المخدرات

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي أحسن  تدبير الكائنات ، فخلق الأرض والسماوات ، وأنزل الماء الفرات من المعصرات ، فأخرج به الحب والنبات ، وقدّر الأرزاق والأقوات  وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له  ، أعان على الطاعات والأعمال الصالحات بأكل الطيبات ،  وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صاحب الآيات  الباهرات  صلى الله عليه  ، وعلى آله وأصحابه صلاة تتوالى مدى الأوقات ، وتتضاعف بتعاقب الساعات ، وسلم تسليما كثيرا ...

 

أيها الناس " اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون "

 

يا أحبتي، لقد كرمنا الله عز وجل على كثير من مخلوقاته، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا...

أكرمنا الكريم سبحانه بنعمة عظيمة  ؛ وجوهرة ثمينة , من فقدها فلا نفع فيه ولا يُنتفع به، بل هو عالة على أهله ومجتمعه، العقل يا عباد الله , كرامة الله لنا، فسبحان من زينه بالفهم، ووجهه بالتدبر والتفكر، فكان العقل من أكبر نعم الله على الإنسان..

ومن الناس يا أمة محمد من لا يحفظ عقله ويحوطه، بل هناك من يضعه تحت قدميه، ويتبع شهوته، وتعمى بصيرته، كل هذا يبدو ظاهراً جلياً، في مثل كأس خمر، أو جرعة مخدر، أو استنشاق مسكر وشرب مفتر، تُفقد الإنسان عقله؛ وينسى ربه، ويظلم نفسه، ويهيم على وجهه، وربما أيتَم أطفاله، وأرمَل زوجته، وأزرى بأهله لمـَّا فقد عقله، فعربد، ولهى، ولغى. وبذلك كلِّه، يضيع عقله وقبل ذلك دينه وتاج رأسه..

 

أيها الإخوة: هذا أبو محجن الثقفي، الذي اشتهر بالخمرة في جاهليته، وهو الذي يُنسب إليه قوله:

إذا ما مت فادفنوني إلى جنب كَرْمَةٍ          تَروي عظامي في الممات عروقُها

ولا تـدفِنَنَّي بالفــلاة فــإنني                 أخـاف إذا مـا مـِت ألا أذوقُـها

فلما تمكن حب الله ورسوله من قلبه أبلى بلاء حسناً في معركة القادسية، وقال له سعد بن أبي وقاص: لا حَبستك في الخمر بعدها أبداً، فقال أبو محجن: وأنا والله لا أشرِبها بعد اليوم أبداً، فنعم الإسلام هادياً ومؤدباً.

معاشر المسلمين ولا تستوي الخمرة ولا المخدرات، وإن كانت الخمرة ملعون صاحبها حتى يدعها إلا أن مصيبة المخدرات لا كالمصائب وداء عظيم لا كالأدواء، رحلة مريرة .. مع داء عاقبته اضمحلال الإيمان وإزهاق النفوس البريئة، وانتهاك الأعراض العفيفة، وفساد العقول السليمة، وضياعٌ للشباب..

كَمْ تَنْخَرُ الْمُخَدِّرَاتُ فِي جَسَدِ الْأُمَّةِ وَفِي مُقَدَّرَاتِهَا! أَضَاعَتْ عَلَيْهَا شَبَابَهَا، وَدَمَّرَتْ أَخْلَاقَ رِجَالِهَا، مَا اِنْتَشَرَتْ فِي مُجْتَمَعٍ إِلَّا فَشَتْ فِيهِ الرَّذِيلَةُ، وَغَادَرَتْهُ الْفَضِيلَةُ. فَأَصْبَحَ تَعَاطِيهَا وَإِدْمَانُهَا عَائِقًا عَنِ التَّوْبَةِ، وَشَاغِلاً يَشْغَلُ عَنِ اللهِ، وَالدَّارِ الآخِرَةِ.

