حال السلف في رمضان

عبدالرحمن سليمان المصري
1447/09/09 - 2026/02/26 17:35PM

حال السلف في رمضان

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي فضل أوقات رمضان على غيرها من الأزمان ، وأنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد:  أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فهي وصية الله للأولين والآخرين قال تعالى ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾ .

عباد الله: إن بلوغ شهر رمضان هو اصطفاء رباني ، ومنحة إلهية تمنح للعبد ؛ فقد أمهلك الله لتعيش موسما ، تتضاعف فيه الأجور ، وتتنزل الرحمات ، وترفع الدرجات ، وتقال العثرات ، وتعتق فيه الرقاب من النار .

من تطوع فيه بخصلة من خصال الخير ، كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ، وأفضل الصدقة صدقة في رمضان ، وعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره .

عباد الله: إن الصيام فرض مكتوب ، وركن من أركان الإسلام مطلوب ، شرعه الله على العباد ، لغاية عظمى ، ومقصد أسمى ، وهي تحقيق التقوى في القلوب ، وحقيقتها ؛ أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية ، بفعل أوامره واجتناب نواهيه .

عباد الله: في رمضان تخشع القلوب ، وتنشرح الصدور ، وترق الأفئدة ؛ فيجتنب المؤمن أسباب غضب الله عز وجل ، من تضييع الواجبات ، أو السقوط في مستنقع الشهوات ، أو التعدي على حقوق العباد ، قال صلى الله عليه وسلم:" الصيام جنة ، - أي وقاية من المعاصي- فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ ولا يسخب –أي يجهل -، فإن سابه أحد أو قاتله ، فليقل: إني امرؤ صائم  " رواه مسلم.

وقد كان السلف يسارعون في الخيرات في رمضان ، ويحرصون بعد أداء الصيام ، على أربعة أمور: قيام الليل ، وقراءة القرآن ، ولزوم المساجد ، والإكثار من الصدقات .

عباد الله: وأما قيام الليل ، فهو أفضل النوافل بعد الفريضة ، فيه رفعة المؤمن وشرف قدره ، وبه تقر عينه عند لقاء ربه ، قال صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " رواه البخاري  ، وقال:" يا أيها الناس ، ‌أفشوا ‌السلام ، ‌وأطعموا ‌الطعام ، وصلوا والناس نيام ، تدخلون الجنة بسلام " رواه الترمذي وصححه الألباني.

عباد الله: وليعلم المؤمن أن القيام مع الإمام في صلاة التراويح سنة نبوية ، ولا يوفق لها إلا من علم قدرها ، واحتسب أجرها ، وهي سبب لنور الوجه ، ونعيم القلب ، وما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل ، ومن صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة .

عباد الله: وأما القرآن الكريم ، فهو حياة الروح  ، وهو شافع مشفع ، وماحل مصدق ، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، طوبى لمن قرأ القرآن ثم عمل به  ، قال صلى الله عليه وسلم " اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه" رواه مسلم .

ولمكانة القرآن الكريم في شهر رمضان؛ كان جبريل عليه السلام ، يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن ، وكان سلف الأمة وأئمة الهدى ؛ يتلون القرآن ويتدارسونه آناء الليل وأطراف النهار ، يرجون رحمة ربهم ، ويصلحون به قلوبهم .

فهذا أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه كان كثير القراءة للقرآن ، وكان ربما قرأ القرآن في ركعة ، وكان الأسود بن يزيد  يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين ، وكان قتادة يختم القرآن في سبع ، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة ، وكان مجاهد يختم القرآن في رمضان في كل ليلة .

عباد الله: وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث، على المداومة على ذلك ، فأما في الأوقات أو الأماكن المفضلة ، فيستحب الإكثار من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان .

قال تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور * ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور ﴾فاطر:29-30.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.        

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا  ،       أما بعد :

عباد الله:  إن الواجب على المؤمن الذي بلغه الله شهر رمضان ، وأكرمه بالصيام والقيام ، أن يتعاهد جوارحه بالحفظ والرعاية، وأن يطهر نفسه من الشبهات والشهوات ، فيتعلم وهو صائم ؛ غض البصر وحفظ اللسان ، وسلامة الصدر وكف الأذى عن الناس ، والصبر على طاعة الله بفعلها ، وعلى المعصية بتركها ، حفظا له من منقصات أجره ، ومذهبات ثوابه ، قال ﷺ:" من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " رواه البخاري ، وقال ﷺ : " رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش " رواه أحمد بسند جيد .

عباد الله: وقد كان سلف الأمة رضوان الله عليهم ، يقضون وقتا كثيرا في المسجد ، حذرا من الوقوع فيما ينقص أجر صيامهم ، ولينالوا الأجور العظيمة ، فالمكوث في المسجد عبادة جليلة ، فالمرء في صلاة ما انتظر الصلاة ، والملائكة تصلي عليه وتستغفر له ، والمسلم يقدر أن ينال تلك الأجور ، بالحضور مبكرا قبل الصلاة ، والجلوس بعد الصلاة ولو وقتا يسيرا ، مع تلاوة القرآن .

عباد الله: وكان السلف يحرصون على إطعام الطعام ، ويرونه من أفضل العبادات ، مقتدين بنبينا صلى الله عليه وسلم ،  فقد كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان ، قال صلى الله عليه وسلم :"  إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها ، أعدها الله لمن أطعم الطعام ، وألان الكلام ، وتابع الصيام ، وصلى والناس نيام "رواه أحمد بسند حسن.

عباد الله : قد مضى ثلث الشهر وبقي ثلثاه ، والثلث كثير ، فمن كان محسنا فليحمد الله وليزد في إحسانه ، ومن كان مقصرا فليحسن فيما بقي ؛ فإن العبرة بالخواتيم ، وليعلم المؤمن أن كثرة العبادة ، من أعظم أسباب حصول الهداية والتوفيق ، وإجابة الدعاء ، كما أنها سبب لاستقرار النفس وراحة البال ، وحفظ النفس والأهل والمال .

وإن من أعظم ثمرات العبادة مغفرة الذنوب ، والفوز بالجنان ، قال تعالى: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا * خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ﴾الكهف:107.

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، واجعلنا من الراشدين ، اللهم اجعلنا ممن صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا ، واجعلنا من عتقائك من النار بمنك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين .

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

المرفقات

1772116393_حال السلف في رمضان خطبة2.docx

1772116393_حال السلف في رمضان خطبة2.pdf

المشاهدات 341 | التعليقات 0