خطبة آكد الحقوق عبادة الله

حسين بن حمزة حسين
1447/10/20 - 2026/04/08 16:51PM

الحمد لله خلقنا لعبادته، وأمرنا بتوحيده واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وجعل ذلك مدار الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنْ محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيرا، أما بعد:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ )

إخوة الإيمان: إذا وُضع العبدُ في قبره، وانقطع عن دنياه وأهله، وقيل له عند دفنه: بسمِ الله، وعلى مِلّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، تبيَّنت له حقائقُ الأمور، وقد رُفعت الأقلام وجفّت الصحف، فلا زيادة ولا نقصان، وإنما هو الثوابٌ أم العقاب، عندها يعلم يقينًا أن أعظم الواجبات، وآكد الحقوق ما قدمه العبد لنفسه، ما يلقاه بين يدي ربه يوم القيامة، تأكد له أن أعظم الواجبات، وآكد الحقوق عبادة الله عز وجل وحده لا شريك له، سبحانه وتعالى، التي من أجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، ودوّن الدواوين، ووضع الموازين، ومن أجلها نُصِبت القبلة، وأُسّست الملّة، فعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب، فمن آمن وأطاع دخل الجنّة، ومن كفر وعصى دخل النار، فلا تزول قدما عبدٍ بين يدي الله عز وجل يوم القيامة حتى يُسأل عن أمرين ( ماذا كنْتم تعبدون، وبماذا أجبْتُم المرسلين)، فجواب الأولى كلمة التوحيد والإخلاص (شهادة أن لا إله إلا الله) إفراد الله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وجواب الثانية ( شهادة أنّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع، قال تعالى ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾، وقال تعالى( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ، وفي الصحيحين عَنْ مُعَاذ بن جبلٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لهُ ( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟»، قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا).

  إخوة الإيمان: والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأصل العبادة وأساسها التوحيد (شهادة أن لا إله إلا الله) أي لا معبود بحقٍّ إلا الله عزّ وجلّ، وكلّ ما يُعبد من دون الله باطل، فيجب صرف العبادة كلِّها لله عز وجل، نؤديها تقرباً لله عز وجل، على نورٍ من الله، راجين ثواب الله، العبادات العمليّة كالصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، الذبح، النذر، الجهاد، برّ الوالدين، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، والعبادات القلبيّة كالدعاء، والرجاء، والخوف، والاستغاثة، الاستعانة، التوكّل .. كلّ أنواع العبادة لله عز وجل، ( إياك نعبد وإياك نستعين)، أيضا ترك المحرمات الموبقات موجبات النار، نتركها تقرباً لله عز وجل، على نورٍ من الله، راجين رضا الله، خائفين من عقاب الله، من شركٍ، وسحرٍ، وتنجيمٍ، وربا، وزنا، وخمر، ورشوة، وأكل الحرام، وعقوق الوالدين، والظلم بكل أنواعه، كلها نتركها تقرباً لله عز وجل راجين رضا الله، حذرين من عقاب الله، فاللهَ تَعَالى وَحْدَهُ هُوَ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، فَلَا نَتَوجَّهُ بِالدُّعَاءِ إِلَّا إِلى اللهِ وَحْدَهُ، وَلَا نَسْتَغِيثُ وَلَا نَسْتَعِينُ وَلَا نَطْلُبُ المَدَدَ وَجلب الحَاجَاتِ وَدَفْعَ الشَّرِّ وَالكُرُبَاتِ إِلَّا مِنَ اللهِ سبحانه؛ قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )، وَلَا نَذْبَحُ وَنَنْذُرُ إِلَّا لِلَّهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَا نَجْعَلُ بَينَنَا وَبَينَ اللهِ وَسَائِطَ نَدْعُوهُمْ وَنَسْأَلُهُمْ وَنَطْلُبُ مِنْهُمُ الشَّفَاعَةَ ،كائنا من كان لا مَلكٌ مقرب، ولا نبيٌ مرسل، ولا حجرٌ ولا وثنٌ ولا بشرٌ ولا قبرٌ ولا أحدٍ من الآحاد، قال تعالى ( وأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) وقَالَ تعالى : (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) وَبِهَذَا أَمَرَنا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ).

الخطبة الثانية:

اشترط العلماء شرطين أساسيين لتكون العبادة مقبولة: أن تكون العبادة خالصةً لله عز وجل، لا يشوبها شركٌ ولا نفاق ولا رياء، موافقةً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى ( قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا) ، واحذروا ما يُفسد هذين الأصلين: الشركَ والبدعة، فالشركُ يُبطل التوحيد، والبدعةُ تُفسد المتابعة، قال صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ)، وفي لفظ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ).

فأخلِصوا عبادتكم لله، ولا تصرفوا شيئًا منها لغيره؛ فلا يُدعى إلا الله، ولا يُرجى إلا هو، ولا يُتوكل إلا عليه، واتّبعوا سنة نبيِّكم صلى الله عليه وسلم، وسيروا على سنّته، ودعوا البدع؛ والبدع هي كل عمل يُعمل كعبادة ويُتقرب به إلى الله عز وجل لم يشرعه الله عز وجل لا في كتابه ولا عن لسان رسوله صلى الله عليه وسلم كالاحتفال بليلة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم أو بليلة الإسراء والمعراج، أو الاحتفال بأول ليلة من رجب والتي يسمونها: الرغائب، وما أحدثه الناس من بناء الغرف والقباب على القبور واتخاذها مساجد، وبسببها ظهرت عبادة القبور وجعلوا الأموات وسائط اتخذوهم أربابا من دون الله، ففي ما شرعه الله الكفاية، وبه النجاة، وعليه مدار القبول، اللهم ثبّت قلوبنا على توحيدك، وأعنّا على اتباع سنة نبيك، وجنّبنا الشرك والبدع ما ظهر منها وما بطن، إنك سميعٌ قريب

المشاهدات 251 | التعليقات 0