تعظيم المساجد وفضل الصلاة فيها وبعض آدابها
أنشر تؤجر
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ حُضورَ المساجدِ من أعظمِ شواهدِ الإيمان ، وتفضَّل على قاصديها بالخير والكَرَم والإحسان ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ الرَّحيمُ الرحمن ، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه المبعوث بالحقِّ إلى الإنسِ والجانِّ ، اللهمِّ صلِّ وسلِّم على محمدٍ وعلى آلهِ وأصحابهِ والتابعين لهم بإحسانٍ .
عباد الله : إن الصلاةَ جماعةً في بيوت الله تعالى من واجبات الدِّين ، وهدي المرسلين ، يجتمعُ للمصلِّي فيها شرفُ العبادة ، وشرف البقعة ، و ليس بقعة أحب إلى الله من بيوته ، وليس روادٌ أكرم من روادها ، أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ :« أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا ، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا ».
المساجد ملتقى المؤمنين ، بها تتعلق قلوبهم ، وفيها تسموا أرواحهم وتتوحد صفوفهم ، وفيها يؤدون صلاتهم ويعظمون ربهم ، تراهم يركعون ويسجدون وبحمده يسبحون , كما قال الله تعالى عنهم :{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ{.
من المساجد انطلق المصلون من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فأضاؤوا الدنيا عدلا ونورا ؛ ومن منائرها دوت كلمة التوحيد ، وعليها نودي بالصلاة والفلاح ؛ ومن محرابها تليت آيات الله غضا طريا ، ومن منابرها شاعت أنوار الهداية والصلاح .
وكان الصحابة إذا افتقدوا أحداً بحثوا عنه في المسجد ، جَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْتَ ابنته فَاطِمَةَ ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا ، فَقَالَ :« أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟ » فَقَالَتْ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ ، فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِإِنْسَانٍ :« انْظُرْ، أَيْنَ هُوَ؟ » فَجَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام وَهُوَ مُضْطَجِعٌ ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ ، فَأَصَابَهُ تُرَابٌ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ :« قُمْ أَبَا التُّرَابِ قُمْ أَبَا التُّرَابِ » أخرجه مسلم .
عباد الله : في المَسَاجدِ تَتنزَّلُ السكينةُ والرَّحمةُ ، ويُنالُ فيها من الملائكةِ أعظمُ الدعوات ، قالَ الرسولُ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -:" والمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ ، تقولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ، ولاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ ، لاَ يَـمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ الصَّلاَةُ."
والمشي إلى المساجد يرفع الله به الدرجات , ويمحو به الخطيئات , ويضاعف به الحسنات , قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ :" أَلاَ أُخْبِـرُكُمْ بِـمَا يـَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ".
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" المساجد بيوت الله في الأرض , والمصلي فيها زائر لله , وحق على المزور أن يكرم زائره "؛ وفي الحديث المتفق على صحته يقول عليه الصلاة والسلام :" مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ ، أَوْ رَاحَ ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا ، كُلَّمَا غَدَا ، أَوْ رَاحَ " متفق عليه .
والسعيد – يا عباد الله - من عَمَرَ المساجد وحافظ على أداء الفرائض فيها ، فكان ممن أثنى الله عليهم ، وشهد لهم بالإيمان ، فقال تعالى :( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) (التوبة : 18 .(
فما أكرم بيوت الله وما أكرم عُمّارها ، وما أعز من اعتنى بها نظافةً وصيانة ؛ ومن تأمل النصوص الشرعية وجدها تُرغِّب في نظافة المسجد وإزالة الأذى منه ، ومن يقوم بنظافته أو يدفعُ مالاً لمن يقوم بذلك فهذا له أجر عظيم ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُجِل صاحب هذا العمل ، فقد جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ [ أي : تنظف المسجد ] فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَ عَنْهَا فَقَالُوا : مَاتَت ، قَالَ :« أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي [ أي : أخبرتموني ] قَالَ : فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا [ يعني : ما أردوا يشغلوا النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المرأة السوداء ، خاصةً أنها ماتت ليلاً ] فَقَالَ :« دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِا» فَدَلُّوهُ ، فَصَلَّى عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَالَ :« إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا ، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ ».
