خطبة بعنوان ( خَابُوا وَخَسِرُوا ) مختصرة

سعيد الشهراني
1447/10/28 - 2026/04/16 02:23AM

خطبة ( خَابُوا وَخَسِرُوا )

سعيد سيف ال حلاش الشهراني-جامع عمر بن الخطاب-تندحة

الخطبة الأولى:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ذو القوة المتين، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَحُجَّةً عَلَى الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 أَمَّا بَعْدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ الله، فإنَّ مَن اتَّقى اللهَ وَقَاه، وكَفَاهُ عَذَابَ آخِرَتِه وفِتَنَ دُنيَاه.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَار، قَالَ أَبُو ذَرَّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ، نسأل الله العفو والعافية، فهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ كَلَامَ رَحْمَةٍ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ نَظَرَ لُطْفٍ، بَلِ يُعْرِضُ عَنْهُمْ، وَلا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ مُوجِعٌ يَخْلُصُ إِلَى قُلُوبِهِمْ! فالصنف الأول: رَجُلٌ أَتَاهُ الْهلَاكُ مِنْ قِبَلِ لِبَاسِهِ، فَيَرْتَدِيَ لِبَاسَاً مُسْبَلَاً يَجُرُّهُ خُيَلَاءَ وَيَتَبَخْتَرُ فِيهِ كِبْرِيَاءَ، فَهَذَا يُبْغِضُهُ اللهُ وَتَوَعَّدَهُ بِهَذَا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وأَمَّا إِنْ لَمْ يُجُرَّ لِبَاسَهُ خُيَلَاءَ وَإِنَّمَا نَزَلَ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ فَإِنَّهُ مُتَوَعَّدٌ بِعَذَابٍ، وَهُوَ أَنَّ مَا تَحْتَ كَعْبَيْهِ فِي النَّارِ تُحْرِقُهُ وَتُوجِعُه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ،عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وإِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي ثِيَابِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَيَتَأَلَّمُ شَدِيدَاً وَيَحْزَنُ كَثِيرَاً لِمَا يَرَى مِنَ الْمُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ وَالْوَاضِحَةِ لِهَذِهِ الأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ التِي فِيهَا الْوَعِيدُ الْعَظِيمُ لِمَنْ خَالَفَ، ثُمَّ إِنَّ الأَعْجَبَ أَنَّ النِّسَاءَ صِرْنَ يَتَسَابَقْنَ فِي تَقْصِيرِ الثِّيَابِ حَتَّى وَصَلَ الْحَدُّ إِلَى الرُّكْبَةِ بَلْ رَبَّمَا زَادَ عَنْ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَأْمُورَةٌ أَنْ تُرْخِيَ ثَوْبَهَا حَتَّى يُغَطِّيَ قَدَمَيْهَا، بَلْ مَا فَوْقَ ذَلِكَ، فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "من جرَّ ثوبَه خُيَلاءَ لم ينظرِ اللهُ إليه يومَ القيامةِ، فقالت أمُّ سلمةَ: فكيف تصنعُ النِّساءُ بذُيولهنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قال: يُرخينَ شبرًا قالت: إذًا تنكشفُ أقدامُهنَّ، قال: فيُرخينَه ذراعًا لا يزِدْن عليه" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الناس، فأَنْفُسَكُمْ لَا تُهْلِكُوهَا، وَمَلَابِسَكُمْ فَلَا تُطِيلُوهَا!.

وأما الصنف الثاني ممن تُوعِّد بهذا الوعيد: فهو المنّان إنه رجلٌ يبذل ويتصدق، وعلى أهله وأصحابه يُنفق، لكن لديه خصلة تهدمُ إحسانَه، وتُكَدِّرُ إنفاقه، وتُعَفِّي كرمه وعطاءه، إنها المنّ بما يعطي فيُذُكِّرَ الأخرين َبِمَا جَادَ عَلَيْهِم فِي كُلِّ مُنَاسَبَةٍ، وَهَذَا يُوجِبِ لِصَاحِبِهِ الْحَيَاءَ وَالإحْرَاجَ، وَلِذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَى غَيْرِهِ أَنْ يَنْسَى إِحْسَانَهُ وَأَنْ يَحْتَسِبَ الْأَجْرَ عِنْدَ اللهِ، ويتذكر قول الله تعالى )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى)، فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ قَبِلَ شَرْعَكَ وَأَحْكَامَكَ وَاسْتَقَامَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَلْقَاكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

 أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرِّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

الحَمدُ للهِ الذي أَجزلَ للطَّائعينَ الثَّوابَ، وَأَنذَرَ العَاصينَ بالعِقَابِ، وأَشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ له الكَريمِ الوَهَّابِ، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من صلى وصام، وأناب إلى الله وتاب.

أما بعد: اتقوا الله واعلموا أن ثالث الثلاثة الذين تُوعدوا أن لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم، فَهُوَ الذِي يَحْلِفُ عِنْدَ الْبيْعِ حَلِفَا كَاذِبَاً لِيُرَوِّجَ بِضَاعَتَهُ وَيُنَفِّقَهَا، فَالْحَلِفُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَذْمُومٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ صِدْقاً، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَهَذَا الْأَثَرُ مِنْ مَحْقِ البَرَكَةِ إذا كان الْحَلِفُ صِدْقاً، فَإِنْ كَانَ كَذِبَاً فَقَدْ سَمِعْتُمُ الْوَعِيدَ فِيهِ فِي ذَلِكَ، ألا فاتقوا الله عباد الله، واحذروا من هذه الأعمال لئلا تؤولوا بفعلها إلى سوء المآل، فوالله لو حضرت مجلس عظيم من البشر له شأن ومكانة بين الناس فلم يلتفت إليك أحد، ولم يتكلم معك أحد بكلام يسرك؛ لكان لذلك في نفسك حسرة وألم، فكيف بك إذا وقفت بين يدي العظيم -سبحانه- وهو لا ينظر إليك ولا يكلمك ولا يزكيك وقد توعدك بالعذاب الأليم؟ أي حسرة أعظم من هذه؟! نسأل الله العفو والعافية والسلامة.

هذا وصلّوا وسلِّموا على نبيّكم محمّد...(الدعاء مرفق)

المرفقات

1776296010_خطبة بعنوان (خَابُوا وَخَسِرُوا) مختصرة.docx

المشاهدات 2564 | التعليقات 0