المُسْلِمُ بَينَ طُول الأَمَل، وَمُبَاغَتَة الأَجَل.
أ.د عبدالله الطيار
الْحَمْدُ للهِ أَهْلِ الْحَمْدِ والثَّنَاءِ، يَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عليْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ أجمعين أمَّــا بَعْـدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) البقرة: [281].
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: إن طُولَ الأَمَلِ، طَبِيعَةٌ جِبِلِّيَّةٌ، وَفِطْرَةٌ بَشَرِيَّةٌ، لَوْلاهُ مَا سَعِدَ أَحَدٌ بِعَيْشٍ وَلا طَابَتْ نَفْسٌ بِعَمَلٍ، وكُلَّمَا كَبُرَ المَرْءُ ازْدَادَتْ آَمَالُهُ وَتَعَدَّدَتْ أَمَانِيهِ، قَالَ ﷺ: (لا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابّا فِي اثنَتيْنِ: فِي حُبِّ الدُنْيَا، وَطولِ الأَمَلِ) أخرجه البخاري (6420).
عِبَادَ اللهِ: وَيكونُ طُولُ الأَملِ مَذْمُومًا إِذَا أَشْغَلَ الْعَبْد عَن التَّزَوُّدِ لآخِرَتِهِ، وَدَفَعَهُ إلى الْحِرصِ على الدُّنْيَا، وَالانْكِبَابِ عَلَيْهَا، وَالْفَرَحِ بِمَا فِيهَا، وَالْجَزَعِ عَنْ مَا فَاتَ مِنْهَا، وَهُوَ دَاءٌ دَفِينٌ، يَجْلِبُ الْغَفْلَةَ، وَيُورِثُ في القَلْبِ الْقَسْوَةَ، قَالَ تَعَالَى: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) الحديد: [16] قالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: (مَا أَطَالَ عبدٌ الأمَلَ إِلا أَسَاءَ الْعَمَل)
أَيُّهَا المؤمنُونَ: وقد َذَمَّ اللهُ أَقْوَامًا آَثَرُوا عَاجِلَ الملَذَّاتِ عَلَى بُلُوغِ المَرَامِ في الْجَنَّاتِ بقولِهِ: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)الحجر: [3] والآيةُ الكريمةُ ابْتَدَأَتْ بِتَهْدِيدٍ بِقَوْلِهِ سبحانَهُ: (ذَرْهُمْ) وخُتِمَتْ بِوَعِيدٍ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وبينَ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ (يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ) فَأَيُّ خَيرٍ فِي أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَمُتْعَةٍ يَسْبِقُهَا تَهْدِيدٌ، وَيَعْقُبُهَا وَعِيدٌ؟! وَأَنَّى لِعَاقِلٍ أنْ يَهْنَأَ لَهُ عَيْشٌ بَينَ تَهْدِيدٍ وَوَعِيدٍ؟!
عِبَادَ اللهِ: وَطُولُ الأَمَلِ مِنْ أَخْطَرِ شِرَاكِ الشَّيْطَانِ، قَالَ تَعَالى: (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) محمد: [25] وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَقْوَامٍ طَالَتْ آَمَالُهُمْ حَتَّى جَاوَزَتْ آَجَالَهُمْ، فَفِي الْحَدِيثِ: (خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا فَقَالَ: هَذَا الأَمَلُ، وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الأَقْرَبُ) أخرجه البخاري (4618) يَعْنِي الأَجَل. يقولُ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (مَرَّ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ ونحن نُعالجُ خُصًّا لَنَا وَهَى، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فقُلْنَا: خُصٌّ لَنَا وَهَى فَنَحْنُ نُصْلِحُه فَقَالَ: (مَا أَرَى الأَمْرَ إلا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ). أخرجه أبو داود (5236) وصححه الألباني في صحيح أبي داود فَلَمْ يَنْهَهُم النَّبِيُّ ﷺ عَن عِمَارَةِ الدُّورِ، وَإِنَّمَا أَرْشَدَهُمْ إلى حَقِيقَةِ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَّهُ إِلَى فَنَاءِ وَذَكَّرَهُمْ بِالآَخِرَةِ وَقُرْبِ اللِّقَاء، فَهَذَا أَصْلَحُ لِلْعَبْدِ وَأَنْفَعُ لِلْقَلْبِ.
أيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَطُولُ الأَمَلِ في الدُّنْيَا سببه أَمْرَانِ: الأول: الْجَهْلُ بِحَقِيقَةِ الدُّنْيَا وَأَنَّهَا إلَى زَوَال، وَالثَّانِي: حُبُّ الدُّنْيَا، والتعلق بها، قالَ ﷺ: (إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كيفَ تَعْمَلُونَ) أخرجه مسلم: (2742) وَعِلاجُ طول ِالأملِ بِالْيَقِينِ بِزَوَالِ الدُّنْيَا وَفَنَائِهَا وَإِقْبَالِ الْآخِرَةِ وَبَقَائِهَا، ويكفي في ذلك تَأَمُّلُ قولِهِ تَعَالى: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) الشُّعَرَاءِ: [205-207] بَارَكَ اللهُ لَي ولكم فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآَيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وليُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خاتمُ المرسلين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ فَقَدْ خَلَقَكُمْ لِمَعْرِفَتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَأَمَرَكُمْ بِتُوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، وَأَخَذَ عَلَى هَذَا مَوَاثِيقَكُمْ، وَارْتَهَنَ بِحَقِّهِ نُفُوسَكُمْ، وَوَكَّلَ بِكُمْ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ، فَلا تَغْفَلُوا عَنْ مَهَمَّاتِكُمْ، وَلا تُؤَمِّلُوا طُولَ الْبَقَاء وَأَيْقِنُوا أَنَّ الْجَمِيعَ إِلَى زَوَالٍ وَفَنَاءٍ، وَاعْلَمُوا أنَّ المُوَفَّق مَنْ جَعَلَ الأَعْمَارَ مَطِيَّةً لِرِضَا الرَّحْمَانِ، وَإِنَّ أَقْوَامًا أَلْهَتْهُمْ آَمَالُهُمْ، وَسَعَوْا لِنَيْلِ مَآَرِبِهِم وَأَوْطَارِهِمْ، فَفَاجَأَهُمْ رَيْبَ المَنُون، وَأُخِذُوا وَهُمْ كَارِهُونَ، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ، وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ. اللَّهُمَّ لا تَجْعَل الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا، وَاجْعَل الْجَنَّةَ هِيَ دَارَنَا وَقَرَارَنَا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ. اَللَّهُمَّ أمِّنا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحَ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللهم وَفِّق وَسَدِّدْ وُلاةَ أُمُورِنَا، وَأَجْرِي الْحَقَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ، وَأيِّدْهُمْ بِجُنْدِكَ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، اللَّهُمَّ وَاكْفِنا شَرَّ الأَشْرَارِ، وَكَيْدَ الْكُفَّارِ، اللَّهُمَّ واحْفَظْ أَرْضَنَا وَسَمَاءَنَا، وَوُلاتنا وَعُلَمَاءَنَا، وَحُدُودَنَا وَرِجَالَ أَمْنِنَا، وَاستقرارَنَا وَرَخَاءَنَا. اللَّهُمَّ حَرِّمْ هَذِهِ الْوُجُوه عَنِ النَّارِ، وَاجْمَعْنَا وَوَالِدِينَا وَذُرِّيَّاتنَا في مَنَازِلِ الأَبْرَارِ بِرَحْمَتِكَ يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّم عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
الجمعة 15 /10 /1447هـ