خطبة تربية الأبناء ( الجزء الرابع )

خطبة تربية الأبناء ( الجزء الرابع )

(( الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَميِنَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ )). وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وليُّ الصَّالحين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ سيِّدُ الأوَّلينَ والآخرِينَ صلَّى اللهُ عليه، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثيرًا. أمَّا بَعْدُ:

علَيْكُم يا عبادَ اللهِ بتَقوَى اللهِ، فإنَّها من الزَّادُ، وهي خيرٌ وأبقَى (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ))

أيُّها المؤمنون: حَدِيثي معَكم في هذِهِ اللَّحظاتِ عن خِتَامِ موضُوعِ تكلَّمْنَا عنه في جُمَعٍ مَاضِيَاتٍ، وهُو موضُوعُ تَربيةِ الأبنَاءِ، ونَختمُ خُطَبَنَا برسالِةٍ بُوجِّهُهَا ابنٌ إلى أَبٍ، قدْ قَصَّرَ هذا الأبُ في تَربيةِ ابنِهِ.

والدِي الْعَزيزَ: اعلَمْ أنَّك تَبْذُلُ مِن أجلِنَا شَيئًا كَثِيرًا تجوبُ الفَيَافِي والقِفَازَ وتتحَمَّل الأخطَارَ لِتُؤَمِّنَ لنَا لُقْمَةَ الْعَيْشَ، فأَسْأَلُ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ يَجْزِيكَ عنَّا خَيْرَ الْجَزَاءِ، لكنِّي أستَاْذِنُكَ أنْ أَبُثَّ إليك حَدِيثَ الْمُحِبِّ لَك ، حديث الَّذِي لا يُعَلِّمُك واجِبُك ولكنْ يُذَكِّرُكَ بِهِ.

والِدِي العَزِيزَ: إنَّ التَّربيةَ لا تَعنِي تَوفيرُ الطَّعامِ والشَّرَابِ فَقَطْ، ولا أَخَاُلكَ تَظُنُّ أنَّ ذلِكَ هو الْمُنتَهَى، بل إنَّ التَّربيةَ المتكامِلَةَ مَن يُوفِّرُ مثلَ هذَا، ويَهتَمُّ بتربيةِ الأبناء وتَنْشِئَتِهِم النَّشأةَ الصَّحيحةَ.

 أبِي : ألا ترَى أنَّ كثيرًا مِن الأبَاء قد فرَّطُوا في تَربيةِ أبنائِهم ولم يُعِيرُوا هذا الموضُوعَ أيَّ اهتِمَامٍ، بل يَسِيرُون كيْفَمَا اتَّفَقَ ، وكيْفَمَا خَرَجَ الْوَلَدُ يا والِدِي سأَضْرِبُ لكَ مثلًا على أمْرٍ يتَسَاهَلُ فيه كثيرٌ من النَّاسِ ويظُنُّونَ انَّهُ أمرٌ سِهْلٌ حتَّى تَعرِفَ خَطَرَ هذا الأمْرَ.

فخُذْ مثلًا يا رعَاكَ اللهُ يا أبِي: جهازُ البَثِّ الْمُباشِرِ، أو مَا يُسَمَّى بالدِّشِّ الذِي لا يَكادُ يَخْلُو بيتٌ إلا وفيهِ هذا الْجِهَازُ الْمُحتَوِي على قنوات قليلٌ منها المفيدُ ، أنا أعلَمُ يا والِدِي أنَّك ما أدْخلتَ هذا الجِهَازَ مِن حُبٍّ للفسادِ أو نَشْرٍ للرَّذِيلةِ كلا واللهِ حَاشَاكَ يا والدِي، لكنَّك أدْخلتَ هذا الجهازَ مِن أجلِ إسعَادِ أَهْلِ البيتِ وتَقْطِيعِ الوقتِ عليهم، ولكنْ تأتي الرِّياحُ بما لا تَشْتَهِي السُّفنُ.

وأنْتَ ظنتَ يا والِدِي أنَّ هذَا الجِهازَ أَمْرُهُ بَسِيطٌ مُجَرَّدُ مُشاهَدَاتٌ فقط لكنَّهُ مع الزَّمانِ والْوَقتِ رَأَى أهْلُ الْعَقْلِ ورَأَيْنَا نَحْنَ ما فِيهِ مِن أَضْرَارٍ جَسِيمَةٍ على الْعَقِيدةِ مِن إظْهَارٍ لِشَعَائِرِ الْكُفَّارِ وأُمُورِ أَدْيَانِهم وإِظْهَارِ مَعَابِدِهِم.

