خطبة حفظ البيئة أمانة، والإفساد خيانة-تعميم
حسين بن حمزة حسين
إخوةَ الإيمان:إنَّ الحفاظَ على البيئة شُعبةٌ من شُعَبِ الإيمان، ودليلٌ على صدقِ البرِّ والإحسان، ومنهجٌ ربانيٌّ في عمارة الأرض وصيانة الحياة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، وفي الصحيحين عن النبيِّ ﷺ أنه قال: (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ)، والأذى – عبادَ الله – يشملُ كلَّ أذًى حِسِّيٍّ أو معنويٍّ يُؤذِي الإنسانَ أو يَشُوهُ المكان، ويُؤكِّدُ ذلك قولُه ﷺ: ( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ) رواه البخاري، وحذَّر النبيُّ ﷺ من تلويثِ البيئة وتدنيسِها، فقال: (اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةَ الطَّرِيقِ، وَالظِّلَّ) رواه أبو داود، وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ)، ثم بيَّن أنَّ من حقِّ الطريق: غضَّ البصر، وكفَّ الأذى، وردَّ السلام، والأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر؛ وكلُّها آدابٌ تحفظ الإنسانَ والبيئة معًا.
إخوةَ الإيمان: إنَّ الإفسادَ في البيئة داءٌ عضال، وسلوكٌ مشين، لا يصدر إلا عمّن فسد قلبه وانطمست فطرته وسقط من حسِّه واجبُ الأخلاق والاحترام، وقد شدَّد النبيُّ ﷺ في التحذير منه فقال ( ما من إنسانٍ يَقْتُلُ عُصْفُورًا فما فَوْقَها بغيرِ حَقِّها، إلَّا سَأَلهُ اللهُ عَنْها يومَ القيامة ) رواه أحمد والنسائي، فإذا كان هذا الوعيدُ في عصفور، فكيف بالإفساد الجائر، والصيدِ الجائر، والاحتطابِ الجائر، وتلويثِ الهواء بعوادم المركبات، ودخان المصانع، وأكوام النفايات، ونتن المستنقعات، وفساد الصرف الصحي؟! إنها مظاهرُ غير لائقة بالمسلمين، إنها اعتداءاتٌ على نعمة الله، وإيذاءٌ وتشويهٌ لحياة المسلمين، ومن شكر النعمة صيانتها، ومن الإيمان حمايتها، ومن التقوى الكفُّ عن إفسادها.
إخْوَةَ الإِيمَانِ: إِنَّ الْمُنْتَزَهَاتِ وَالْحَدَائِقَ الْعَامَّةَ، وَالشَّوَارِعَ وَطُرُقَ النَّاسِ، وَمَوَاضِعَ لِقَاءِ النَّاسِ الْمَفْتُوحَةَ، أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِكُمْ، وَنَظَافَتُهَا دَلِيلُ رُقِيِّكُمْ، وَحُسْنِ تَرْبِيَتِكُمْ، وَسُمُوِّ أَخْلَاقِكُمْ، وَمِيزَانُ تَحَضُّرِكُمْ بَيْنَ الْأُمَمِ، حافظوا عليها وعلى مقتنياتها ونظافتها، أَلْقُوا النُّفَايَاتِ فِي مَوَاضِعِهَا الْمُخَصَّصَةِ؛ فَإِنَّ نَظَافَةَ الطَّرِيقِ عُنْوَانُ حُسْنِ التَّرْبِيَةِ، وَرُقِيِّ الناس، وَهِيَ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَمَنْ كَفَّ أَذَاهُ فَقَدْ أَحْسَنَ إِلَى دِينِهِ، وَبَلَدِهِ، وَخُلُقِهِ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللهِ صلى عليه وسلم ( مرَّ رجلٌ بغصن شجرةٍ على ظهر طريقٍ، فقال: والله لأُنَحِّيَنَّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأُدخِلَ الجنَّة) رواه البخاري، وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، دُلَّني على عملٍ يُدخِلُني الجنة، قال: ((اعزِلِ الأذَى عن طريق المسلمين) رواه مسلم .
وأخطرُ من ذلك – عبادَ الله – دمارُ البيئة في زمن الحروب: بأسلحة الإبادة، والغازات السامَّة، والألغام، والنيران، التي أحرقت الإنسانَ قبل المكان، وأفسدت الأرضَ قبل العمران، ولا يزال العالم يشهد مآسيَ متتابعة، من فلسطينَ إلى السودان، إلى غيرها من بلاد المسلمين، في عدوانٍ فاضحٍ على الإنسان والبيئة معًا،- نسأل الله تعالى أن يهلك عدوّ المسلمين ويكفينا وجميع المسلمين من فسادهم وشرهم-. إخوة الإيمان: إنَّ الوعيَ البيئيَّ أمانةٌ شرعية، ومسؤوليةٌ أخلاقية، وحاجةٌ وطنية، وضرورةٌ اجتماعية، وقيمةٌ حضارية؛ لا تزيدُ الأممَ إلا رُقيًّا، ولا المجتمعاتِ إلا تحضُّرًا ونقاءً.
نفعني اللهُ وإيَّاكم بالقرآن العظيم، وجعلنا ممَّن يستمعون القولَ فيتبعون أحسنَه.
الخطبة الثانية
إخوة الإيمان: لنحفظ بيئتَنا نقيةً، جميلةً، صحيَّةً، تسرُّ الناظر، وتسرّ النفس، فالأمر عظيم، والتكليفُ جليل، ولكن الامتثالَ هو الميزان.
ومن هذا المنطلق، جاء توجيهُ ولاةِ الأمر – حفظهم الله – بتخصيص هذه الخطبة؛ حثًّا على المحافظة على البيئة، والتأدُّب بآداب الإسلام في المتنزَّهات البرية، وعدم ترك المخلفات، والالتزام بإطفاء النار، واحترام المحميات الطبيعية، ومنع الصيد والاحتطاب الجائر؛ صيانةً للحياة الفطرية، وحفظًا للغطاء النباتي، وتحقيقًا لمقاصد الشريعة في عمارة الأرض وعدم إفسادها. فاتقوا الله عباد الله، وكونوا مفاتيحَ للخير، مغاليقَ للشر، واحفظوا نعمةَ البيئة؛ فإنها أمانةٌ في الأعناق، ومسؤوليةٌ بين يدي الله. وصلُّوا وسلِّموا على نبيِّكم محمد، والحمد لله ربِّ العالمين.