خطبة الصوم والأمانة
شادي باجبير
1447/09/27 - 2026/03/16 17:14PM
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة: الصوم والأمانة، أ.د.صالح دعكيك، مسجد آل ياسر، حضرموت، المُكَلاَّ 24 رمضان 1447ه،13/3/2026م
الحمدلله رب العالمين.
أكْرِمْ بالصوم من عبادة جليلة، وأكرِمْ برمضان من مدرسة كبيرة، يتربي المسلم خلال ثلاثين يوما على عبودية القلب، وعبودية الجوارح، ويتربى على الفضائل والمكارم، وتتربى النفس على الصبر، وانظر كيف كان نبينا صلى الله عليه ويسلم يرشدنا إلى أثر التربوي للصوم فيقول: «الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم». البخاري (1904) مسلم (1151)، وفي هذا إعلام بما يحدثه الصوم في الصائم من مكارم الأخلاق.
ومن الأخلاق العالية في ديننا والتي يعززها الصيام "خلقُ الأمانة"، ذلك الخلق الكبير التي عرض على السموت والأرض والجبال فلم تتحمله لثقله، وحمله الإنسان، قال تعالى: ﴿إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. [الأحزاب :72].
ومما شرع له الصوم تعميق خلق الأمانة عند الصائم، فالصوم أمانة بين العبد وربه، فالصوم عبادة السر، تقوم على الإخلاص، فالمسلم يمتنع عن الطعام والشراب وغيرِهما لله، وإن كان خاليا بنفسه عن أعين الناس، وتجد الشاب الذي كان لا يرتدع عن شيء من المعاصي، إذا دخل رمضان يصوم عن جميع المفطرات، وربما يسأل عن أمور دقيقة كابتلاع الريق أو التسوك بالمعجون، وكله استعداد أن يصون صومه عن أي خدوش، أخذا بمبدأ أمانة الصوم؛ ليؤدي صيامه كاملا يفرح به يوم القيامة، فالصوم يقوي الوازع الديني، ويُدخل على كل واحد منا روحا جديدة تشرق على حياته.
عبادالله: من الأمانات التي يجب مراعاتها "أمانة الوقت"، والذي هو عمر الانسان الحقيقي، وسيحاسب عليه، كما في الحديث: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، وذكر أولها: «عن عمره فيما أفناه». رواه الترمذي (2419) وصححه.
وفي سورة فاطر حكى الله كلامَ أهلِ النار فقال: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾، فهم يطلبون العودة لعمل الصالحات، فكان الجواب: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾، أي أعطيناكم أعمارا، ولكنكم ضيعتموها فيما لا ينفعكم!! إنها الحسرات على الأوقات، أعاذنا الله منها.
وفي رمضان نلاحظ التفريط الكبير في الأوقات، وهدر الأوقات بين الشاشة الكبيرة والصغيرة، أو الصخب في الأسوق والأرصفة وملاعب الكره، والجلسات الضائعة وغيرها مما لا تعود بخير لا في دنيا ولا آخرة، وهكذا يذهب عليهم رمضان بجميل أيامه، وعزيز لياليه، في عبث لا طائل من ورائه، وهو غفلة وتفريط لا يليق بمكانة رمضان، ولا بمقصد رمضان في حفظ الوقت.
ومن الأمانات التي يجب مراعاتها "أمانة الجوارح"، وصونها عن المآثم والخطايا، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. [الإسراء: 36]
والصوم يربي المسلم على تهذيب جوارجه، وحفظها من الخطأ، كما في الحديث: «إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، ولا يجهل، ولا يفسق، ولا يؤذي أحدا، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم». رواه البخاري (1805) ومسلم (1151) وأحمد (8659).
هكذا يربي الصوم صاحبه على حفظ أمانة الجوارح، وتعويدها على الخير، وإلجامها عن الشر، وسواء ذلك في نهار رمضان أو لياليه، فالإثم إثم، سواء كان بالليل أو بالنهار.