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْليَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ))

ألا تَتَّفِقُ يا والدِي ؟ أنَّ مِن أضرَارِ هذِهِ الآلَةِ نَشْرَ الدَّجَلِ والْخُرافَةِ والسِّحْرِ والشَّعْوَذَةِ، فقد خُصِّصَتْ قَنَوَاتٌ للشَّعْوَذَةِ والسِّحرِ لإفْسادِ النَّاسِ و إفسَادِ عَقَائِدِهِم.

 ألم يَأْتِ هَؤلاءِ بِحِوَارَاتٍ سَاخِنَةٍ بين المسلِمِينَ وبينَ بَعْضِ الأفْكَارِ الْهَدَّامَةِ، مما يُشَكِّكُ المسلِمَ في دِينِهِ وعَقِيدَتِهِ وهذَا غَيْظٌ مِن فَيْضٍ.

أمَّا الأضْرَارُ الاجتِمَاعِيَّةُ يا والدِي فمِنْهَا : الإعْجَابُ بالْكَفَّارِ.

وهِيَ تَدْخلُ أيضًا في الجانِبِ الْعَقَدِي، ومنها: التَّسَاهُلُ في بعض الأعْرَافِ والْعَادَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ الْجَمِيلةِ التي كانَتْ عِنْدَنَا.

ألَيْسَ هذَا الْجِهازُ قَد سَبَّبَ قطِيعةَ الرَّحِمِ؟ بِسَبَبِ انْشِغَالِ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ لِرُؤْيَةِ هذَا الْجِهَازِ.

والدِي: ألم تَرَ ضَرَرَهُ الأمْنِي، ألم يُوجَدْ مِن شَبَابِنا مَن يَرَى في هَذَا الجهازِ بَعْضَ الأفْلامِ التِي تُعلِّمُ السَّرِقَةَ وتُعَلِّمُ الاخْتِلاسِ، ثُمَّ نَرَى صُوَرًا منها في مُجْتَمَعنِا.

أمَّا الأخْلاقُ يا والِدِي، فلا تَسْأَلْ عنها والأخلاقُ هي الأسَاسُ.

فإنَّما الأُمُمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ                                        فإنْ هُمُوا ذَهَبَتْ اخْلاقُهُم ذَهَبُوا

ألَيْسَ يُوجَدْ في هذَا الجهَازِ أَشْيَاءُ تُثِيرُ الشَّهْوَةَ مِن ظُهُورِ مَلابِسَ غَرِيبَةٍ على بِلادِ الْمُسْلِمينَ !.

ألَمْ تَرَ في هَذَا الجهَازِ نَشْرَ مَا يَفْعَلُ الرَّجُلُ مَعَ زوْجَتِهِ بِمَا يُسْتَحْيَا ذِكْرُهُ مِمَّا زَمَّرَ لهُ الشَّيْطَانُ وطَرَبَ !.

ألَمْ تَرَ يا والدي أنَّ نَتِيجَةً لهذًا الجهَازِ أصبَحَ الْكَثِيرُ مِن النَّاسِ يُضَيِّعُ صَلاةَ الْفَجْرِ بِسَبَبِ السَّهَرِ على هذَا الْجِهَازِ !.

والدِي الْعَزِيزَ: لقد رَأيْتُ بِأْمِّ عَيْنِي في هذا الجهَازِ طَعْنًا لِمَا جاءَتْ بهِ الشَّريعَةُ مِن مُسَلَّمَاتِ عَقِيدَتِنا ودِيِنَا، فَهَاهُم يَتَكَلَّمُون ويَسْخَرُون بالتَّعَدُّدِ والْحِجَابِ، وهَاهُم يَسْخَرُون بِشَعَائِرِ الإسْلامِ ويَسْتَهْزِئُونَ بِدِيِننا، ونَحْنُ نَنْظُر وكَأَنَّ الأمْرَ لا يَعْنِينَا وكَثْرَةُ الإمْسَاسِ تُقَلِّلُ الإحْسَاسَ.

أمَّا التَأْرِيخُ يا أبِي: فَلِلتَّأريخِ وَقْفَةٌ يا أبِي مع هذَا الْجِهَازِ، ألَمْ يُصَوِّرُوا ويُشَوِّهُوا صُوَرَ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، بل صَوَّرُوا وشَوَّهُوا صُوَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَجْعَلُونَ فُتُوحَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وتَأْريخَهُم الْمَجِيدَ عَن طَريقِ الْحُبِّ والْغَزَلِ أَيُعْقَلُ أنَّ إمَامًا وعَالمِا من عُلَمَاءِ المسلمينِ تَعَلَّقَ بالحبِّ ومَا أَدْرَاكَ مَا الحبُّ حَتَّى انْطَبَعَتْ بَعْضُ الصُّوَرِ عَنْ بَعْضِ سَلَفِنَا صُوَرًا مُظْلِمَةً.