 

عبد الله :

كَمْ مِنْ شَابٍ قَضَتْ هَذِهِ السُّمُومُ عَلَى آمَالِهِ وَطُمُوحَاتِهِ! وَكَمْ مِنْ أَلَمٍ وَحَسْرَةٍ أَوْرَثَتْهَا تِلْكَ الآفَةُ الْمُحَرَّمَةُ! فَكَانَتْ نَتِيجَتُهَا ضَيَاعُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ ربنا: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)، عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ خَسَارَتَهُ بِتَعَاطِيهَا، أُخْرَوِيَّةٌ أَكْثَرَ مِنْهَا دنيويةٌ، وَآثَارَهَا عَلَى دِينِهِ أَشَدُّ مِنْ آثَارِهَا عَلَى دُنْيَاهُ، وَلِمَ لَا، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ مَنْ تَعَاطَي مُسْكِرًا بِأَنْ يَسِقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ؟ لِقَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وِسَكِرَ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً. وَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ. فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَادِ فَشَرِبَ فَسَكِرَ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً. فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ. فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً. فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ. فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَادِ ـ أي في الرابعة ـ كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدْغَةِ الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا رَدْغَةُ الْخَبَالِ؟ قَال: ((عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ)). ومن ذا الذي يضمن أن لا يتوفاه الله وهو سكران والعياذ بالله؟.

 

أتأمن أيها السكران جهـلاً               بأن تفجأك في السكر المنية

فتضحى عِبرة للناس طِراً                   وتلقى الله مـن شر البريـة

 

 

إن النبي  قد لعن كل من يتعامل مع الخمر، والمخدرات من باب أولى، فقال كما في سنن أبي داود من طريق ابن عمر: ((لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها)) فهل بعد هذا كله يشرب عاقل الخمر أو يتعاطى المخدر؟!

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...

 

أما بعد، روى القرطبي في تفسيره أن رجلاً شرب الخمر فسكر فأخذ إناء فبال فيه ، فجعل يأخذ بوله ويغسل به وجهه ويقول: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين.

أيها الناس:  " لو كان العقل يُشترى لتغالى الناس في ثمنه، فالعجب كل العجب فيمن يشتري بماله ما يفسده".

فعلينا نحن جميعاً واجب النصيحة لكل من تجرأ وأدمن الخمر والمخدر بأن نذكره بالله، فمن كان له أخ أو صديق أو قريب يُصر على ذلك فليذكره قائلاً: إن كانت عقوبة الدنيا حقيرة في نظرك لا ترعوي بها عن غيك فاعلم أن الله محاسبك وسائلك عن عمرك: فيم أفنيته؟ وعن شبابك: فيم أبليته؟ وعن مالك: فيم أنفقته؟ فبماذا ستجيب يا مسكين وقد عصيت الله ورسوله وتعديت على حدوده؟ قال الله تعالى:  وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ .

فاتق الله يا شارب الخمر ومتعاطي المخدرات، اتق الله ولا تكن أحدوثة الناس، اتق الله فإن الله ناظر إليك وهو سبحانه يمهل ولا يهمل، اتق الله وتب إلى رشدك قبل أن تقبض عليك يد العدالة أو يأخذك الله على ذنبك فتذوق العذاب الهون بما كنت تعمل...

أيها المسلمون، ها هم أعداؤنا في كل مكان يخططون ولا يسأمون في ترويج هذه المخدرات، ولكن لابد أن نقول: إن العيب ليس في أعدائنا، فالأعداء ألداء ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء، ولكن العيب في أنفسنا، وفي ضعف تديننا، وعدم تعاوننا على الخير، وهو من الأسباب الكبيرة في انتشار المخدرات.

فاتقوا لله أيها المسلمون ، واسألوا الله أن يصرف قلوبكم إلى طاعته، وأن يجنبكم سخطه وغضبه ومقته، واحذروا من كل ما يذهب العقول ويمحق الأجور، والوصية الوصية موصولة إلى فلذات الأكباد ، عاينوا اهتماماتهم وأصحابهم ، وكونوا خير صحب لهم ، فلا خير في أُبُوّةٍ لا تعرف التضحية في سبيل صلاح فلذة الكبد وقرة العين، واعلموا يقيناً أن من استعان بالله في صلاح ولده أعانه ، ومن استهداه سبحانه هداه ، علقوا قلوبهم قدرَ جهدكم بالصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، علقوا قلوبهم بالمساجد فإنها النور الذي جعله الله في أرضه، اسمعوها واعقلوها فما أجلَّها من وصية: علقوا قلوبهم قدرَ جهدكم بالصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، علقوا قلوبهم بالمساجد فإنها النور الذي جعله الله في أرضه،

أشغلوهم بما يعود عليهم بالمفيد فإن النفس إن أُشغلت بالطاعة وإلا أشغلت صاحبها بالمعصية وإن من أعظم المفسدات الفراغ والبطالة فإن حصل هذا وزاده فسادا رفقة السوء كان البلاء أطم والشر أعم ...

ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ...

ثم صلوا على خير البرية وهادي البشرية ....

 

المرفقات

1774562136_المخدرات.docx

المشاهدات 40 | التعليقات 0