الواقعية في التربية النبوية

د. محمود بن أحمد الدوسري
1447/10/02 - 2026/03/21 04:51AM

الواقعية في التربية النبوية

د. محمود بن أحمد الدوسري

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ: فَدِينُ الْإِسْلَامِ بِعَقَائِدِهِ وَشَرَائِعِهِ وَآدَابِهِ مُلَائِمٌ لِوَاقِعِ النَّاسِ وَحَيَاتِهِمْ، فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يَتَمَثَّلُوا هَذَا الدِّينَ وَيَلْتَزِمُوا بِشَرَائِعِهِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلِكَيْ يَنْجَحَ الْمُسْلِمُ فِي تَحْقِيقِ ذَاتِهِ، وَالْقِيَامِ بِوَاجِبَاتِهِ وَمُتَطَلَّبَاتِ حَيَاتِهِ، وَتَأْدِيَتِهِ لِرِسَالَةِ رَبِّهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الْوَاقِعِيَّةِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَمِنْ أَهَمِّ صُوَرِ الْوَاقِعِيَّةِ فِي التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ:

1- الْوَاقِعِيَّةُ فِي التَّشْرِيعِ:

أ- جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرِيعَةٍ مُيَسَّرَةٍ، وَوَضَعَ عَنْ أُمَّتِهِ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ سَبَقَهُمْ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الْأَعْرَافِ: 157]، وَتَجَلَّتْ هَذِهِ الْوَاقِعِيَّةُ فِي تَشْرِيعَاتِهِ لِأَصْحَابِهِ؛ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – فِي شَأْنِ النُّسُكِ فِي الْحَجِّ: فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

ب- وَلَمَّا الْتَقَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَنَتٍ؛ رَغِبَ أَنْ يَكُونَ وَاقِعِيًّا فِي تَشْرِيعِهِ الصَّلَاةَ لِأُمَّتِهِ، فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى التَّخْفِيفَ، وَالشَّاهِدُ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ([1])، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً([2])» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: «فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَالْمُرَادُ: ‌هُنَّ ‌خَمْسٌ ‌عَدَدًا؛ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ، وَخَمْسُونَ اعْتِدَادًا؛ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ)([3]).

2- الْوَاقِعِيَّةُ فِي شَأْنِ التَّوْبَةِ: فَكُلَّمَا تَكَرَّرَ الذَّنْبُ؛ أَحْدَثَ الْعِبَادُ لَهُ تَوْبَةً؛ لِأَنَّ الْبَشَرَ لَا يَنْفَكُّونَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَهَذَا مِنَ الْوَاقِعِيَّةِ، وَتَأَمَّلُوا – هَذَا الْحَدِيثَ الْقُدُسِيَّ: قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي" فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا؛ فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: "أَيْ رَبِّ! اغْفِرْ لِي ذَنْبِي" فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا؛ فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: "أَيْ رَبِّ! اغْفِرْ لِي ذَنْبِي" فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا؛ فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ؛ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ([4]).

3- تَقْرِيرُ النَّبِيِّ بِوُقُوعِ الذُّنُوبِ مِنَ النَّاسِ([5]): مَهْمَا بَلَغَ ابْنُ آدَمَ مِنَ التَّقْوَى؛ فَلَنْ يَصِلَ إِلَى حَالَةٍ لَا يُقَارِفُ فِيهَا ذَنْبًا، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا؛ لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ؛ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ([6])، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ([7])» حَسَنٌ – رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

4- وُقُوعُ الْأَخْطَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ: فَالصَّحَابَةُ الْكِرَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بَلَغُوا الذُّرْوَةَ فِي التَّقْوَى وَالْإِيمَانِ، وَالصَّفَاءِ وَالنَّقَاءِ، وَمَعَ ذَلِكَ بَدَرَتْ مِنْهُمْ بَعْضُ الْهَفَوَاتِ وَالزَّلَّاتِ الَّتِي صَرَّحَ بِهَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَمِنْهَا:

أ- مُخَاطَبَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ بَدْرٍ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الْأَنْفَالِ: 1]؛ {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الْأَنْفَالِ: 7]؛ {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الْأَنْفَالِ: 68].

ب- وَمُخَاطَبَتُهُ سُبْحَانَهُ لِأَهْلِ أُحُدٍ: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} [آلِ عِمْرَانَ: 122]؛ {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 152].

ج- وَمُخَاطَبَتُهُ لِأَهْلِ حُنَيْنٍ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التَّوْبَةِ: 25]([8]).

5- الْوَاقِعِيَّةُ فِي الِالْتِزَامِ بِالْعِبَادَاتِ:

أ- أَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ بَالَغَ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَسْرُدُ([9]) الصَّوْمَ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ؛ فَقَالَ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ؟! وَتُصَلِّي وَلَا تَنَامُ؟! فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ([10]) عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ب- وَأَنْكَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مُبَالَغَتَهَا فِي التَّعَبُّدِ، فَعِنْدَمَا رَأَى حَبْلًا مَمْدُودًا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ! قَالَ: «مَا هَذَا الْحَبْلُ؟» قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا، حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الِاقْتِصَادِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ التَّعَمُّقِ، وَالْأَمْرُ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا بِنَشَاطٍ، وَأَنَّهُ إِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ حَتَّى يَذْهَبَ الْفُتُورُ)([11]).