الَمْ يَظْهَرْ هَذَا الْجِهَاُز يا أبِي ويَقْلِبْ الْحَقَائِقَ بِأَنَّ الظَّالَمِ مَظُلُومٌ ؟ّ! ألَمْ يُظْهِرْ هذَا الْجِهَازُ في مَوَاطِنَ ومَوَاضِعَ أنَّ الْيَهُودَ مَظْلُومُونَ، وأنَّهُم أَصْحَابُ قَضِيَةٍ ؟!

والدِي العَزِيزِ: الَمْ تَأْتِ بَعضُ الْقَنَوَاتِ لِتُشَوِّهَ صُورَةَ بَلَدِنَا مَهْوَى أَفْئِدَةِ الْمُسْلِمِينَ! وإظْهَارُ أنَّ هذَا الْبَلَدَ فيهِ مِن التَّخَلُفِ والْبَحْثُ أيضًا عَنْ زَلاتٍ وتَحْرِيضٍ على وُلاةٍ الأمْرِ وإثَارَةٍ للفِتْنَةِ والشِّقَّاقِ.

يا والدِي العَزِيزَ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ لِهَذَا الْجِهَازِ أَضْرَارًا صِحَّيَّةً! فمِنْهَا ضَرَرُهُ على الْبَصَرِ، وهي نِعْمَةٌ سَنُسْأَلُ عَنْهَا أَمَامَ اللهِ .

ومِن الآثَارِ الصِّحَيةِ: تَسَارُعُ ضَرَبَات الْقَلْبِ وارتفَاعُ ضَغْطِ الدَّمِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ أَفْلامِ الرُّعْبِ والْجَريمةِ، ولا نَنْسَى السَّهَرَ الذِي هُو مُضِرٌّ بالْجِسْمِ.

أبِي العَزِيزَ: ألم تعلَمْ أنَّ بعضًا مِن القَضَايَا الأخلاقِيَّةِ الَّتي يَنْدَى لَها الْجَبِينَ، وإنِّي أُنَزِّهُ سمعَكَ عَن ذِكْرِها كَانَتْ بِسَبِبِ هذَا الْجِهَازِ، وكَثِيرٌ مِن الْجَرَائِمِ الْمُخَطَّطَةِ كانَتْ بِسَبَبِ هذَا الْجِهَازِ.

 أبَائِي الْكِرامَ: الَّذِين أَدْخَلُوا علَى بُيُوتِهم هذَا الْجِهَازَ بِدُونِ رَقِيبِ ولا حَسِيبٍ، ولَمْ يأْبَهُوا بِهَذِه الأضْرَارِ، واللهِ إنِّي لَكُم شَفِيقٌ ولكم نَاصِحٌ، وليسَ هذَا من الْحُبِّ فإنَّ مِن الحبِّ مَا قَتَلَ، ولا تَقُولُوا أيُّها الآباءُ للذِّئْبِ ارْعَ مَعَ الْغَنَمِ.

ومَن رَعَى غَنَمًا في أَرْض مُسْبِعَةٍ                                ونَام عَنْها تَوَلَّى رَعْيَهَا الأَسَدُ

يا والدِي: لا يُخفَى عليك حُكْمُ هذا الجهَازِ الحكُمُ الشَّرْعِي وفَتْوَى عُلَمَائِنا في ذلك ألَمْ تَسْمَعْ إلى فَتْوَى سَمَاحَةِ الشَّيْخِ عبدِ العزيزِ بنِ بَازٍ -نَوَّرَ اللهُ ضَرِيحَه- بِقَوْلِهِ: "فَلَقَدْ شَاعَ في هذه الأيَّاِم بينَ النَّاسِ ما يُسَمَّى بالدِّشِّ، وإنَّهُ يَسْتَقْبِلُ مَا يُبَتُّ في جَمِيعِ أنحاءِ العَالَمِ مِن أنوَاعِ الْفِتَنِ والْفَسَادِ والْبَاطِلِ ... إلى أنْ قالَ: وهُنَا يَجِبُ التَّنْبِيهِ على خَطَرَ هذا الْجِهَازِ، والْحَذَرِ مِنْهُ وتَحْرِيمِ بَيْعِهِ وشِرَائِهِ وصُنْعِهِ لِمَا في ذلك مِن الضَّرَرِ الْعَظِيمِ، والْفَسَادِ بيْنَ الْمُسْلِمِينَ". انْتَهَى مُلَخَّصًا مِن مِجَلَّةِ الدَّعْوَةِ.

