المواطنة
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله له مقاليد السّموات والأرض، وبيده البسطُ والقبض، وعنده الرّفع والخفض، أحمده سبحانه وأشكره، الملائكة من خشيتِه مشفِقون، وكلّ من في السماوات والأرض له قانتون، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن سيّدنا ونبيّنا محمّدًا رسول الله، صلى الله وسلَّم وبارك عليه، صلاة دائمة ما تعاقب الليل والنهار وسلّم تسليمًا كثيرًا ... أما بعد:
فأيها المسلمون، اتقوا الله تعالى واعلموا أنه تعالى قد فطر بني الإنسان على حبّ وطنه الذي عاش فيه وترعرع في أكنافه، يستريح إلى البقاء فيه، ويحنّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هوجِم، ويغضب له إذا انتُقص.
لمـَّا أُخرج المصطفى من مكة قال: ((ما أطيبكِ من بلد، وما أحبكِ إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيركِ)) .
فهو يحب مكة حبًا شديدًا، كره الخروج منها لغير سبب، ثم لما هاجر إلى المدينة واستوطن بها أحبها وألفها كما أحبّ مكة، بل كان إذا قدم من سفر فأبصر منازل المدينة أوضع ناقته ـــ أي: أسرع بها
وإذا كان هذا الحب قائمًا في نفوس البشر كلٌّ لوطنه فكيف الأمر في هذا الوطن المبارك ؛ بلدِ التوحيد والعقيدةِ ، ومَهدِ السنة والرِّسالة ، ومهبط الوحي ومأرِز الإيمان ، وأرضِ الحرمين ، وقِبلة المسلمين ؟!
وأصدقُ الناس حبًا لوطنه هو من يسهم في سعادة مجتمعه بتطبيق الإسلام، والدعوة إلى عقيدته القويمة، وإنقاذهم من النار ومن سخط الجبار، ﴿ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا﴾ .
فحب الأوطان الصادق لا يكون إلا بالسعي فيما يُصلحها، ولا صلاح لها إلا في دين الله تبارك وتعالى ، ولا قَوام لها إلا بشرعه، وكل ما عارض الشريعة فليس بإصلاح، بل هو من الإفساد وليس من حب الأوطان في شيء فإذا كنَّا نريد دوام النعمة والعافية في أوطاننا فالله قد بيَّن لنا فقال:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾.
من اتقى الله تعالى فتح الله عليه أبواب الرزق ورزقه قناعة وتوفيقا وصلاح بال،
المواطنة الحقّة تكون بمجانبة الذنوب والمعاصي، البعد عنها كل البعد، فإنها دمارٌ للديار وهلاك؛ ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
ويكون -عباد الله- بالبعد عن البطر وكفران النعم ، قال الله تبارك وتقدس: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ .
هذا كتاب الله قد بيّن لنا سبل الهدى، وطرق الفلاح والسعادة على مستوى الفرد والمجتمع، بيَّنها أحسن بيان، وأوضحها أبلغ إيضاح، ضرب الأمثلة الحيَّة، لعل الأمة تعي طرق النجاة فتسلكها وطرق الغي فتجتنبها، فيا ليت قومي يعلمون...
أعطى الله نبيه سليمان المُلك وأخضع له أعظم جيوش الدنيا على الإطلاق من الجن والإنس والطير كل هؤلاء كانوا تحت إمرته وتحت حكمه وسلطانه، جِنُّهم وعفاريتهم وإنسهم والطيور كلها كانت تهابه ولا تعصي أمره، وفوق ذلك علَّمه الله تعالى منطق كل شيء، لغة جميع الحيوانات والطيور والحشرات، وأعطاه بساط الريح يركبه فيتنقل به حيث شاء، ما تقطعه الدواب في شهر كامل يقطعه هو في لحظات يسيرة، ورُزق قوة وملكا لم يُعْطه أحد من العالمين، ولــما أبت ملكة اليمن بلقيس الإسلام أمر بعرشها وكرسي ملكها أن يأتيه، فأتاه في لمح البصر قبل أن يرتدّ إليه طرفه فإذا هو عنده...
ومع هذا كله وهذا الملكوت والقدرة العجيبة ما تكبر ولا طغى ولا تجبر، بل عرف طريق بقاء العافية وسبيل دوامها فلم تزده نعم الله إلا خضوعا له سبحانه فقال:
( هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكرُ أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم )
ليعطي عليه السلام درساً عظيماً لكل من أنعم الله عليه بنعمه لينسب الفضل لله تعالى وحده وأنه بشكره سبحانه وطاعته تدوم على البلدان النعم وتزول النقم ..
اللم إنا نسأل العفو والعافية والمعافاة الدائمة .... ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا وأن نعمل صالحا ترضاه وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين
الخطبة الأو االخطبة الثانية:
الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، وهدانا واجتبانا ومن كل خير ربنا أعطانا فله الحمد، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الهدى ومصباح الدجى، ومن على أثره سار واهتدى... وبعد:
صدق الله وصدق نبي الله يا عباد الله: (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم )
فاتقوا الله واذكروا نعمة الله عليكم، حين كفاكم وآواكم، وأمّنكم وأغناكم، فلا تفسدوا أرض الله بالمعاصي والترف وقد أصلحها الله جل جلاله.
يذكر المؤرخون أنها مرت بهذه البلاد سنة الجوع عام 1327 حتى كان الناس في الجزيرة يتسابقون على الفطيسة، ويطاردون الجراد، ويخبطون ورق الشجر، فيغلونه بالماء، ويشربونه ما لهم إلا هذا،
يطوف الأولاد على البيوت بالليل، يطرقون الأبواب؛ لعلهم يأخذون كسرة خبز فلا أحد يفتح لهم؛ فيصبح أصحاب البيوت صباحًا، فيجدون هؤلاء الأطفال موتى على الأبواب!
المرضعة تُرى على الأرض مستلقية ميتة وعلى صدرها طفلها قد مات معها من الجوع،
تقول المرأة للرجل لا تعرفه: خذ ولدي يخرج معكم لعله يصيب شيئًا، فنحن سنموت من الجوع، فلعل الله يحييه وينجو معكم، فوجد من نظراتهم أنهم يريدون أكل الولد، وما أنقذه منهم إلا بكلب عابر، لحقوه، فأمسكوه، وذبحوه، وسلخوه، وأكلوه، قالوا: ما تركنا فيه عظمًا ولا كراعًا..
تأتي المرأة إلى قريبها جالس مع الرجال، تقول: يا فلان، تملك عليّ على سنة الله ورسوله، فيسكت قد أهمته نفسه من الجوع، فتقول: يا أيها الأجواد ما فيكم من أحد يعقد عليّ ؟أخرجها الجوع، فيُطرقون برؤوسهم جميعًا،
هذا الكلام يا عباد الله ليس بعيدًا جدًا، جدي وجدك عاشوه وعاصروه، ثم أبدل الله الأحوال فأمننا بعد الخوف، وجمعنا بعد الفرقة، وأغنانا بعد القلة فيا ترى ماذا يجب علينا للمنعم سبحانه؟ رَبُّكُمْ جل جلاله لا يريدكم إلا أن تعبدوه وتشكروه ( لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)،
فاشكروا الله تعالى ولا تقابلوا نعمة الله بمرور الأعوام على توحيد هذه البلاد المباركة إلا بالشكر لله ودوام حمده قولا وعملا وحذار ثم حذار من كفران النعم ومن المجاهرة بالمعاصي...
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك، نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء...
المرفقات
1774562515_المواطنة.docx