حرب القلوب أحياءٌ وأموات

حسين بن حمزة حسين
1447/07/14 - 2026/01/03 15:26PM
الحمد لله الذي حمى عباده المخلصين من شياطين الإنس والجن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ربُّ الناس، ملكُ الناس، إلهُ الناس، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.  قال تعالى ( وكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ  )
عبَادُ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ القُلُوبَ اليَوْمَ لَيْسَتْ فِي سُكُونٍ، بَلْ فِي حَرْبٍ، لَيْسَتْ فِي أَمَانٍ، بَلْ فِي حِصَارٍ، القُلُوبُ اليَوْمَ مَيْدَانُ قتال، وَالفِتْنَةُ قَائِمَةٌ، وَالعَدُوُّ مُتَرَبِّصٌ، شَيَاطِينُ الجِنِّ وَالإِنْسِ تَظَاهَرُوا عَلَى إِفْسَادِهَا، وَسِلَاحُهُمْ الوَسْوَسَةُ، وَتَزْيِينُ الشُّبْهَةِ، وَتَأْجِيجُ الشَّهْوَةِ، فَهَذَا يَفْتَحُ بَابَ صُورَةٍ، وَذَاكَ يُحَرِّكُ كَلِمَةً، وَثَالِثٌ يُوقِظُ شَهْوَةً، وَرَابِعٌ يُشكّك بالعَقِيدَةَ، وَكُلُّهُمْ يَقُودُونَ القَلْبَ خُطْوَةً خُطْوَةً إِلَى الهَلَاكِ وَهُوَ لا يَشْعُرُ، والإنسان يَضْحَكُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ آمِنٌ، وَالقُلُوبُ ضَعِيفَةٌ، سَهْلَةُ الانْقِيَادِ – إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ – وَالغَفْلَةُ مَوْتٌ بَطِيءٌ، وَعَدُوُّكَ لَيْسَ بَعِيدًا عَنْكَ، بَلْ هُوَ مَعَكَ فِي هَاتِفِكَ، فِي شَاشَتِكَ، فِي جَيْبِكَ، فِي خَلْوَتِكَ. ولن تستطيع التغلّب عليهم إلا باللجوء إلى الله تعالى، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾
قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: ذُكِرَ النَّاسُ ثَلَاثًا لِأَنَّ البَلاءَ فِي الصُّدُورِ، وَلِأَنَّ المَعْرَكَةَ فِي القُلُوبِ، وَلِأَنَّ الهَلَاكَ يَبْدَأُ مِنَ الدَّاخِلِ لا مِنَ الخَارِجِ، وَقَالَ ابْنُ القِيمِ رَحِمَهُ اللهُ: "القَلْبُ لا يَصْلُحُ وَلا يَفْلَحُ وَلا يَنْجُو إِلَّا بِإِفْرَادِ اللهِ بِالمَحَبَّةِ وَالإِنابَةِ وَالاعْتِصَامِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَجِدُ مَدْخَلَهُ عَلَى القُلُوبِ الخَالِيَةِ، فَقَلْبٌ خَلَا مِنَ الذِّكْرِ فُتِحَ لِلشَّيْطَانِ، وَقَلْبٌ ضَعُفَ فِيهِ اليَقِينُ سَكَنَتْهُ الوَسْوَسَةُ، وَقَلْبٌ اسْتَأْنَسَ بِالحَرَامِ مَاتَتْ فِيهِ الغِيرَةُ."