ومن الأمانات التي يجب مراعاتها "أمانة الطعام والشراب"، ومن هدى الإسلام فيه الأكل باعتدال، دون إسراف أو تبذير، قال تعالى: ﴿َكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. [الأعرف:31]
وقد اعتاد الناس في رمضان التفنن في مائدة رمضان بأنواع من المأكولات والمشروبات -وبعضهم لا يتذكر من رمضان إلا تلك الموائد-، ولا بأس بذلك ما دام في حد الاعتدال وعدم المبالغة، أما إذا خرج عن ذلك فإنه يدخل في حد السرف والتبذير المنهي عنه، وبعض هؤلاء المسرفين لا تجده يتعهد المساكين والمعوزين، وربما لو طلب منه ذلك لتبرم، وذكر مبررات متعددة لا تعفيه عن واجب البذل.
إننا حين نجهز لهذه الموائد - ومثلها في الأعراس والمناسبات – نصرف بسخاء مبالغ باهضة، لكننا ربما لا نحدث أنفسنا أن نقتطع من أموالنا لبعض أرحامنا وجيراننا ممن أنهكتهم ظروف الحياة، وجلبت لهم الأحزان والآلام، ننا إيجب أن نفكر كيف نخفف من معاناتهم بالمشاركة الفعلية من أموالنا المهدرة في الكماليات، وهي لو بذلت لشاركت في رفع بعض المعاناة، ويخلف الله علينا – عطاء للخير وصرفا للبلاء- بما لا يخطر على البال، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. [سبأ: 39]، ولكن الشيطان للصدقة بالمرصاد، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. [البقرة: 268]
وانظر كيف يصرف الشياطين المتصدق عن صدقته، ويضعون الموانع الشديدة في طريق العطاء، كما في حديث بريدة رضي الله عنه في مسند أحمد (23012)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يخرج رجل شيئا من الصدقة حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطانا»، صحيح الجامع: (5814)، لذا عليك أن تباشر في كسر لِحى الشياطين وإرجاعهم خائبين.
ومن الأمانات التي يجب مراعاتها "أمانة الأهل والأولاد"، فإنهم أمانة عظيمة على عواتق الوالدين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة﴾، [التحريم: 6].
وأمانة التربية والتقويم للأولاد من أصعب الأمانات، لما تحتاجه من الجهد المتواصل، والمتابعة الدائمة، ورمضان موسم للقرب من الأولاد فطورا وسحورا وجلوسا لإعطائهم ما يتعلق بهذا الشهر المبارك، وقراءة ما تيسر من االقرآن، واصطحابهم للصلوات والتراويح والقيام، ليشعروا بتلك الأجواء النورانية، فتنطبع في قلوبهم ذكرياتها، ويشتاقون إليها في كل مناسبة.
وفي أزماننا ختلفت كثيرا أنماط الحياة في كل جوانبها، وأضحت ليالي رمضان نهارا، وكثرت الملهيات المختلفة، مما نتج عنه مظاهر غير مرغوبة، من قضاء الأولاد صغارا وكبارا الليل كله خارج البيت، وخروج النساء حيث يملأن الأسواق مع الاختلاط بالرجال، وكأن رمضان لم يخلق إلا للبيع والشراء، اللهو واللعب والسهر، مظاهر عجيبة لم تكن يعهدها هذه البلاد، أضحت تلقي بظلالها السيئ على مجتمعاتنا، وتظهر معها انحرافات سلوكية، يبصرها كل ذي عينين، ممايؤرق الصالحين والناصحين، ويحتاج إلى وقفات جادة في مواجهة ذلك الخلل، وتقليل أضراره على الأسرة والمجتمع.
وهنا تلقي الأمانة مسؤليتها على الآباء والمربين وأهل الشأن من رؤساء اللجان والمجالس المحلية وغيرهم من الناصحين، وفي الحديث: «كُلُّكمْ رَاعٍ وَكُلُّكمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه». رواه البخاري (853) ومسلم (1829).
إن الدين النصحية حتى تتجه الأمور إلي مسارها الصحيح، ونحن خير أمة عملا بالمعروف ونهيا عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. [آل عمران :110]
بارك الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وعصمني وإياكم من الشيطان الرجيم.
أقول ما تسمعون ...
((الخطبة الثانية))
ومن الأمانات التي يجب مراعاتها "أمانة أكل الحلال"، ويأتي رمضان ليعيد المسلم إلى طهارة النفس وطهارة المأكل والمشرب، والتخلص من الأموال المحرمة، ولا يصح أبدا أن تدخل رمضان ومالك ملطخ بالحرام، وتتلبس في فطرك وسحورك بما فيه حرام!
