(بيوتُ الله: شرفهُا وواجبنا تجاهها). ٧ / ١١ / ١٤٤٧
أحمد بن ناصر الطيار
الحمدُ للهِ كما وَجَب لكبريائهِ وجلالِه، والشُّكرُ له على ما غَمَرنا به من نَعمِه وآلائه، وأشهَدُ أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا نظيرَ له في ذاته ولا شريكَ له في أفعالِه، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، خَصَّه الله بعمومِ رسالتِه وكَمالِه، صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى صَحابَته وآله.
أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين, واعلموا أنّ أول مشروعٍ بدأ به النبيّ صلى الله عليه وسلم حينما هاجر للمدينة, هو بناء المسجد؛ لأنّ المسجد يجمع المؤمنين, ويوحّد صفّهم, وشُرعت فيه إقامة أعظم فريضةٍ بعد الشهادتين, وهي الصلاة, فلا تجوز الصلاة للرجال في الحضر إلا فيها, إلا لسبب شرعي.
ومما يبيّن شرف المساجد وعلوّ منزلتها، قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه)، قال العلامةُ السعدي رحمه الله: {أذن الله} أي: أمر ووصى, {أن ترفع ويذكر فيها اسمه}, هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها بناؤها وكنسها وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونُها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرّزون عن النجاسة، وعن الكافرِ، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفعِ الأصوات بغير ذكر الله.
{ويذكر فيها اسمه} يدخل في ذلك الصلاةُ كلّها، فرضُها ونفلُها، وقراءةُ القرآن، والتسبيحُ والتهليلُ، وغيرُه من أنواع الذكر، وتعلمُ العلم وتعليمُه، والمذاكرةُ فيها". ا.ه
ومما يبيّن شرفها وعلو منزلتها كذلك: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب البلاد إلى الله مساجدها)، قال العلماء: "إنما كان ذلك لما خُصّت به من العباداتِ والأذكارِ واجتماعِ المؤمنين, وظهورِ شعائر الدين, وحضورِ الملائكةِ".[1]
ويجب صيانة المساجد عن اللغو والهذَر والقذر، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن".
ولمّا كانت بيوت الله بهذه المكانة والحرمة والعظمة: عظُم جُرم وإثمُ من سعى في تعطيلها عن الذكر وتعلّمِ العلم وتعليمِه, قال الله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها} .
قال العلامةُ السعدي رحمه الله: أي: لا أحد أظلم وأشد جرما، ممن منع مساجد الله، عن ذكر الله فيها، وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات.
{وسعى} أي: اجتهد وبذل وسعه {في خرابها}, الحسيّ والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها، وتقْذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها.
وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية، كما قال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر}. ا.ه
ولمّا كانت بيوت الله بهذه المكانة والحرمة والعظمة: كان الواجب على كلّ مسلم أن يبتعدَ عن كلّ ما يؤذي المصلين فيها، إما برائحةٍ كريهة؛ كالعرق والثوم والبصل والدخان, أو أخلاقٍ رديئة, أو وجهٍ عابس منفّر, أو صوتٍ مرتفع مقزّز يصْدر من الأنف أو الفم, ومن احتاج إلى إخراج بلغمٍ أو مخاطٍ فلْيكن بصوتٍ منخفض.
والذي ينبغي للمؤمن خاصة وهو في بيت خالقِه وسيّده وربّه, أنّ يتأدّبَ بالآداب التي يُحبّها, ويتخلّق بالأخلاق التي أمر بها, كإفشاءِ السلام وردّه بوجْهٍ طلِق، ونفسٍ منْشرحة, ويقلّلَ من الكلام فيما لا منفعةَ فيه, ويُقبلَ على صلاته بخشوع, ويجتنبَ غاية وسعه كلّ ما يُكدّر خاطر إخوانه المصلّين, من تدخّلٍ في شؤون المسجد التي هي من حقوق الإمام والمؤذن.
نسأل الله تعالى أن يهدينا لأحسن الأقوال والأفعال, إنه على كل شيء قدير.
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين, وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: معاشر المسلمين: إنّ المحافظةَ على نظافة المساجد، وصيانَتها من الأذى، وكذلك مرافقُها التابعةُ لها؛ كأماكن الوضوء ونحوها، مما يؤجر عليه المسلم, وهو من تعظيم بيوت الله تعالى.
أخي المسلم, اجتنب هذه الأمور الثلاثةَ المتعلّقةَ بالمساجد:
الأمرَ الأول: حجزُ الأماكن في الصفوف الأولى وغيرها، سواء للنفس أو للغير، لما فيه من التعدي على حقّ من حضر مبكراً للصلاة.
الأمرَ الثاني: أذيةُ المصلين بوضع الأحذية في طريقهم أمام أبواب المساجد، لما في ذلك من الضرر، ولا سيما على كبار السن وذوي الإعاقة الذين قد يتعثرون بها، إضافة إلى ما في ذلك من تشويهٍ لا يليق ببيوت الله، وقد حثّت الشريعة الإسلامية على إماطة الأذى عن الطريق، فكيف إذا كان الطريق إلى بيتٍ من بيوت الله!
الأمرَ الثالث: إيذاءُ الناس في الطرقات المحيطة بالمساجد، بإيقاف المركبات على وجهٍ يؤذي المارة ويضيّق عليهم، أو يلحق الضرر بالمجاورين للمسجد؛ لأن هذا من الأذى المحرم شرعاً، ويتنافى مع ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الالتزام بالآداب وعدم أذية الناس.
ثم صلُّوا وسلِّموا على نبيكم محمدٍ رسولِ الله، فقد أمرنا بذلك ربُّنا جلّ في علاه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ عهده بتوفيقك، وأعِزَّهما بطاعتك، واجمَع بهما كلمةَ المسلمين على الحق والهُدى يا رب العالمين.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءَهم، واجمع على الحق والهُدى كلمتَهم، وولِّ عليهم خيارَهم، واكفِهم أشرارَهم، وابسُط الأمنَ والعدلَ والرخاءَ في ديارهم، وأعِذهم من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطَن.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
[1] - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2/ 295)
المرفقات
1776932123_بيوتُ الله شرفهُا وواجبنا تجاهها.pdf