إخْوَةُ الإِيْمَانِ: كما أن شياطين الجنّ تجثو على القلوب الغافلة، فإن لشياطين الإنس دويّ في القلوب اللاهية، فمِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ صَدِيقُ سُوءٍ يُهَوِّنُ المعاصي وَيُجَمِّلُ البَاطِلَ، فصَاحِبُ الشُّبْهَةِ يَهْمِسُ بِالشَّكِّ وَيَكْسُو الفتن والكفر لباس الحق والإيمان، وصاحب الشَّهْوَةِ يُرِيكَ المَعْصِيَةَ حَتَّى تَعْتَادَ عَلَيْهَا، فتَصِيرَ مَأْلُوفَةً فلا يُعْرف معروفاً ولا يُنكر منكراً.  ثُمَّ جَاءَ البَلَاءُ الأَعْظَمُ: شَيَاطِينُ هَذَا الزَّمَانِ؛ مُتْرَفُونَ سُفَهَاءُ، وَمَشَاهِيرُ فُجَّارٌ، يَنْشُرُونَ الكُفْرَ وَالعُهْرَ والفجور، وَيَهْدِمُونَ الدين والأَخْلَاقَ عَلَى غفلةٍ ومَرْأًى وَمَسْمَعٍ، وجهل كثير من الناس، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾، شَيَاطِينُ خُفْيَةٍ؛ لا يَسْتَأْذِنُونَ، لا يطرُقون بَابًا، بَلْ يَدْخُلُونَ مَعَ الشَّاشَاتِ وَالجَوَّالَاتِ، لَقَطَاتٍ وَمَقَاطِعَ وَصُوَرًا وَأَغَانِيَ، سُخْرِيَةً مِنَ الدِّينِ، وَتَسْفِيهًا لِلطَّاعَةِ، وَتَطْبِيعًا مَعَ الفُجُورِ، حَتَّى غَدَا الحَرَامُ مَشْهَدًا، وَالمَعْصِيَةُ عَادَةً، وَالقَلْبُ بَارِدًا بل ميّت - نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ- عِبَادُ اللهِ: الفِتْنَةُ لا تَبْدَأُ بِسُقُوطٍ مباشر، بَلْ بِنَظْرَةٍ، ثُمَّ بِخُطْوَةٍ، ثُمَّ بِأُلْفَةٍ، ثُمَّ بِعَادَةٍ، ثُمَّ بِإِصْرَارٍ، ثُمَّ بِقَسْوَةِ قَلْبٍ، ثُمَّ بِخَاتِمَةٍ مُخِيفَةٍ، وَالشَّيْطَانُ لا يَقُولُ لَكَ: اكْفُرْ، بَلْ يَقُولُ: شاهِدْ، جَرِّبْ، لا بَأْسَ، مَرَّةً، ثُمَّ يَفْتَحُ بَابًا بَعْدَ بَابٍ، حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ مَا زِلْتَ فِي الطَّرِيقِ. قال تَعَالَى مُحَذِّرًا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ نَفْعَنِيَ اللهُ وَإِيَّاكُم بِالقُرْآنِ والسنة....
الخطبة الثانية:
إِخْوَةُ الإِيْمَانِ: الحَرْبُ سِجَالٌ مَعَ شياطين الإنس والجنّ، لا تَهْدَأُ، وَلا تَنْقَطِعُ، لا يَضَعُ المُؤْمِنُ سِلَاحَهُ فِيهَا حَتَّى يُلْقَى اللهُ تَعَالَى، وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: (أَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ المَوْتِ) صَحَّحَهُ الألْبَانِيُّ، فَالْقُلُوبُ إِنْ لَمْ تُحَرَسْ سُرِقَتْ، وَإِنْ لَمْ تُحَصَّنْ اخْتُرِقَتْ، وَإِنْ لَمْ تُزَكَّ فسَدَت، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، إحذروا شياطين الإنس مئات المرّات كحذركم من شياطين الجنّ،  فَأَغْلِقُوا أَبْوَابَ الفِتَنِ وَغُضُّوا الأَبْصَارَ، وَاحْفَظُوا الأسْمَاعَ، وَطَهِّرُوا البُيُوتَ مِنَ المُحَرَّمَاتِ، وَقَاطِعُوا أَسْبَابَ الشَّرِّ، وَصَاحِبُوا الصَّالِحِينَ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الذِّكْرِ وَالاسْتِعَاذَةِ وقراءة القرآن، قاطعوا مشاهير التفاهة، قاطعوا مشاهد الكفرِ والعُهرِ والفجور؛ فإنَّ شياطينَ الشاشاتِ والجوالات أدهى من شياطينِ الجنّ،
ووالله ما فُتِح بابُ هلاكٍ أعظمَ من جوّالٍ بلا تقوى، ولا استطار شرٌّ أشدَّ من شاشةٍ تُربّي الغفلة وتُميت الحياء. وَاعْلَمُوا أَنَّ شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ سَيَتَبَرَّؤُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأَتْبَاعِ، كما أخبر الله تعالى، وَيَبْقَى العَبْدُ متحسّرا على ما فرّط يوم الحساب، ( أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ )  قَالَ اللهُ تَعَالَى:﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَنَعُوذُ بِكَ رَبَّ أَنْ يَحْضُرُونَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ قُلُوبَنَا وَطَهِّرْ أَبْصَارَنَا، وَأَعْذِنَا مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالجِنِّ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ المُخْلِصِينَ.  
المشاهدات 174 | التعليقات 0