ومِن ذلك فَتْوَى الشَّيخِ ابنِ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى - في خُطْبةِ الجمعَةِ، فقالَ الشَّيخُ -رحمهُ اللهُ- : قالَ ﷺ :"مَا مِن عبدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيةً يَمُوتُ يومَ يَمُوتُ وهو غَاشٌ لِرَعِيَّتِهِ إلا حَرَّمَ اللهُ عليه الْجَنَّةِ" ، فعَلَى هذا فَمَنَ مَاتَ وقد خَلَفَ في بَيْتِهِ شَيئًا مِن صُحُونِ الاسْتِقْبَالِ الدِّشِّ، فإنَّهُ قد مَاتَ وهو غَاشٌ لرَعِيَّتِهِ، ويُخْشَى عليه أنْ تُحَرَّمَ عليه الْجَنُّة، وهذا الكَلامِ أيُّ مَعْصِيَةٍ تَتَرَتَّبُ علَى هذَا الجهَازِ ارتَكَبَهَا الإنْسَانُ قبل مَوْتِهِ وبعدَ مَوْتِهِ، فإنَّهُ عليه وِزْرُهَا على مَن وَضَعَها حتَّى ولو كان في قَبْرِهِ وإنْ طالَ الزَّمَانُ وكَثُرَتْ الْمَعَاصِي، فاحْذَرْ أخِي المْسِلمُ أنْ تُخَلِّفَ مَا يَكُونُ إثمًا عليك في قَبْرِك، ومَا كانَ عندَكَ مِن هَذِهِ الدُّشُوشِ، فإنَّ الوَاجِبَ عليك تَكْسِيرُهُ، لأنَّهُ لا يمكنُ الانتفَاعُ به إلا عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، احْذَرْ يا أخِي الْمُسْلِمَ أنْ يُفَاجَئَكَ الْمَوْتُ وفي بَيْتِك هذِهِ الآلةُ الْخَبِيثَةُ، احْذَرْ فإنَّ إثْمَهُما سَتَبُوءُ بِهِ وسَوْفَ يَجْرِي عليك بعدَ مَوْتِكَ والحمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ، قَالَهُ الشَّيْخُ ابنُ عُثَيْمِينَ.

يا والِدِي: أنَا لا أُنْكِرُ أنَّ لهذَا الجهَازَ بَعْضَ الْفَوَائِدِ، ولكنَّ ضَرَرَهُ أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِ، وإنْ كانَ وللهِ الحمدُ وُجِدَتْ قَنَوَاتٌ إسلامِيَّةٌ مِائَةٌ بالْمِائَةِ.

يا والدِي: إنَّ كُلَّ خَيرٍ عَلَّمْتَنِي إيَّاهُ وتَعَلَّمْتُهُ مِن غَيْرِي في عُمْرِي كُلِّهِ سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ هذا الجهَازِ تُفْسِدُهُ.

مَتَى يَبْلُغُ البُنْيَانُ تَمَامَهُ                                         إذَا كُنْتَ تَبْنِي وغَيْرُكَ يَهْدِمُ

إنَّ إدخَالَك يَا أبِي هذَا الْجهَازَ بِعُذْرِ الأَخْبَارِ فَهَذِهِ مَصْلَحَةٌ، لَكِنْ ما يَحْتَوِيِهِ مِن الْفَسَادِ والْمَفَاسِدِ العَظِيمَةِ أَعْظَمُ، واللهُ حرَّمَ الْخَمْرَ بِكَثْرَةِ مَفَاسِدِهِ قال تعالى: (( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهمَا )) ، وهُناكَ طُرقٌ كَثِيرةٌ لمتَابَعَةِ الأخبَارِ عَن طَريقِ غَيْرِ هذَا الْجِهَازِ.

والدي: اتَّقِ اللهَ فِينا واعلَمْ أنَّك سَتَمُوتُ، فماذا سَتُخْلِفُ لأبنائِك؟ تَذَكَّرْ أنَّك مَسْؤُولٌ عنَّا أمَامَ اللهِ ، فأَعِدَّ للسُّؤالِ جَوَابًا وللجَوَابِ صَوَابًا ، تَذَكَّر يومَ تَتَعَلَّقُ بك أُمِّي وأُخْتِي وهُم يَقُولُون: يَا رَبِّ هذَا الذِي أَضَلَّنَا وأغْوَانَا، فاتَّقِ اللهَ يا والدِي وكُنْ شُجَاعًا في قَرَارِك على إخْرَاج هذَا الجهَازِ ولا يَضُرُّكَ ما يُقَالُ عنك، فالسَّلامَةُ لا يَعْدِلُها شيءٌ ودِرْهَمٌ وقَايَةٌ خيرٌ مِن قِنْطَارٍ عِلاجٍ والْبَدَائِلُ وللهِ الْحَمْدُ كَثِيرَةٌ.

