المغبونون

الخطبة الأولى:

الحمد لله حمدًا كثيرا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده -سبحانه- وهو للحمد أهل، وأشكره على وافر نعمه وجزيل الفضل ، وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه وخليله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، و بعد:

 

فيا عباد الله: اتقوا الله الذي وَسِع كل شيء رحمةً وعلمًا، واشكروه على ما أسبغ عليكم من نعمه الظاهرة والباطنة، وإن من هذه النعم نعمتين عظيمتين يفرِّط فيهما كثير من الناس حتى يُغبنوا غبناً، والغبن هو الخسارة والندامة، جاء ذكرهما في قوله r " نعمتان مَغْبُونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" البخاري

 

تأملوا في قوله "كثير من الناس " الذي يُوفَّق لاغتنام هاتين النعمتين قليل، وقليل جدا، فكم هم من يستغلون صحتهم في التقرب إلى الله، وكم هم الذين ملأوا أوقاتهم فيما يرضي ربهم..

عافية في البدن، لكنها لا تستغل تذهب هدرًا، صحيح الجسم، معافى البدن يستطيع أن يبكّر إلى الصلوات، يستطيع أن يحافظ على السنن والنوافل، يستطيع أن يقرأ القرآن ويصلي والناس نيام، يستطيع أن يبذل نفسه في طاعة الله، يستطيع أن يحافظ على صلاة الفجر لا إشكال عنده؛ لأنه صحيح أمدَّه الله بالعافية، لكن وللأسف واقعه واقع كثيرٍ من المغبونين لم يستغل صحة بدنه في طاعة الله، لم يقدم لحياته الأخروية، تكاسل وترك للخير، حتى تذهب الصحة وتذهب القوة، وتذهب الفتوة بدون عمل صالح، فإذا هو من المغبونين الخاسرين النادمين.

 

كم من الناس من ضيَّع صحته وشبابه وقوته، ضيَّعها في الكسل والعجز والتواني، حتى إذا جاء آخر العمر الضعفُ والشيبة، فإذا هو يتمنى أن يحج فلا يقدر، يتمنى أن يصوم فلا يقدر، يتمنى أن يذهب إلى المسجد فلا يقدر، يتمنى أن يشعر بلذة السجود فيطيله فلا يقدر، هذا الغبن الأول... غبن الصحة؛

وقد قال r  ) لاَ تزولُ قدَمُ ابنِ آدمَ يومَ القيامةِ من عندِ ربِّهِ، حتَّى يسألَ عن خمسٍ: عن عمرِهِ فيمَ أفناهُ، وعن شبابِهِ فيم أبلاَهُ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ، وماذا عملَ فيما علِمَ( صحيح الترمذي للألباني صحيح.

أسئلة يوم القيامة والله لتسألنها عن قوتك وصحتك وشبابك وغناك يسألك الله عنها يوم تلقاه، ماذا قدمت ماذا زرعت لآخرتك، فإن أعددت للسؤال جوابا صوابا فقد أفلحت وإن كانت الأخرى فأنت مغبون، وسترى الغبن قبل الممات ويوم التغابن، ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ﴾ ، والغبن الأعظم في صحتك إذا سُخِّرت في معصية الله والصدِّ عن سبيل الله، إذا ضاع شبابك وصحتك في فعل الحرام والنظر إلى الحرام، والسفر إلى الحرام وكسب الحرام، والتكبر على عباد الله أو ظلمهم، أو أخذ حقوقهم، فهذا من أعظم الغبن.
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ من هم؟ اسمع فيما أفنوا صحتهم وشبابهم... ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

 

اللهم هب لنا صحة لا تنسينا وهب لنا غنى لا يطغينا، وردنا إليك يا ربنا ردا جميلا

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله، الغبن الثاني والحسرة الأخرى - ونعوذ بالله من الغبن - هو غبن العمر، غبن الأيام والليالي، غبن الساعات والثواني، غبن الفراغ.

يَمنحك الله وقتًا وعمرًا وسنين طويلة؛ لتعبُده وتطيعه وتُرضيه، لتزرع فيها للآخرة لتقدم لنفسك حسنات تنجو بها بين يديه، ثم تذهب السنون والأيام والدقائق بلا فائدة ولا أجور ولا حسنات، دقيقة واحدة تستطيع أن تقرأ فيها صفحة من كتاب الله بما يقارب خمسة آلاف حسنة، تستطيع أن تسبِّح الله مائة تسبيحة في دقيقة واحدة، تستطيع أن تقرأ قل هو الله أحد ثلاثا فكأنك قرأت القرآن كاملا تستطيع أن تهلل وتكبر وتحمد وتُحوقل عشرات المرات فكم ضيَّعنا من الدقائق والساعات والأيام والسنين؟

نسافر مئات الكيلوات ثم تجدنا ساكتين صامتين لا تسبيح ولا تكبير ولا حمد ولا ثناء، لا يجد أحدنا ما يشغله، فتراه يقلب سبابته في مواقع التواصل التي أدمن البعض رؤية التوافه والتافهين؛ والفارغين وربما الفارغات والعاهرات يقول: نضيع الوقت نقسم الوقت، تضيّع عمرك؟ تضيع مستقبلك؟ تضيع كنزك؟

ديننا لا يحرم الفسحة ولا النزهة ولا الترويح عن النفس، إنما الغبن أن يضيع العمر كله في نزهات ومطالعة للمنكرات، وكسل عن الطاعات، الغبن أن يضيع الوقت في قسوة القلب في الجلوس مع العاطلين البطالين، الغبن أن يضيع عمرك الذي هو رأس مالك في ضياع فيكون حسرة عليك وأيّ حسرة.

فالله الله في استغلال الأعمار لا يمرّ يوم أو ساعة أو دقيقة، إلا تعمل أو تقول فيها عمل صالح، عند الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا قال ( ما من ميت يموت إلا ندم، إن كان محسنًا ندم على ألا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم ألا يكون استعتب(

إن كنت تقرأ في اليوم صفحة من كتاب الله فاقرأ ثلاثا وإن كنت تقرأ جزءا فاقرأ مثله وكلما زدت بارك الله لك، جاهد نفسك في الأذكار اقرأ عن سيرة المختار والأئمة الأخيار كيف كانت ألسنتهم لا تفتر عن ذكر الواحد القهار، بادر إلى صلاتك حتى قبل أن تسمع الأذان يقول ابن المسيب رحمة الله عليه ( ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد )

مَعالٍ جازَت الجَوزا جَوازا

وحسنٌ قَد حَوى الحسنى وَجازا

 

هذه الأوقات الشاهدة لك، المقرّبة لربك، الأعمال التي ستعد برؤيتها يوم تلقى الله تعالى... فسابقوا ياعباد الله إلى مرضاة الله تعالى وسارعوا، وشمّروا إلى الجنة واجتهدوا، فإنما الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار...

﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾

 

وصلوا وسلموا...

المرفقات

1774562292_المغبونون.docx

المشاهدات 238 | التعليقات 0