الليالي الرمضانية القرآنية
راشد بن عبد الرحمن البداح
6
الليالي الرمضانية القرآنية ( راشد البداح – الزلفي ) 10 رمضان 1447
الحمدُ للهِ الذي أنعمَ على الأمةِ بتمامِ إحسانِهِ، وجعلَ شهرَها هذا مخصوصًا بعميمِ غُفرانِهِ، وأشهدُ ألا إلهَ إلا هوَ لا شريكَ تعظيماً لشأنهِ، وأشهدُ أن محمدًا الداعي إلى رضوانِه، فصلى اللهُ وسلمَ على المؤيدِبمعجزتهِ وقرآنهِ. أما بعدُ:
فيا أيُّها الصائمونَ: لنتأملْ حديثاً عظيماً نسمعُهُ كثيراً، ففي الصحيحينِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضيَ اللهُ عنهُما- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ،ويَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ().
وهذهِ المُدارَسةُ إذا أخذْتَ تتخيَّلُها استحوذَتْ عليكَ المهابةُ. فتصوَّرْمجلسًا ليليًا رمضانيًا لمراجعةِ القرآنِ، طرفاهُ أعظمُ إنسانٍ (محمدُ بنُعبدِ اللهِ) وأعظمُ ملَكٍ (جبريلُ) وموضوعُ الدرسِ أعظمُ الكلامِ (كلامُ مَلِكِالملوكِ). فأيُّ هيبةٍ تَقبِضُ على النفوسِ بمجردِ تخيُّلِ ذلكَ؟!
وإذا كانَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يتأثرُ كثيراً بهذهِ المُدارسةِالقرآنيةِ الرمضانيةِ، ويزدادُ نشاطُهُ بعدَها في الخيرِ، فكيفَ -باللهِعليكم- ستكونُ حاجتُنا؛ نحنُ أصحابَ القلوبِ التي أمرضَتْهَا الشهواتُوالشبهاتُ؟!
(وفي هذا الحديثِ أن المُدارسةَ بينَه وبينَ جبريلَ كانَ ليلاً، فيَدُلُّ على استحبابِ الإكثارِ من التلاوةِ في رمضانَ ليلاً؛ فإن الليلَ تنقطعُ فيه الشواغلُ، ويَتواطأُ فيهِ القلبُ واللسانُ على التدبر،ِ كما قالَ تعالَى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً})().
عبادَ اللهِ: إن قراءةَ القرآنِ أولُ وأَولَى من كلِّ قراءةٍ نقرؤُوها، وقد كانَحالُ سابقِينا مع القرآنِ مثلَ حالِ غالِبِنا مع الجوالِ؛ لأنهم وَجَدُوهُ:
نِعْمَ السَّمِيرَ كتابَ اللهِ إن لهُ. . . حلاوةً هيَ أحلَى من جَنَى العَسَلِ()
فاستعاضُوا بكلامِ الملِكِ العلّامِ، عن كلامِ عامةِ الأنامِ، فأغناهُم وأشبعَهُم وأرْواهُم. قالَ عثمانُ بنُ عفانٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-: لو أنَّ قلوبَنا طهُرَتْ ما شبِعنا من كلامِ ربِّنا().
وإنه ما عَلا مَن عَلا إلا بكثرةِ علاقتِهِ بكلامِ ربهِ، فإنه المَدَدُ الأعظمُ؛ لتحصيلِ اللذةِ العُظمَى، والغذاءِ الروحيِّ. فاقرأْ وارتقِ، وتابعِ الختماتِ،واختمْ بتلذَّذٍ للآياتِ، واستشعِرْ أن اللهَ يخاطبُكَ بها من فوقِ سبعِسمواتٍ.
فإنْ قلتَ: أعطِني ميزانًا أزِنُ بهِ مقدارَ تلذُّذِيْ القرآنيِّ.
فيُقالُ: هذا ابنُ القيمٍ -رحمهُ اللهُ تعالَى- يعطِيْكَ ميزانًا تزِنُ بهِ مقدارَلذَّتِكَ بكتابِ ربِّكَ، فيقولُ: انظرْ إلى محبةِ القرآنِ من قلبِكَ، والْتذاذِكَبسماعِهِ أعظمَ من الْتذاذِ أصحابِ الملاهيْ والغناءِ المُطْرِبِ بسماعِهِم.. فلِمُحِبِّي القرآنِ من اللذةِ والحلاوةِ، والسرورِ أضعافُ ما لِمُحِبِّي السماعِالشيطانيِّ().
