المؤمن كالنخلة

الخطبة الأولى:

الحـمدُ للهِ دَائِمِ الفَضلِ والإحـسَانِ، الكريم المنان ، نَحمدُهُ على مَا أَنعَمَ وأولى, رَبُّنا الذي أَغْنى وأَقْنى، ونَشـهدُ أن لا إله إلَّا اللهُ وحـدَهُ لا شَـريكَ لَهُ، لَهُ الأسمَاءُ الحُسنى, ونَشـهَدُ أنَّ نَبِيَّا مُحمَّدَا عبدُ اللهِ وَرَسُـولُه صَاحِبُ المَقَامِ الأعلى، اللهمَّ صَلِّ وَسَـلِّم وَبَارِك عَليه، وعَلى آلِهِ وأَصحـَابِهِ والتَّابِعـينَ لَهم بِإحـسَانٍ وإيمانٍ إلى اليَومِ الأوفى.. وبعد:.

عباد الله:
يقول ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بَينَما نَحنُ عِندَ النَّبِيِّ  r جُلُوسٌ؛ إذْ أُتِيَ بِجُمَّار نَخْلٍ فَجَعَلَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يَأْكُلُ مِنْهُ! والجمارة هي قَلْبُ النَّخْلَةِ، ولم يترك المعلم والمربي هذا الموقف يمرُّ دون أن يعلق بكلماته العذبة وقوله الرقراق صلى الله عليه وسلم فقال:

"مَثَلُ المُؤمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضَراءَ لا يَسقُطُ وَرَقُهَا، ولا يَتَحَاتُ صَيفَاً ولا شِتَاءً". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ :" إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ :"أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلاَ تَحُتُّ وَرَقَهَا؟"
فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي! هذا يَقُولُ: هِيَ شَجَرَةُ كَذَا، وآخَرُ يَقُولُ: هِيَ شَجَرَةُ كَذَا. وَرَسُولُ اللهِ يَقُولُ لا، فَلَمَّا لَمْ يُجِبِ القَومُ قالَ r  : " هِيَ النَّخْلَةُ". 

كُلُّ الأوصَافِ الجَميلَةِ التي في النخلة فِيكَ أيُّها المُؤمِنُ وأكْثَرُ، فالنخلة التي نَنْعُم الآن في موسمهما ذات التنوع في المآكل والألوان والحلاوة والجمال شبهها رسول الله بالمؤمن، فهي ثَابِتَةٌ فِي أَصلِهَا، لا تَزِيدُها السَّنَواتُ إلَّا ثَبَاتاً فِي أَرْضِهَا، أَصْلُهَا ثَابِتٌ كَمَا المُؤمِنُ, يَطُولُ عُمُرُهُ وَيَحْسُنُ عَمَلُهُ! تُحيطُ بِهِ الفِتَنُ والشُّبُهاتُ والشَّهَواتُ وَتُحَاوِلُ زَعْزَعَتَهُ، فَيَزْدَادُ تَمَسُكَاً بِرَبِّهِ وَدِينِهِ, وَصَدَقُ اللهُ: ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)

النَّخْلَةَ لاَ تَحُتُّ وَرَقَهَا صَيفَاً وَلا شِتَاءً فَهِي بِكَامِلِ زِيْنَتِهَا، فَكَذَلِكَ المُؤمِنُ لَيسَ لَهُ وَجْهَانَ: وَجْهُ أمَامَ النَّاسِ طَاعَةٌ وَتَبَتُّلٌ! وَوَجْهٌ قَبِيحٌ إذا خَلا بِمَحارِمِ اللهِ وَلَغَ فِيهاَ! المُؤمِنُ لَيسَ لَهُ وَجْهَانَ وَجْهٌ فِي الرَّخَاءِ يَطْغَى وَيَغْفُلُ، وَوَجْهٌ فِي الشِّدَّةِ والضَّرَّاءِ يُقبِلُ وَيَتَذَكَّرُ. بَلْ هو مُتَزَيِّنٌ بِلِبَاسِ التَّقْوَى، يَعبُدُ رَبَّه حَتى يَأْتِيَهُ اليَقِينُ، شديد الحذر من التَّلَوُّنِ والنِّفاقِ! قَالَ «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ».

