المحافظة على البيئة وآداب التنزه

أنشر تؤجر
1447/07/17 - 2026/01/06 22:31PM

الخطبة الأولى :

الحمدُ لله أَتَمَّ عَلَينَا النِّعْمَةَ وَأَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ , وأَشْهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ لَهُ , أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ , وَأَشْهَد أَنَّ مُحمَّدَاً عبدُ الله وَرَسُولُهُ الْمَبعُوثُ رَحمَةً لِلعالَمِينَ ، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وَبَارَكَ عليهِ وَعلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبعهمْ بِإحْسَانٍ إلى يومِ الدِّينِ .

أَمَّا بَعْدُ : فأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ .

أيُّها المُسلِمون : اسْتَخْلَفَ اللهُ الإِنسَانَ في هَذهِ الأرض ، وكلَّفَهُ بإعْمَارِهَا والمُحَافَظَةِ عليها ، فقالَ عزَّ مِنْ قائلٍ :( هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا )، فجَعَلَ اللهُ سُبحَانَهُ بينَ الإنسَانِ وبِيئَتِهِ المُحِيطَةِ بهِ تَرَابُطًا ، فلا يُمكِنُه الاسْتِغنَاءُ عنها ، ودَعَاهُ لِحِمَايَتِهَا وإعْمَارِهَا ، ونَهَاهُ عَنِ العُدْوَانِ عَليها ، فقالَ تعالى :( وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ ).

وإذَا نَزَلَ الغَيْث ، وطَابَتِ الأَجْوَاء ، وجَرَتِ الأَوْدِيَة ؛ دَخَلَ علَى النَّاسِ السُّرُورُ والبُشْرى ؛( فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) فيَخْرُجُ النَّاسُ للتَّنَزُّهِ والفُرْجَةِ والبَهْجَة ؛ وكان النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ :( كانَ يَبْدُو إلى التِّلَاع ) رواه أحمد . ومعنى يَبْدُو؛ أي: يَخرُجُ إلى البَادِيَة ، ومعنى التِّلَاعُ : هي مَصَابُّ المِيَاهِ ومَا يَنْحَدِرُ مِنَ الأرض .

ولِلتَّنَزُّهِ - يا عِبادَ الله - آدَابٌ وأحَكَام ، يَحسنُ التّذكيرُ بها في هذه الأيّام ، ومنها : التفكرُ والتأمل فيما خَلَقَهُ اللهُ تعالَى في هذا الكَوْنِ العَظيمِ ، فإنَّ التفكرَ عبادةٌ تزيدُ الإيمانَ ، فيتفكر المسلم وهو يرى الأرض كيف أنبتت من كل زوج بهيج ، وأصبحت فراشاً أخضر بعد ما كانت ميتة ، فيتذكر قدرةَ الله سبحانه وتعالى على البعث وإحياء العظام وهي رميم ، وهذا الدليل من الأدلة العقلية على قدرة الله سبحانه وتعالى على البعث ، قال تعالى :( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فصلت : 39 )

كذلك التفكر في نعيمٍ عظيمٍ وهو نعيم الجنة ، فعندما ترى جمال هذه المناظر من أشجارٍ ظليلةٍ وأرضٍ خضراءَ وماءٍ يجري ، هذا يذكرك بنعيمٍ الجنة ، ومهما رأت عينك من مناظرَ جميلة ، فاعلم أن في الجنة نعيم لم تراه عين ، وفيها نعيم لم تسمع به أذن ، بل فيها نعيمٌ لم يخطر قلب بشر ، فقد جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى :" أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطرَ على قلبِ بشر" .

ومن الآداب المهمة : أن تحرص يا عبدَ الله عند خروجك للنزهة في البر أن تأتي بالأذكار الشرعية التي هي حفظ لك ولأهلك ، ومن ذلك دعاء السفر إن كنت خارجاً في سفر ، ومن ذلك دعاء الخروج من المنزل ، بأن تقول :[ بسمِ الله توكلتُ على الله ولا حول ولا قوةَ إلا بالله ] وإذا نزلت في مكانٍ أن تقول دعاء نزول المنزل ، وهو من أسباب حفظ الله لك ، فربما يكون هناك حيات أو عقارب أو سباع أو أنفسٌ شريرة من الإنس أو الجن ، جاء في صحيح مسلم عن خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ ، تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :" مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ ".

ومن المسائل المهمة على من خرج للبر : أن يحرص على الصلاة في وقتها ، وإن كانوا اثنين فأكثر فالأذان واجب يؤذنون ويقيمون ويصلون جماعة ، فإن لم يوجد الماء وليس قريباً يمكن الإتيان به ، فإن المسلم ينتقل للتيمم قال تعالى :( فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً) (النساء : 43 )

واعَلَمُوا – رحمكم الله - أَنَّ الصَّلاةَ في الصَّحْرَاءِ لَها أَجْرٌ عَظِيمٌ ، فقد قالَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ :« الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً ، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً » رواه أبو داوود وهو حديثٌ صحيحٌ .

