَكَ اللَّهُ كَمَا سَتَرْتَ غَيْرَكَ.
وَمِنْ مَعَانِي الإِيمَانِ بِاسْمِ اللَّهِ السِّتِّيرِ:
أَنْ يَسْتَحْيِيَ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، فَلَا يَجْعَلْهُ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، فَإِذَا عَلِمَ العَبْدُ أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ، اسْتَحْيَا أَنْ يَعْصِيَهُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَسْتُرَ العَبْدُ نَفْسَهُ، فَلَا يُظْهِرَ مَعْصِيَتَهُ، بَلْ يُبَادِرُ بِالتَّوْبَةِ، وَيُخْفِي ذَنْبَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ العَبْدُ سِتِّيرًا عَلَى غَيْرِهِ، فَلَا يَتَتَبَّعُ عَوْرَاتِ النَّاسِ، وَلَا يَفْضَحُهُمْ، بَلْ يَنْصَحُهُمْ بِسِرٍّ، وَيُصْلِحُهُمْ بِحِكْمَةٍ.
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ، إِنَّ مِنْ خَطَرِ زَمَانِنَا انْتِشَارَ الفَضَائِحِ، وَنَشْرَ الذُّنُوبِ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَتَتَبُّعَ عَوْرَاتِ النَّاسِ، وَهٰذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِاسْمِ اللَّهِ السِّتِّيرِ، وَمُعَرِّضٌ لِزَوَالِ نِعْمَةِ السِّتْرِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَاسْتُرُوا أَنْفُسَكُمْ، وَاسْتُرُوا غَيْرَكُمْ، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا.
أَقُولُ قَوْلِي هٰذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ السِّتْرَ رَحْمَةً، وَالفَضِيحَةَ عِقُوبَةً، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
عِبَادَ اللَّهِ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ لِاسْمِ اللَّهِ السِّتِّيرِ آثَارًا عَظِيمَةً فِي حَيَاتِنَا:
فَمِنْ أَعْظَمِ آثَارِهِ:
أَنَّهُ يَبْعَثُ فِي القَلْبِ الرَّجَاءَ، فَلَا يَيْأَسُ العَبْدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
وَمِنْهَا:
أَنَّهُ يُرَبِّي فِي النُّفُوسِ خُلُقَ الحَيَاءِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ»، وَقَالَ: «الحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».
وَمِنْهَا:
إِصْلَاحُ المُجْتَمَعِ، فَعِنْدَمَا يَسْتُرُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، تَسُودُ المَحَبَّةُ، وَتَقِلُّ الفَضَائِحُ، وَيَعُمُّ الأَمْنُ وَالطُّمَأْنِينَةُ.
وَمِنْهَا:
أَنَّ اللَّهَ يَجَازِي العَبْدَ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ، فَمَنْ سَتَرَ، سَتَرَهُ اللَّهُ، وَمَنْ فَضَحَ، فَضَحَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ، يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي بَيْتِهِ».
فَاحْذَرُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ مِنْ تَتَبُّعِ العَوْرَاتِ، وَاحْذَرُوا مِنْ نَشْرِ الفَضَائِحِ، وَكُونُوا دُعَاةَ سِتْرٍ وَإِصْلَاحٍ.
عِبَادَ اللَّهِ، أَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ بِالسِّتْرِ، فَقُولُوا:
اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، اللَّهُمَّ اسْتُرْنَا فَوْقَ الأَرْضِ، وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَيَوْمَ العَرْضِ عَلَيْكَ، اللَّهُمَّ لَا تَفْضَحْنَا بَيْنَ خَلْقِكَ، وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كُلَّهَا، دِقَّهَا وَجِلَّهَا، أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا، سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا.
المرفقات
1777458221_الستير.docx