إن أكل الحلال من أعظم الفروض العينية، فلا يحل لمسلم أن يخلط ماله بشيء ولو قل من قاذورات المال الحرام والمشبوه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم﴾ [البقرة: 172].
المال الحرام مالٌ منزوعُ البَركة، مسلوبُ الطمأنينة، ضرره كبير، شؤمه عظيم، وإن في المال لشر – إن لم تذهبه الصدقة -عاد على صاحبه بالآفات في الدنيا قبل الآخرة.
إنه لا تصلح العبادات، ولا يرق القلب، ولا يطيب البدن، إلا مع تحري المال الحلال، وأفضل العبادة أكل الحلال، قال ابن عبّاس رضي اللّه عنهما: (لا يقبل اللّه صلاة امرئ في جوفه حرام). جامع العلوم (12/ 6)، وقال وهيب ابن الورد: (لو قمت قيام هذه السارية ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنَك أحلال أم حرام). جامع العلوم (12/8)، وقال حجة الإسلام الغزالي: (العبادة مع أكل الحرام كالبناء على أمواج البحار). إحياء علوم الدين (2/ 288).
وانظروا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم كيف يعلمنا الورع، يقول: «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها». رواه البخاري ( 2300) ، ومسلم (1070).
فاتقوا الله أيها الناس، وتفحصوا أموالكم، وطهروا مكاسبكم، وإياكم أن تخلطوا الطيب بالخبيث، فوالله درهم حرام في ألف حلال كقطرة سم في طست لبن!
فلنجعل من رمضانِنا ومن صومِنا تطهيرا لقلوبنا من الآفات، ولأموالنا من الخبائث، ولنقبل على الله بقلوب سليمة، وجوارح طائعة، ونفوس تائبة، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
اللهم أصلح باطننا وظاهرنا، وطهر أموالنا من الحرام، وقلوبَنا من النفاق، وجوارحَنا من الخبائث، وأعمالنا من الرياء، وألستنا من الكذب وأعيننا من الخيانة.
والحمد لله رب العالمين.
خطبة: الصوم والأمانة، أ.د.صالح دعكيك، مسجد آل ياسر، حضرموت، المُكَلاَّ 24 رمضان 1447ه،13/3/2026م
الحمدلله رب العالمين.
أكْرِمْ بالصوم من عبادة جليلة، وأكرِمْ برمضان من مدرسة كبيرة، يتربي المسلم خلال ثلاثين يوما على عبودية القلب، وعبودية الجوارح، ويتربى على الفضائل والمكارم، وتتربى النفس على الصبر، وانظر كيف كان نبينا صلى الله عليه ويسلم يرشدنا إلى أثر التربوي للصوم فيقول: «الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم». البخاري (1904) مسلم (1151)، وفي هذا إعلام بما يحدثه الصوم في الصائم من مكارم الأخلاق.
ومن الأخلاق العالية في ديننا والتي يعززها الصيام "خلقُ الأمانة"، ذلك الخلق الكبير التي عرض على السموت والأرض والجبال فلم تتحمله لثقله، وحمله الإنسان، قال تعالى: ﴿إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. [الأحزاب :72].
ومما شرع له الصوم تعميق خلق الأمانة عند الصائم، فالصوم أمانة بين العبد وربه، فالصوم عبادة السر، تقوم على الإخلاص، فالمسلم يمتنع عن الطعام والشراب وغيرِهما لله، وإن كان خاليا بنفسه عن أعين الناس، وتجد الشاب الذي كان لا يرتدع عن شيء من المعاصي، إذا دخل رمضان يصوم عن جميع المفطرات، وربما يسأل عن أمور دقيقة كابتلاع الريق أو التسوك بالمعجون، وكله استعداد أن يصون صومه عن أي خدوش، أخذا بمبدأ أمانة الصوم؛ ليؤدي صيامه كاملا يفرح به يوم القيامة، فالصوم يقوي الوازع الديني، ويُدخل على كل واحد منا روحا جديدة تشرق على حياته.
