تنقية التقنية 21/11/1447

أحمد عبدالعزيز الشاوي
1447/11/20 - 2026/05/07 13:43PM

الحمد لله الذي يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحاط بكل شيء علماً وهو خبير بما تعملون وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بشّر وأنذر وحذر وقال: إنكم ستفتنون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين قضوا بالحق وبه يعدلون وسلم تسليماً  كثيراً، أما بعد.

فاتق الله يا أخي المسلم أينما كنت، وكيفما كنت، فمن اتقى الله نجا.

سخر لكم مافي السموات ومافي الأرض جميعا منه ، ومابكم من نعمة فمن الله ، ويخلق مالاتعلمون ، وسنة الله ( لئن شكرتم لأزيدنكم ، وإن تشكروا يرضه لكم ، ومن كفر فإن ربي غني كريم

قتل الإنسان ماأكفره .. ما أظلم الإنسان حين يجحد بأفعاله منن المنان، ما أظلم الإنسان حين يبدل نعمة الله كفراً ويحل قومه دار البوار، ما أظلم الإنسان حين يستغني فيطغى، ما أجهل الإنسان حين يستخدم نعم الله المسخرة لخدمته في بواره ومضرته.

إن من نعم الله على عباده أن سخر العقول البشرية لتبدع في الاختراع وهيأ الإنسان لخدمة الإنسان، وما من يوم إلا وتتفتق العقول عن مخترع جديد، وما من صنعة بشرية ومخترع حديث إلا في الغالب له جناحان فجناح داء وآخر دواء والأمم الراقية الواعية تأخذ من المخترعات دواءها وتسخرها في صالحها ونفعها، والأمة المتخلفة تنشغل بجناح الداء ولا تأخذ من المخترعات إلا جانبها المظلم وطرفها المضر، وتلك وربي أمارة التخلف والسطحية والانهزامية.

لقد ساهمت العقول الكافرة في خدمة البشرية عبر صناعاتها ومخترعاتها وهي صناعات تحوي الداء والدواء، وفي ثناياها نار ونور وثمارها بر أو فجور، وتركت للأمم أسلوب التعامل معها، بما يملي عليها دينها وأخلاقها ومبادئها.

لا أحد ينكر أن أجهزة الاتصالات والتطبيقات التقنية من نعم الله علينا، ومن تسخير أعدائنا لنا، سهل الله لغيرنا اكتشافها وهيأ لنا الاستفادة منها، فكم أنقذت هذه الخدمة من أرواح بعد قدرة الله ومشيئته، وكم من مسافر ظل على اتصال بأهله بها وكم من تائه في طريق وصل إلى مراده بها، كم قربت من مسافات، وقضيت بها من حاجات، وكم ساهمت في بقاء العلاقة واستمرار اللقاءات، وكم حلت بها من قضايا، وتدورك بها من بلايا، وكم كانت سبباً في معالجة حوادث ومآس، لكن في الوقت ذاته كم كانت سبباً في مآس ورزايا، حينما أسيء استخدامها وتطور نظامها.

أجهزة الجوال نعمة يوم أن كان الناس يحسنون استخدامها ويتقون سهامها.

وأصبحت اليوم عاملاً من عوامل الانحراف وبداية لخطوات الانجراف،

تحولت هذه النعمة إلى أداة أذى ومضايقة للآخرين في مساجدهم ومجالسهم ومدارسهم وأماكن أفراحهم تحولت هذه النعمة من كونها وسيلة لقضاء الحاجات إلى كونها وسيلة لهو وعبث وضياع للأوقات.

أصبحنا ننام ونستيقظ ونحن نتحدث عبر هذه الجوالات، أصبحنا نتحدث ونحن نسير ونتحدث ونحن نقود سياراتنا، نتحدث حتى داخل المساجد، ونتحدث في المجالس وفي الاجتماعات وأثناء المحاضرات، نتحدث في كل شيء وعن كل شيء في قيل وقال وفي سؤال متكرر عن الحال، وفي أخبار الزوجة والعيال فضلاً عن فئة حديثها في العشق والغرام وفي إيقاع الغافلات واستدراج المحصنات.