عُذْرًا يَا والدِي على هذا الْكَلامِ وعلَى هذِهِ الْقَسْوَةِ، وهِيَ يا والدِي إشَارَةٌ وَلُمَحٌ، اللَّهم إنَّي قَد بَلَّغْتُ، فاشْهَدْ يا رَبِّ (( إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )).

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لي ولَكُم، فاسْتَغفرُوهُ إنَّهُ هُو الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمينَ، الرَّحمنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ إلَهَ الْعَالمينَ، وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ وهُو الْخَبيرُ الرَّحيمُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسُولُهُ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسلَّمَ تَسلِيمًا كَثيرًا، أمَّا بَعْدُ:

فاتَّقُوا اللهَ يا عِبادَ اللهِ، واسْتَمْسِكُوا مِن الإسلام بالعُرْوَةِ الوُثْقَى، واعلمُوا أنَّ يَدَ اللهِ معَ الجمَاعَةِ ومَن شَذَّ شَذَّ في النَّارِ.

عِبادَ اللهِ: إنَّ التَّربيةِ والكَلامَ فِيهَا بَحْرٌ لا سَاحِلَ لهُ، فاحْرِصْ أيُّها الأبُ على تَرْبِيةِ أبنَائِكَ، وإنِّي في هذِهِ المنَاسَبَةِ أُنَبِّهُ عَلَى شَيْءٍ انْتَشَرَ في هذَا الْعَصْرِ ويُسَمَّى سَرَطَانَ الْعَصْرِ، وهِي الْمُخَدِّرَاتُ.

فإنَّ المخَدِّرَاتِ تُهَدِّدُ الْقِيَمَ والأخلاقَ، وإنَّ أعدَاءَ الْمِلَّةِ ومَا فَتِئُوا وحَاوَلُوا أنْ يُزَعْزعُوا أَمْنَنَا وأَمْنَ هذِهِ الأُمِّةِ، وعَمِدُوا إلى ما هُو أَشَدُّ خَطَرًا مِن ذلِكَ عَن طَرِيقِ الْمُخَدِّرَاتِ.

إنَّ مُدْمِنَ المخدِّرَاتِ يُزَعْزِعُ أَمْنَ الْمُجْتَمَعِ واسْتِقْرَارِهِ، فَقَدْ أَثْبَتَتْ الإحصَائِيَّاتُ أنَّ نسبةً كبيرةً مِن جَرائِمِ الاعتِدَاءِ على الْغَيْرِ وعلَى الممتَلَكاتِ بِسَبَبِ المخدِّرَاتِ .

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )).

اللَّهم احفَظْ علينا أَمْنَنا، واحفَظْ علينا قَبل ذلِكَ دِينَنا وعَقِيدَتَنا. اللَّهم مَن أرَادَ بِديِننَا وعَقِيدَتِنا وأَمْنِنَا سُوءًا فَأشغِلْهُ بِنَفْسِهِ، واجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْميرًا عليهِ يا ذا الجلال والإكرام. اللَّهم احفَظْ علينا أَمْنَنَا يا رَبَّنا، اللَّهم احفَظْ علينا أمْنَنَا، وَوَفِّقْ وَلِيَ أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وتَرْضَى.

اللَّهم إنَّا نَسْألُك يَا حَيُّ يا قَيُّومُ أنْ تَتَقَبَّلَ مِنَّا صَالِحَ أَعْمَالِنَا، وأنْ تَغْفِرَ لنا ذُنُوبَنَا أَجْمَعِينَ يا أكرمَ الأكرَمينَ.

اللَّهم إنَّا نسألُكَ يا حَيُّ يا قيومُ يا سَمِيعَ الدُّعاءِ يا ذا الجلال والإكرام أنْ تَجْعَلَ مَآلَنَا ومَآلَ إخْوَانِنَا الْمُسلِمِينَ جَنَّاتِكَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. اللَّهم حَرِّمْ هذِهِ الْوُجُوهَ على النَّارِ يا ذا الجلال والإكرام.

(( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )) ، (( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) ، وصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ .

المرفقات

1771425779_خطبة تربية الأبناء( الجزء الرابع ).docx

1771425786_خطبة تربية الأبناء( الجزء الرابع ).pdf

المشاهدات 19 | التعليقات 0