عبادالله: من الأمانات التي يجب مراعاتها "أمانة الوقت"، والذي هو عمر الانسان الحقيقي، وسيحاسب عليه، كما في الحديث: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، وذكر أولها: «عن عمره فيما أفناه». رواه الترمذي (2419) وصححه.
وفي سورة فاطر حكى الله كلامَ أهلِ النار فقال: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾، فهم يطلبون العودة لعمل الصالحات، فكان الجواب: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾، أي أعطيناكم أعمارا، ولكنكم ضيعتموها فيما لا ينفعكم!! إنها الحسرات على الأوقات، أعاذنا الله منها.
وفي رمضان نلاحظ التفريط الكبير في الأوقات، وهدر الأوقات بين الشاشة الكبيرة والصغيرة، أو الصخب في الأسوق والأرصفة وملاعب الكره، والجلسات الضائعة وغيرها مما لا تعود بخير لا في دنيا ولا آخرة، وهكذا يذهب عليهم رمضان بجميل أيامه، وعزيز لياليه، في عبث لا طائل من ورائه، وهو غفلة وتفريط لا يليق بمكانة رمضان، ولا بمقصد رمضان في حفظ الوقت.
ومن الأمانات التي يجب مراعاتها "أمانة الجوارح"، وصونها عن المآثم والخطايا، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. [الإسراء: 36]
والصوم يربي المسلم على تهذيب جوارجه، وحفظها من الخطأ، كما في الحديث: «إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، ولا يجهل، ولا يفسق، ولا يؤذي أحدا، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم». رواه البخاري (1805) ومسلم (1151) وأحمد (8659).
هكذا يربي الصوم صاحبه على حفظ أمانة الجوارح، وتعويدها على الخير، وإلجامها عن الشر، وسواء ذلك في نهار رمضان أو لياليه، فالإثم إثم، سواء كان بالليل أو بالنهار.
ومن الأمانات التي يجب مراعاتها "أمانة الطعام والشراب"، ومن هدى الإسلام فيه الأكل باعتدال، دون إسراف أو تبذير، قال تعالى: ﴿َكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. [الأعرف:31]
وقد اعتاد الناس في رمضان التفنن في مائدة رمضان بأنواع من المأكولات والمشروبات -وبعضهم لا يتذكر من رمضان إلا تلك الموائد-، ولا بأس بذلك ما دام في حد الاعتدال وعدم المبالغة، أما إذا خرج عن ذلك فإنه يدخل في حد السرف والتبذير المنهي عنه، وبعض هؤلاء المسرفين لا تجده يتعهد المساكين والمعوزين، وربما لو طلب منه ذلك لتبرم، وذكر مبررات متعددة لا تعفيه عن واجب البذل.
إننا حين نجهز لهذه الموائد - ومثلها في الأعراس والمناسبات – نصرف بسخاء مبالغ باهضة، لكننا ربما لا نحدث أنفسنا أن نقتطع من أموالنا لبعض أرحامنا وجيراننا ممن أنهكتهم ظروف الحياة، وجلبت لهم الأحزان والآلام، ننا إيجب أن نفكر كيف نخفف من معاناتهم بالمشاركة الفعلية من أموالنا المهدرة في الكماليات، وهي لو بذلت لشاركت في رفع بعض المعاناة، ويخلف الله علينا – عطاء للخير وصرفا للبلاء- بما لا يخطر على البال، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. [سبأ: 39]، ولكن الشيطان للصدقة بالمرصاد، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. [البقرة: 268]
وانظر كيف يصرف الشياطين المتصدق عن صدقته، ويضعون الموانع الشديدة في طريق العطاء، كما في حديث بريدة رضي الله عنه في مسند أحمد (23012)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يخرج رجل شيئا من الصدقة حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطانا»، صحيح الجامع: (5814)، لذا عليك أن تباشر في كسر لِحى الشياطين وإرجاعهم خائبين.
ومن الأمانات التي يجب مراعاتها "أمانة الأهل والأولاد"، فإنهم أمانة عظيمة على عواتق الوالدين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة﴾، [التحريم: 6].
