(خطبة) الأ{زاق بيد الله فلا تهتم
خالد الشايع
الخطبة الأولى ( الأرزاق بيد الله فلا تحزن ) 29شوال 1447
الحمدُ للهِ الرَّزَّاقِ ذِي القُوَّةِ المَتِينِ، يُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيُغْنِي وَيُفْقِرُ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ كُلُّهَا، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الأَرْزَاقَ مَقْسُومَةً، وَالآجَالَ مَعْلُومَةً، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَفْضَلُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى رَبِّهِ، وَأَحْسَنُ مَنْ سَعَى فِي مَرْضَاتِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ الأَرْزَاقِ، وَسَبَبُ البَرَكَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَشْغَلُ القُلُوبَ، وَيُتْعِبُ النُّفُوسَ، وَيُقَلِّقُ الأَبْدَانَ: هَمُّ الرِّزْقِ، وَالخَوْفُ عَلَى المَعِيشَةِ، وَالتَّعَلُّقُ بِالدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا، حَتَّى أَصْبَحَ بَعْضُ النَّاسِ يَجْعَلُ كُلَّ هَمِّهِ فِي الطَّلَبِ وَالجَمْعِ، وَيَغْفُلُ عَنْ رَبِّهِ، وَيَنْسَى آخِرَتَهُ.
وَإِنَّ المُؤْمِنَ الحَقَّ يَعْلَمُ أَنَّ الأَرْزَاقَ بِيَدِ اللَّهِ وَحْدَهُ، لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، فَكَيْفَ بِالإِنْسَانِ الَّذِي كَرَّمَهُ اللَّهُ وَفَضَّلَهُ؟
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ الأَرْزَاقَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ العِبَادُ، فَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَمْ يُكْتَبْ لَهُ، وَلَا أَنْ يُفَوِّتَ مَا قُدِّرَ لَهُ، أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».
وفي الصحيح من حديث ابن مسعود أن رزق العبد يكتب وهو في بطن أمه .
وَفِي السُّنَّةِ تَطْمِينٌ عَظِيمٌ لِلْقُلُوبِ، وَرَاحَةٌ لِلنُّفُوسِ، أَخْرَجَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» صَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.
فَتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ ﷺ: «وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ»، أَيْ لَا تُفْرِطُوا فِي التَّعَلُّقِ، وَلَا تَتْعَبُوا قُلُوبَكُمْ بِالقَلَقِ وَالْحِرْصِ، بَلِ اطْلُبُوا الرِّزْقَ بِسُكُونٍ وَثِقَةٍ وَتَوَكُّلٍ عَلَى اللَّهِ.
وَقَدْ ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ مِثَالًا بَلِيغًا فِي التَّوَكُّلِ، أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ؛ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» صَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.
تَغْدُو خِمَاصًا؛ أَيْ تَخْرُجُ جَائِعَةً، وَتَرُوحُ بِطَانًا؛ أَيْ تَعُودُ شَبْعَى، لَا تَخْزُنُ وَلَا تَقْلَقُ، بَلْ تَسْعَى وَتَتَوَكَّلُ، فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ.
عِبَادَ اللَّهِ، لَيْسَ المَقْصُودُ تَرْكَ السَّعْيِ، وَلَا الإِهْمَالَ، فَالإِسْلَامُ دِينُ عَمَلٍ وَأَخْذٍ بِالأَسْبَابِ، وَلَكِنَّ المَطْلُوبَ أَلَّا يَكُونَ القَلْبُ مُتَعَلِّقًا بِالأَسْبَابِ، يلهث وراء الدنيا وكأنها لن تأتي إلا بذلك ، أو كأنه هو الذي يكسبها بجهده ، وينسى أنه لن يأتيه إلا ما كتب له .
قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “عَلِمَ أَقْوَامٌ أَنَّ الرِّزْقَ لَا يَزِيدُهُ الحِرْصُ، وَلَا يَنْقُصُهُ التَّقْصِيرُ، فَاسْتَرَاحَتْ قُلُوبُهُمْ”.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “مَا رَأَيْتُ أَشْيَاءَ أَذْهَبَ لِلدِّينِ مِنَ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ”.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: “مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ، أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ اهْتَمَّ بِآخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ”.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ التَّعَلُّقَ بِالدُّنْيَا يُورِثُ الهَمَّ وَالغَمَّ، وَيُضْعِفُ الإِيمَانَ، وَيَجْعَلُ الإِنْسَانَ فِي قَلَقٍ دَائِمٍ، أَمَّا مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ، وَرَضِيَ بِقَضَائِهِ، فَإِنَّهُ يَعِيشُ مُطْمَئِنًّا، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾.
وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الرِّزْقِ: التَّقْوَى، وَالاسْتِغْفَارُ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَالإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾.
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، لَا تَنْشَغِلُوا بِالرِّزْقِ عَنْ الرَّازِقِ، وَلَا بِالدُّنْيَا عَنِ الآخِرَةِ، وَلَا بِالجَمْعِ عَنِ الطَّاعَةِ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
اللهم اجعل غنانا في قلوبنا يارب العالمين .
أَقُولُ قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ.....
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ حُسْنَ التَّوَكُّلِ يُورِثُ القَنَاعَةَ، وَالقَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ».
ولنعلم جميعا أن الله لم يثن على الغنى بمعنى كثرة المال ، بل حذر منه خشية الفتنة ، وكل مدح للغنى في الكتاب والسنة فهو غنى القلب ، وهو الرضا بما قسم للعبد ، وعدم النظر والاستشراف لما في أيدي الناس .
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: “مَنْ رَضِيَ بِقِسْمِ اللَّهِ لَهُ، لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ، وَلَمْ يَفْرَحْ بِمَا أُوتِيَ”.
فَاحْرِصُوا عَلَى مَا يَنْفَعُكُمْ، وَاسْعَوْا فِي أَرْزَاقِكُمْ بِالحَلَالِ، مَعَ تَعَلُّقِ القُلُوبِ بِاللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ، وَأَنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ.
إنني أقول ذلك ، لما أرى من تهافت البعض على كسب المال وعدم النظر في حله وحرمته ، والحرص على ذلك حتى أصبحت المرأة تهدم بيتها من أجل الوظيفة وجمع المال ، وأصبحت المرأة تخسر شرفها وعرضها من أجل المال ، وضاعت الغيرة وانمسحت من قلوب الرجال من أجل المال ، ونرى النساء والرجال يخرجون عبر البثوث والقنوات عراة لجذب المال وكسبه ، فهؤلاء هم عبيد الدينار والدرهم ، ألم يقرأوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كان عيشه ؟
ألم يعلموا أن هذه الدنيا دار ممر وليست بدار مقر ؟
ألم يعلموا أنه لن يأتيهم إلا من قدر الله لهم ، ولن يفوتهم شيء كتب لهم .
عباد الله : نرى البعض من الخلق يحسد غيره على دنيا أعطي إياها ، ويسعى في محاكته ومسابقته فتركبه الديون ويزداد الهم وتكثر أمراضه ، ولو قنع بما رزق لكفي هذا كله .
اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنَ الرِّزْقِ أَوْفَرَهُ، وَمِنَ الحَلَالِ أَطْيَبَهُ، وَاجْعَلْهُ عَوْنًا لَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا.
اللَّهُمَّ اغْنِنَا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ، وَارْزُقْنَا التَّوَكُّلَ عَلَيْكَ حَقَّ التَّوَكُّلِ.
المرفقات
1776351104_خطبة الأرزاق بيد الله.docx