وفي حديث عقبة بن عامر عند أبي داود وغيره أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قال :« يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ ، يَخَافُ مِنِّي ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ » رواه أبو داوود والنسائيُّ ، وهو حديثٌ صحيحٌ .

ومن المسائل المهمة – يا عبادَ الله - : أنه لا يجوز للمسلم أن يقطع الأودية أثناء جريان السيول ، فإن هذا من إلقاء النفس إلى التهلكة ، والله سبحانه وتعالى يقول :( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ). (البقرة : 195 ) ويعظم الإثم إذا كان مع الإنسان أناس آخرين كأولاده وزوجته وغيرهم ، فلو قطع بهم وماتوا بسبب الغرق ، فإنه يعتبر من القتل الخطأ وعليه الكفارة وكذلك الدية .

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته .

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ :

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .

أما بعد : أيها المسلمون : ومِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نَحْرِصَ عَلَيْها في رحلاتِنا البَرِّيَّةِ عَدَمُ أَذِيَّةِ النَّاسِ قَوْلاً أَوْ عَمَلاً ؛ قَالَ تَعَالَى :﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 58]

ومِنْ أَنْواعِ الإِيذَاءِ : أَنَّ البَعْضَ يَتَسَاهَلُ في رَمْيِ الـمُخَلَّفَاتِ والنفايات في الأَمَاكِنِ التي يَقْصِدُها الناسُ في رَحَلاتِ البَرِّ ، أَوْ في أَمَاكِنِ جُلُوسِهِمْ ، فَالنَّظَافَةُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ ، ومَطْلَبٌ حَضَارِيٌّ يَنْـبَغِي المُحَافَظَةُ والحَثُّ عَلَيْهِ ، والِالْتِزَامُ بِهِ ، وتَوْعِيَةُ الآخَرِينَ بِأَهَمِّيَّتِهِ .

من صور الأذى : قَطْعُ مَا يَسْتَظِلُّونَ بِهِ مِنْ أَشْجَارٍ ، أَوْ إِشْعَالِ النَّارِ فِي الْأَمَاكِنِ الْغَيْرِ مَسْمُوحٌ بِهَا .

وَمِنْ مَعَانِي الإِسْلاَمِ الْجَمِيلَةِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْبِيئَةِ : أن جعلَ إِزَالَةَ الأَذَى فِيهَا من خصال الإيمان ، قَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً ، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ » [أخرجه مسلم].

 وَبَيَّنَ رَسُولُنَا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الأَجْرَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى إِزَالَةِ مَا يُؤْذِي النَّاسَ في طُرُقَاتِهِمْ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ ، أَوْ شَوْكٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام :« مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ ، فَقَالَ : وَاللهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ »[ أخرجه مسلم ].

فَهَذَا عَمَلٌ يَسِيرٌ وَافَقَ إِخْلاَصًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ ، فَكَانَ سَبَبًا فِي مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ وَدُخُولِهِ الْجَنَّةَ .

ألَا فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ الله ، وقُومُوا بمَسْؤولِيَّاتِكُمْ وواجباتِكم تِجَاهَ أَنْفُسِكُمْ وأَهْلِيكُمْ وأَوْطَانِكُم ، وَحَافِظُوا عَلَى بِيئَتِكُمْ .

اللهمَّ اجعلنا لِنِعَمِكَ من الشَّاكِرينَ وَلَكَ من الذَّاكِرينَ , اللهمَّ واجعل مَا أَنزلْتَهُ عَلينا رَحمَةً لَنا وبَلاغَاً إلى حِينٍ , الَّلهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَستَمِعُ القَولَ فَيتَّبِعُ أَحْسَنَهُ .

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَاْمَ وَالْمُسْلِمِينَ ، وأذل الشرك والمشركين ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينَ ، وَاجْعَلْ بِلدَنَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا رَخَاءً سَخَاءً ،  وَسَاْئِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ .

الَّلهُمَّ آمنَّا في أَوطَانِنَا وَوَفِّقْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاةَ أُمُورِنَا .

اللهمَّ احفظنا بحفظِكَ ، واكلأنَا بِرعَايتِكَ ، وَحَببْ إلينا الإيمانَ ، وزينهُ في قُلوبِنا ، وكَرِّهْ إلينا الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيانَ ، واجعلنا مِن الرَّاشدينَ .

 اللهمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالدِينَا وَلِجَميعِ الْمُسلِمينَ الأحياء منهم والميتين , رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .

اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا طَبَقَاً سَحَّاً مُجَلِّلاً ، عَامَّاً نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ ، عَاجَلاً غَيْرَ آجِلٍ ، تُحْيِي بِهِ الْبِلَادَ ، وَتُغِيثُ بِهِ الْعِبَادُ ، وتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ وَالْبَادِ .

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدكَ ونبيِّك محمدٍ وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ : وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .

المرفقات

1767727860_المحافظة على البيئة وآداب التنزه.docx

المشاهدات 244 | التعليقات 0