عبدَ اللهِ: إليكَ هذهِ الأعجوبةَ؛ فهلْ تعلمُ أن بعضَ الكفارِ المعاصرينَيرتاحُونَ لقراءةِ وسماعِ القرآنِ؛ فمن القصصِ العجائبِ: أن أعجميًا فرنسيًا ملحدًا يقول: "تضمُّ مكتبتيْ آلافَ الكتبِ، التي لم أقرأها أكثرَمن مرةٍ واحدةٍ، ولكنْ هناكَ كتابٌ واحدٌ تؤنِسُنِيْ قراءتُهُ دائمًا، هوَ كتابُالمسلمينَ القرآنُ، فكلَّما أحسستُ بالإجهادِ طالَعتُ القرآنَ".
ومستشرِقٌ نصرانيٌ لبنانيٌ شهيرٌ، قالَ في مقابلةٍ مرئيةٍ: إنني يوميًا أقرأُ القرآنَ، فأجِدُ الراحةَ، وأكثرُ مسموعاتيْ في سيارتيْ وبيتيْ؛ إنما هيَ للقراءِ المشهورينَ، وأحفظُ الكثيرَ من الآياتِ.
هذا حالُ بعضِ الجاحدينَ، فكيفَ بالمسلمينَ، وخصوصاً الصائمينَ؟!
فلنقرأِ القرآنَ في كلِّ آنٍ، قبلَ أن يفوتَ الأوَانُ. ولنستدرِكْ ما فاتَ بما هو آتٍ، ولنختمِ الخَتَماتِ تِلْوَ الختَماتِ قبلَ يُقالَ: ماتَ!
فاللهم اجعلِ القرآنَ ربيعَ قلوبِنا ونورَ صدورِنا.
الحمدُ للهِ الذي أنزلَ لنا خيرَ كتابٍ، وجعلَنا خيرَ أمةٍ، وأرسلَ إلينا خيرَرسولٍ، صلى اللهُ وسلمَ عليهَ، أما بعدُ:
فها هوَ شهرُ رمضانَ الذي أُنزلَ فيهِ القرآنُ قد مضَى ثُلُثُهُ والثلثُكثيرٌ، (وكم تُتْلَى علينا فيهِ آياتُ القرآنِ وقلوبُنا كالحجارةِ أو أشدُّ قسوةٍ! وكم يَتَوالَى علينا شهرُ رمضانَ وحالُنا فيهِ كحالِ أهلِ الشِّقوةِ؛ لا الشَّابُّ منَّا يَنْتَهي عن الصَّبوةِ، ولا الشَّيخُ يَنْزَجِرُ فيَلْتَحِقُ بالصَّفوة!!)().
أيُّها المؤمنونَ: إن أشهرَ فَعَالياتِ شهرِ رمضانَ هيَ صلاةُ التراويحِ؛ فهلْ سألْنا أنفسَنا يوماً: ما الحكمةُ من صلاةِ التروايحِ؟ والجوابُ اسمعهُمن الإمامِ ابنِ تيميةَ -رحمهُ اللهُ تعالَى- إذ يقولُ: (مِنْ أَجَلِّ مقصودِالتراويحِ قراءةُ القرآنِ فيها؛ ليَسمعَ المسلمونَ كلامَ اللهِ)().
فيا أئمةَ المساجدِ: ترسَّلُوا في قراءَتِكُم، وتمهَّلُوا في صلاتِكُم، واستدعُوا القلوبَ لتخشَى وتخشَعَ بسببِكُم، لا في دعاءِ القنوتِ فحسْبَ، بل في أعظمِ منهُ؛ ألا وهوَ القرآنُ الذي يُتلَى بأفواهِكُم.
واقتدُوا بنبيِّكُم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذيْ كانَ: يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ().
• فاللهم اجعلْنا من أهلِ القرآنِ الذينَ هم أهلُكَ وخاصَّتُكَ.
• اللهم يمِّنْ كتابَنا، ويسِّرْ حسابَنا، وثقِّلْ موازينَنا، وحقِّقْ إيمانَنا، وثبِّتْ على الصراطِ أقدامَنا، وأقرَّ برؤيتِك يومَ القيامةِ عيونَنا.
• اللَّهُمَّ إِنّا نَسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ.
• اللَّهُمَّ قَاتِلْ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ.
• اللهم وآمِنْ أوطانَنا، واحفظْ جنودَنا، واجمعْ على الهُدَى شؤونَنا، واقضِ اللهم ديونَنا، وحسِّنْ أخلاقَنا، وطيِّبْأرزاقَنا.
• اللهم وفقْ إمامَنا ووليَ عهدِه لهداكَ، واجعلْ عملهُمَا في رضاكَ.
المرفقات
1772073720_الليالي الرمضانية القرآنية.docx
1772073720_الليالي الرمضانية القرآنية.pdf