وأمانة التربية والتقويم للأولاد من أصعب الأمانات، لما تحتاجه من الجهد المتواصل، والمتابعة الدائمة، ورمضان موسم للقرب من الأولاد فطورا وسحورا وجلوسا لإعطائهم ما يتعلق بهذا الشهر المبارك، وقراءة ما تيسر من االقرآن، واصطحابهم للصلوات والتراويح والقيام، ليشعروا بتلك الأجواء النورانية، فتنطبع في قلوبهم ذكرياتها، ويشتاقون إليها في كل مناسبة.
وفي أزماننا ختلفت كثيرا أنماط الحياة في كل جوانبها، وأضحت ليالي رمضان نهارا، وكثرت الملهيات المختلفة، مما نتج عنه مظاهر غير مرغوبة، من قضاء الأولاد صغارا وكبارا الليل كله خارج البيت، وخروج النساء حيث يملأن الأسواق مع الاختلاط بالرجال، وكأن رمضان لم يخلق إلا للبيع والشراء، اللهو واللعب والسهر، مظاهر عجيبة لم تكن يعهدها هذه البلاد، أضحت تلقي بظلالها السيئ على مجتمعاتنا، وتظهر معها انحرافات سلوكية، يبصرها كل ذي عينين، ممايؤرق الصالحين والناصحين، ويحتاج إلى وقفات جادة في مواجهة ذلك الخلل، وتقليل أضراره على الأسرة والمجتمع.
وهنا تلقي الأمانة مسؤليتها على الآباء والمربين وأهل الشأن من رؤساء اللجان والمجالس المحلية وغيرهم من الناصحين، وفي الحديث: «كُلُّكمْ رَاعٍ وَكُلُّكمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه». رواه البخاري (853) ومسلم (1829).
إن الدين النصحية حتى تتجه الأمور إلي مسارها الصحيح، ونحن خير أمة عملا بالمعروف ونهيا عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. [آل عمران :110]
بارك الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وعصمني وإياكم من الشيطان الرجيم.
أقول ما تسمعون ...
((الخطبة الثانية))
ومن الأمانات التي يجب مراعاتها "أمانة أكل الحلال"، ويأتي رمضان ليعيد المسلم إلى طهارة النفس وطهارة المأكل والمشرب، والتخلص من الأموال المحرمة، ولا يصح أبدا أن تدخل رمضان ومالك ملطخ بالحرام، وتتلبس في فطرك وسحورك بما فيه حرام!
إن أكل الحلال من أعظم الفروض العينية، فلا يحل لمسلم أن يخلط ماله بشيء ولو قل من قاذورات المال الحرام والمشبوه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم﴾ [البقرة: 172].
المال الحرام مالٌ منزوعُ البَركة، مسلوبُ الطمأنينة، ضرره كبير، شؤمه عظيم، وإن في المال لشر – إن لم تذهبه الصدقة -عاد على صاحبه بالآفات في الدنيا قبل الآخرة.
إنه لا تصلح العبادات، ولا يرق القلب، ولا يطيب البدن، إلا مع تحري المال الحلال، وأفضل العبادة أكل الحلال، قال ابن عبّاس رضي اللّه عنهما: (لا يقبل اللّه صلاة امرئ في جوفه حرام). جامع العلوم (12/ 6)، وقال وهيب ابن الورد: (لو قمت قيام هذه السارية ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنَك أحلال أم حرام). جامع العلوم (12/8)، وقال حجة الإسلام الغزالي: (العبادة مع أكل الحرام كالبناء على أمواج البحار). إحياء علوم الدين (2/ 288).
وانظروا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم كيف يعلمنا الورع، يقول: «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها». رواه البخاري ( 2300) ، ومسلم (1070).
فاتقوا الله أيها الناس، وتفحصوا أموالكم، وطهروا مكاسبكم، وإياكم أن تخلطوا الطيب بالخبيث، فوالله درهم حرام في ألف حلال كقطرة سم في طست لبن!
فلنجعل من رمضانِنا ومن صومِنا تطهيرا لقلوبنا من الآفات، ولأموالنا من الخبائث، ولنقبل على الله بقلوب سليمة، وجوارح طائعة، ونفوس تائبة، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
اللهم أصلح باطننا وظاهرنا، وطهر أموالنا من الحرام، وقلوبَنا من النفاق، وجوارحَنا من الخبائث، وأعمالنا من الرياء، وألستنا من الكذب وأعيننا من الخيانة.
والحمد لله رب العالمين.