بلغنا في الجوالات مرحلة الإدمان فهي أول مانفتحه بعد استيقاظنا ، وهي مصاحبة لنا حتى أثناء أكلنا ، وهي أول مانتصفحه بعد فراغنا من الصلاة .. هي جليسنا في أعراسنا ومجالسنا وفي رحلاتنا .. حتى ثقلت علينا الأحاديث وصرنا نميل إلى العزلة ونؤثر الانفراد ، وصار اثقل شيء علينا أن يتحدث معنا أحد فيشغلنا عنها

لقد أصبحت الجوالات نقمة حينما أفسدت مجالسنا وقطعت أحاديثنا، وكدرت صفاءنا، فكم من متحدث متحمس قطع حماسه مكالمة هاتفية، وكم من مجلس مهيب ذهبت هيبته بجلساء يقلبون جوالاتهم دون احترام لحديث ولا تقدير لمتحدث

فمتى نجعل من الجوال منحة بترك العبث فيه في المجالس، وعدم الرد أو الاتصال أثناء حديث متحدث، لأن ذلك يقطع الحديث ويكدر على الحاضرين وينافي أدب المحادثة والمجالسة.

لقد كفر الناس نعمة الجوال حينما أصبحت مصدراً للأذى في المساجد بنغماتها المزعجة وأصواتها المؤذية فشوشت على المصلين وقطعت خشوعهم وإقبالهم، وحينما استخدمت في مجالس العلم وقاعات الدراسة فأذهبت هيبة المجالس وقطعت الفائدة على الدارسين.

الجوالات نقمة حينما تشغل الأبناء عن والديهم في مجالسهم ، فهم بين محتوياتها يتقلبون بينما يبقى الوالدان ينظران إلى الوجوه الضاحكة وهم لايشعرون فما أسوأه من عقوق

فمتى يا مسلمون نرتقي بإيماننا وأذواقنا لتكون على مستوى الخيرية التي منحنا الله إياها.

ومتى نتعامل مع هذا الاختراع من منطلق الإيمان برقابة الله وإحاطته وإحصائه لكل حركاتنا وسكناتنا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

ومتى نرتقي لنكون على مستوى التحدي، ومتى نسمو بأنفسنا عن السخف والعبث لئلا نكون مسخرة للآخرين.

ومتى نرى أمتنا منتجة واعية تتعامل مع كل منجز حضاري بأسلوب حضاري رفيع، ذلك سيكون حينما ندرك سر وجودنا. وذلك حين يعي متعاملوها حقيقة القرآن [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] وأن من دعا إلى ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وأن كل ما سطرته اليد سيكتب ويسألون.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية .. أما بعد :

وثمت صورة أخرى من صور الخلل في التعامل مع التقنيات وجديدها وإبداعاتها ، يتمثل فيما استجد من برامج الذكاء الاصطناعي والذي له جانب مشرق في تسهيل البحث ، وترجمة المقاطع المفيدة وتسهيل الحصول على المعلومة .. لكنه بجانبه المظلم تحول إلى مظهر من مظاهر التلبيس والتزييف وتبديل الحقائق وتشويه الصورة والإساءة إلى الأبرياء ونسبة الكلام القبيح إليهم وتضليل الناس بأحكام مشوهة وفتاو مزيفة والتلاعب بالنصوص الشرعية ونسبة كلام إلى غير أهله

الذكاء الاصطناعي نقمة حينما يكون وسيلة لاستقراء المستقبل والتنبؤ بالغيب وقراءة الأبراج وتحليل الشخصيات