النَّخْلَةُ المُبارَكَةُ تَحتَاجُ إلى مَاءٍ يَسْقِيهَا،  وَهَكَذا المُؤمِنُ يحتاج إلى القرآن وسنة خير ولد عدنان حتى يسقى قلبه بنورهما فلا يموت ولا يبلى ولا يقسو ولا ينسى حياته في الاستجابة والخضوع لله ولرسوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)

عبادَ اللهِ: النَّخْلَةُ فُرُوعُها مُمْتَدَّةٌ فِي السَّمَاءِ وكل شيء فيها نافع بلا استثناء " فسبحان من خلقها وجمَّلها وزينها وباركها"،  وَهَكَذا المُؤمِنُ أينما وقع نفع، وَهَكَذا المُؤمِنُ أينما وقع نفع لسان حاله " رب اجعلني مباركا أينما كنت " كلُّ النَّخْلَةُ نَافِعَ وَمُفِيد جِذْعُهَا وَلِيفُهَا وأجزَاؤها، وَهَكَذا المُؤْمِنُ مُبَارَكٌ عَلى نَفْسِهِ وَغَيرِهِ، لَيسَ أنانِيَّاً, فَهُوَ المُعِينُ لِإخوَانِهِ السَّاعِي لِمَصَالِحِهِم, البَاذِلُ مَاَلَهُ؛ يَتَصَدَّقُ عَلى هَذا, وَيُقرِضُ ذَاكَ، وَيَعْفُوَ عَنْ المُعسِرِ, ويُنْظِرُ المُتَعَثِّرَ. يَبْذُلُ جَاهَهُ لِنَفْعِ إخوانِهِ مُتَمَثِّلاً قَولَ نَبِيِّنا : « اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا».

وكذا قلبه كقَلْب النَّخلَةِ وجمارتها بيضاء حُلوة, فقَلْبُ المُؤمِنِ أَبيضٌ صَافٍ,  لا يَحمِلُ غِلاًّ ولا حِقدَاً على إخوانِه المُسلِمينَ, إنْ رأى عِندَهُمْ خيرَاً فَرِحَ لَهم وباركَ لَهُم, وإنْ أتاهُم مَا يَسُوؤُهُم ؛ حَزِنَ لِحُزْنِهِم, على لِسَانِهِ دَومَاً وَأبَدا: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا)...

الخطبة الثانية:

وما دمنا في موسم حصاد ثمار النخل، وقد تزينت أعين ولذت أكباد برؤيتها وطعامها، فلا ننسى المتفضل سبحانه، أوزعوا لله هذه النعم، وردوها للواهب المتفضل فلإن شكرتم ليزيدنكم سبحانه وإن من تمام النعمة أن نعلم ما فيها من فقه وأحكام حتى نعبد الله على بصيرة أذكر منها على عجل:

 

أنه يحرم بيع الثمر حتى يَبدوَ صَلاحُهُ بِأنْ يَحمَرَّ أو يَصْفَرَّ, وأنَّهُ لا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ في بَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ وأنَّ هذا عَينُ الرِّبا, بمعنى ألا تبيع مثلا رطب بتمر، أو تبيع صاعين تمر رديء بصاع جيد،  جاء بلال إلى النبي r بتمر برني، فقال له رسول الله: "من أين هذا؟"، قال بلال: كان عندنا تمر رديء، فبعت منه صاعين بصاع؛ لتطعم يا رسول الله، فقال r: " أوه عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري، فبع التمر ببيع آخر، ثم اشترِ به".

كَما عَلَّمنا نَبِيُّنا r تَحريمَ الغِشِّ، ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ يعني كومة من الطعام فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ». قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ :   « أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَي يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّى». وهذا تَحذيرٌ لِلباعَةِ بأن يتقوا الله تعالى ويراقبوه في بيعهم وشرائهم فقد تبرأ رسول الله ممن غش، ومن برأ منه رسول الله فهو على خطر عظيم.


يَا أهلَ النَّخِيلِ والمَزَارعِ وغيرها يَقُولُ اللهُ تَعالى: ( وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ) .وَقَالَ r :«ليسَ في حبٍّ ولا ثَمَرٍ صَدَقةٌ حَتَّى يبْلُغَ خمسةَ أَوْسُقٍ». وَزِنَة خمسة أوسق سِتُمِائَةٍ واثْنَي عَشَرَ كِيْلو. سـَواءٌ أَرَادَ أَكْلَ الثَّمَرِ أو التَّصَدُّقَ بِهِ أو بَيعَهُ أو إِهدَاءَهُ، كُلُّ ذَلِكَ لا يُسـقِطُ وُجُـوبَ الزَّكَاةِ فِيهِ، إذا بلغ وزن تمرك سِتُمِائَةٍ واثْنَي عَشَرَ كِيْلا وجبت عليك زكاته وهي نصف العشر فقط، فلو بلغ وزن تمرك مثلا ألف كيلو فزكاته خمسين كيلو فقط إذا كنت تسقيها وعليك مؤنتها، أما إذا كانت بغير مؤونة كالحب الذي يكون على المطر ونحوه فعليه العُشر.
اللهم بارك لنا في مدنا وصاعنا وثمرنا وزرعنا، اللهم بارك لنا في أموالنا وأهلينا وذرياتنا، واجعلنا مباركين أينما كنا ...

 

المرفقات

1774562737_المؤمن كالنخلة.docx

المشاهدات 342 | التعليقات 0