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول :( إماطةُ الأذى عن الطريق صدقة ( إذا كان هذا في طريق يمر به المسلمون ، فكيف بمكان يترددون عليه في اليوم خمس مرات ؟!، ويؤدون فيه عبادةً عظيمة وهي الصلاة ، فلا شك أن الأجر أكبر .
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يتأدبون بهذه الآدابِ العظيمةِ ؛ أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين ، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ؛ وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين وآله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
عباد الله : إن تعظيمَ قدرِ الصلاةِ عنوانُ صدقِ الإيمان ، ومن حق بيوت الله وحق فريضته وحق عباده المصلين أن يأتي إليها المسلم بأجمل حلة وأحسن زينة ، كما قال تعالى :{ يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ }
قال جَابِرُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام حلةٌ يَلْبَسُهَا يَوْمِ الْجُمُعَةِ وفِي الْعِيدَيْنِ.
وكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ لِلْمسّجِدِ لَيُحَدِّثَ تَوَضَّأَ وضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ ، وَلَبِسَ قَلَنْسُوَةً ، وَمَشَطَ لِحْيَتَهُ .
والمتأمل في حال بعض المصلين ، يجد أنهم لا يقدرون للصلاة قدرها ، ولا للمساجد مكانتها ، ومن ذلك أنه يأتي أحدهم مرتدياً ثياب مهنته وقميص نومه ، مما لا يفعله بمناسبات فرحه ، ومقابلة وجهائه ، وأدهى من ذلك من يأتي للصلاة ببنطال قصير قد بدت ركبتيه ، وإذا جلس للصلاة بدت فخذيه ، وستر العورة شرط من شروط الصلاة ، فلا تصح صلاته ، والله تعالى يقول :{ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ {.
ومن حق المساجد والمصلين أن يعتني المرء بنظافته ورائحته ؛ ومن يأتي إلى الصلاة وفي ملابسه الروائحُ الكريهة ، فيتأذى بسببه المصلون ، وتتأذى بسببه الملائكة ، فهذا محرم ويأثم بذلك ، سواءً كانت الرائحة بسبب شيء حلال ، كرائحة البصل والثوم ، أو رائحةٍ بسببِ أمرٍ محرمٍ كشرب الدخان ، ففي الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام :" مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ ".
ألا فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - وَحَافِظُوا عَلَى بُيُوتِ اللهِ ، وَتَعَاوَنُوا مَعَ الإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ بِكُلِّ مَا يَخْدُمُ بُيُوتَ اللهِ ؛ قَالَ تَعَالَى :﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾.
هذا وصلّوا وسلِّموا رحمكم الله : على نبيّكم محمّدٍ رسولِ الله ، فقد أمركم بذلك ربُّكم جل وعلا فقال :( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ).
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ ، وعلى آله الطاهرين ، وأزواجِهِ أمهاتِ المؤمنين ، وخُلفائِه الأربعةِ الراشدين : أبي بكرٍ ، وعُمر ، وعُثمان ، وعليٍّ ، وسائر صحابةِ نبيِّك أجمعين ، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ، وارضَ اللهمَّ عنَّا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين .
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين ، وأذلَّ الشرك والمشركين ، ودمِّر أعداءَ الدين ، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا سَخَاءً رَخَاءً وسائرَ بلاد المسلمين .
اللهم آمنَّا في أوطاننا ، وأصلحْ أئمَّتَنَا وولاةَ أمورنا ، وأيِّدْ بالحقِّ والتوفيق إمامَنا ووليَّ أمرنا ، اللهُمَّ وفِّقْهُ ووليَّ عهدِهِ لما تحب وترضى ، وأعنهما على البر والتقوى ، وهيئ لهما البطانةَ الناصحة الصالحة التي تدلُّهم على الخير وتعينهم عليه .
اللهم آتِ نفوسنا تقواها ، زكِّها أنتَ خيرُ مَن زكَّاها ، أنت وليها ومولاها ، اللهم إنا نسألك الهُدى والتُّقى ، والعفَافَ والغِنى .
اللهم اجعلنا ممن يعمرون مساجد الله ، وممن تعلقت قلوبهم بها .
( ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنا عذابَ النار ).
عِبادَ الله : أذكروا الله يذكركم ، واشكروه على نعمه وآلائه يزدكم ، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون .
المرفقات
1776929490_تعظيم المساجد وفضل الصلاة فيها وبعض آدابها.docx