الذكاء الاصطناعي آفة خطيرة حينما ْ تبث مِنْ خِلالِهِ مُحْتَويات كاذِبَة، ومَقَاطِع مَرْئِيَّة مُزَوَّرَة. تُبَثُّ بالصَّوْتِ والصُّوْرَةِ على أَلْسِنَةِ مَن هُم مِنْها بُرَآءُ. ويَعْظُمُ الخَطَرُ.. حِيْنُ يُنْسَبُ التَزْوِيْرُ إِلى مَنْ لَهُ عِلْمٌ، أَو مَكانَةٌ، أَو رأَيٌ، أَو تأَثِير. فَيَشِيْعُ الإِفْكُ، ويَنْتَشِرُ البُهْتانُ، ويَشْتَدُ الضَّرَر.  يُقْلَبُ الحَقُّ باطِلاً، والبَاطِلُ حَقاً، ويَعْظُمُ الفَسادُ، وتَنْتَشِرُ في النَّاسِ الوَساوِسُ، وتَتَقَدَّمُهُم أَسْوأُ الظُنُون. وسَتَظَلُّ تِلْكَ الْـمَخَاطِرُ تَتَضاعَفُ أَخْطارُها، وتَتَسِعُ أَبوابُها، كُلَّما اتَّسَعَتْ قُدْرَةُ التَقْنِيَةِ وتَطَوَّرَتْ أَنْظِمَتُها.

إن المسلم الذي يؤمن بالله ويتقي عذابه ويحذر وعيد الله للمزورين والكذابين والمشيعين الفاحشة في المؤمنين والمؤذين للمؤمنين والمؤمنات عليه أن يتعامل مع التقنية مع حدها المضيء وجانبها المشرق ويتقي جانبها المظلم والذين كان عاقبة أمره خسرا

المسلم يحب أن يعلم أن بَرامِجَ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ لَيْسَتْ مَرْجِعاً آمِناً للاعْتِمادِ عليها في تَقْرِيْرِ المَسائِلِ الشَّرْعِيةِ، ولا النُّقُولِ العِلْمِيَّةِ، ولا يُعْتَمَدُ عليها في البَحْثِ عَنْ فَتَوَى.فالله يقول : فاسألوا أهل الذكر ، ومتى كانت الاختراعات المشبوهة من أهل الثقة والذكر

لايصح من المسلم أن تكون هذه التطبيقات وسيلته الوحيدة في البحث والاطلاع وطلب العلم ، وإنما هي وسيلة فيها الغث والسمين والصحيح والمفترى ، فلاتجعل منها مصدرك الوحيد للبحث عن المعلومات

المسلم الحق يجعل من الليمون شرابا حلوا ويحيل الجوانب المظلمة في التقنية إلى جوانب مشرقة فكم صنع الأعداء من مخترع للفساد أحاله العقلاء إلى وسيلة هدى وإصلاح للعباد

إن جاءتكم مقاطع عبر هذا الذكاء فتبينوا ولاتصدروا على أحد حكما أو تتخذوا موقفا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على مافعلتم نادمين

إن وردتكم عبر هذا الذكاء فتوى أو حكم عقدي أو فقهي فتثبتوا أن تضلوا وتُضلوا فتصبحوا بما فعلتم خاسرين

المسلم الحق يجب عليه وهُوَ يُواجِهُ أَمْواجَ التَقْنِيَةِ، ويَسْتَقْبِلُ أَعَاصِيْرَها، أَنْ يَلْزَمَ مَرْكَبَ التَقْوَى، ويَلْبَسَ طَوْقَ المُرَاقَبَةِ للهِ، وأَنْ يَنأَى بِنَفْسِهِ عَنْ تَتَبُعِ ما لَيْسَ يَعْنِيْهِ، وأَنْ يَكُفَّ عَنْ البَحْثِ فِيما لا يَنْفَعُهُ، وأَنْ يُعْرِضَ عَنْ الخَوضِ فِيما لا بقَرِبُهُ مِنْ رَبِهِ ويُدْنِيْهِ مِنْ مَراضِيْه.

ولنتذكر جميعا ( مايلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين )

اللهم صل وسلم ....

 

المرفقات

1778150606_تنقية التقنية.doc

المشاهدات 382 | التعليقات 0