6- الْوَاقِعِيَّةُ فِي الْمُعَاشَرَةِ الْأُسْرِيَّةِ: بَيْتُ النُّبُوَّةِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْبُيُوتِ، وَنِسَاؤُهُ كَسَائِرِ النِّسَاءِ، يَحْصُلُ مِنْهُنَّ مَا يَحْصُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الْأَنْصَارِ إِذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ، فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي، فَرَاجَعَتْنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ... عِبَادَ اللَّهِ.. وَمِنْ صُوَرِ الْوَاقِعِيَّةِ فِي التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ:

7- الْوَاقِعِيَّةُ فِي تَطْبِيقِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ:

أ- امْتَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَدْمِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؛ لِحَدَاثَةِ قَوْمِهِ بِالْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ - لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

ب- امْتَنَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ؛ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِمُرَاعَاةِ وَاقِعِ النَّاسِ: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

8- مُرَاعَاةُ وَاقِعِ النَّاسِ فِي تَطْبِيقِ الْعِبَادَاتِ:

أ- كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْغَبُ فِي إِطَالَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَلَذَّذُ بِهَا، وَلَكِنَّهُ يُرَاعِي أَحْيَانًا وَاقِعَ النَّاسِ وَطَبِيعَتَهُمْ؛ وَلِهَذَا كَانَ يَقُولُ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ؛ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي؛ مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ([12]) مِنْ بُكَائِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

ب- وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فَرِيضَةَ الْعِشَاءِ فِي الْوَقْتِ الْفَاضِلِ، لَكِنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ؛ فَيُرَاعِي حَالَهُمْ، فَقَدْ أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعِشَاءِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَخَرَجَ عُمَرُ فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ! فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي؛ لَأَمَرْتُهُمْ بِالصَّلَاةِ هَذِهِ السَّاعَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

9- الْوَاقِعِيَّةُ فِي التَّغَافُلِ عَنْ بَعْضِ الْأَخْطَاءِ:

أ- قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: «غَارَتْ أُمُّكُمْ»، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ‌عَدَمِ ‌مُؤَاخَذَةِ ‌الْغَيْرَاءِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَكُونُ عَقْلُهَا مَحْجُوبًا بِشِدَّةِ الْغَضَبِ الَّذِي أَثَارَتْهُ الْغَيْرَةُ)([13]).

ب- وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَجَاوَزُ عَمَّا يَصْدُرُ مِنْ خَادِمِهِ، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا: أَلَّا صَنَعْتَ؟» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

ج- وَكَانَ يَدْعُو أَصْحَابَهُ إِلَى حُسْنِ التَّعَامُلِ مَعَ مَنْ يَقَعُ مِنْهُ الْخَطَأُ، وَتَجَنُّبِ إِعَانَةِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، قَالَ: «اضْرِبُوهُ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ؛ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ! قَالَ: «لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

([1]) لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْرٌ: أي: أجر عشر صلوات؛ مصداقًا لقوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160].
([2])  خَمْسُونَ صَلاَةً: فهيَ خَمْسٌ في العَمَلِ، وخَمْسُونَ في الأجرِ، الحَسَنَةُ بعَشْرِ أمْثَالها. انظر: الإفهام في شرح عمدة الأحكام، (ص144).
([3]) فتح الباري، (1/463).
([4]) كتاب: التوبة. بَابُ: (قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الذُّنُوبُ وَالتَّوْبَةُ).
([5]) إنَّ تقرير النبيِّ صلى الله عليه وسلم لوقوع الأخطاء من أُمَّته؛ ليس دعوة لمعصيةٍ، ولا لتهوينِ مراقبة الله تعالى وخشيته، وإنما هو بيان لطبيعة البشر، حتى لا يُجْهِد الإنسانُ نفسَه في تحصيل كمال يستحيل عليه إدراكه.
([6]) خَطَّاءٌ: أَيْ: كَثِيرُ الْخَطَأِ.
([7]) التَّوَّابُونَ: أَيِ: الرَّجَّاعُونَ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي كُلِّهَا.
([8]) هذه المواقف وغيرها لا يجوز أن تكون مدخلاً للانتقاص من الصحابة رضي الله عنهم فضلاً عن الطعن فيهم، فقد تاب الله عليهم، وزكاهم، ووعدهم جنات النعيم.
([9]) أَسْرُدُ: أي: أُوالي وأُتابع. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، (2/358).
([10]) وَلِزَوْرِكَ: الزَّوْرُ: ‌الزَّائِرُ. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، (2/318).
([11]) شرح النووي على مسلم، (6/73).
([12]) وَجْدِ أُمِّهِ: أي: حُزن أُمِّه عليه. انظر: شرح النووي على مسلم، (4/187).
([13]) فتح الباري، (9/325).

المرفقات

1774057859_الواقعية في التربية النبوية.docx

المشاهدات 682 | التعليقات 2

.


.