خطبة عيد الفطر
أنشر تؤجر
الحمد لله ذي الجلال والعظمة والكمال , أحمده حمد الشاكرين وأثني عليه ثناء عباده الذاكرين , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي الأمين ، بعثه الله رحمة للعالمين وحجة على الخلق أجمعين , صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين , أما بعد : فاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون ) .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله , والله أكبر الله أكبر ولله الحمد .
أيها المسلمون : اشكروا اللهَ تعالى على عُمُومِ نِعَمِه , فقد تأذّن اللهُ سبحانه للشاكرين لِنِعَمِه بالزيادةِ , فقال سبحانه :﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ([1]) , وإنَّ من نعمةِ اللهِ علينا أنْ أَكَمَلَ لنا شهرَ الصيامِ والقيامِ , فنحمدُ اللهَ على ذلك , ونسألُه أنْ يُتِمَّ نِعْمَتَه علينا بالقَبُولِ , وأنْ يَغْفِرَ لنا ما حصلَ منا من خطأٍ وتقصيرٍ .
ومن نعم الله علينا أن يسر لنا الخروج من بيوتنا لأداء هذه الشعيرة العظيمة ، وقلوبنا تمتلئ بتعظيمه ، وألسنتنا تلهج بتكبيره ، ونحن في أمن وأمان ، فغيركم لا يستطيعون الخروج خوفاً على أنفسهم وأولادهم وزوجاتهم ، فالأمن نعمة عظيمة ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث :" مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ". رواه البخاري في "الأدب المفرد" (رقم/300) والترمذي في "السنن" (2346) وقال: حسن غريب.
وقال الشيخ الألباني رحمه الله بعد تخريجه الحديث عن جماعة من الصحابة: "وبالجملة ، فالحديث حسن إن شاء الله بمجموع حديثي الأنصاري وابن عمر. و الله أعلم. انتهى. "السلسلة الصحيحة" (رقم/2318)
اللهُ أَكْبَرُ ، اللهُ أَكْبَرُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، واللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ .
يومُكُم هَذَا - مَعَاشِرَ المُسْلمينَ- يَومٌ عَظِيمٌ وعِيدٌ كَرِيمٌ ، أحَلَ اللهُ لَكُم فِطْرَهُ ، وحَرَّمَ عَليكُم صِيامَهُ ، والعيدُ في الإسلام شعيرةٌ دينية ، يتميز بها المسلم عن شعارات الجاهلية ؛ فأعياد المسلمين دينٌ وعبادةٌ ، وذكرٌ وصلاةٌ ، ومحبةٌ وصلةٌ وتواصلٌ ؛ ولما قدِمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ وجد لأهلها يومين يلعَبونَ فيهما ، فقالَ :" ما هذانِ اليومانِ "، قالوا : كُنَّا نلعبُ فيهما في الجاهليَّةِ ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ :" إنَ اللَّهَ قد أبدلَكم بِهِما خيرًا مِنهما يومَ الأضحى ويومَ الفطرِ ".
ففرحوا بعيدكم ، فإن إظهار الفرح والسرور ، وإطعام الطعام في الأعياد من شِعار الدين .
فَرَحٌ بِمَا أبَاحَ اللهُ ، واسْتمتاعٌ بالطيبَاتِ مَعَ اجْتنابِ المُنْكراتِ من النظرِ إلى ما حرم الله ، وسماع المعازف والشيلات الموسيقية .
اللهُ أكبرُ , اللهُ أكبرُ ، لا إله إلا اللهُ واللهُ أكبر , اللهُ أكبرُ وللهِ الحمدِ .
عِبَادَ اللهِ : إِنَّكُمْ عَلَى دِينٍ عَظِيمٍ وَمِلَّةٍ قَوِيمَةٍ ، فتمسكوا بحبله ، واثبتوا عليه ، بتحقيق التوحيد لله رب العالمين ، وصدق الإتباع للرسول الكريم ؛ دينٌ عظيمٌ كمله الله وأتم به النعمة ورضيه لنا دينا ، فشريعته صالحة لكل زمان ومكان ، يقول الله تعالى :(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )
واعلموا أن من أعظم أركانه : الصلاة ، فهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة ، فإن صلحت صلح سائر عمله ، وإن فسدت فسد سائر عمله .
وإنَّ من أبرزِ صفاتِ المؤمنين المحافظةُ على الصلاةِ مع الجماعةِ في المساجد , كما قال تعالى :﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّـهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُـهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ ([2]) ، فحافظْ أيُّها المسلمُ على الصلاةِ مع الجماعةِ , فمن حفظها حفظ دينه بإذن الله ، واحذر من التفريط والتكاسل عنها فإن ذلك من خصال المنافقين .
اللهُ أكبرُ , اللهُ أكبرُ ، لا إله إلا اللهُ واللهُ أكبر , اللهُ أكبرُ وللهِ الحمدِ .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ الْعِيدِ مَا يَحْدُثُ بَيْنَ الأَهْلِ وَالْجِيرَانِ مِنَ صِلَةٍ لِلْأَرَحَام وَتَبَادُلٍ للتَّزَاوِرِ وَالسَّلامِ، مِمَّا لَهُ الأَثَرُ الْبَالِغُ عَلَى النُّفُوسِ فِي نَشْرِ الْمَحَبَّةِ وَالأُلْفَةِ وَالتَّعَاوُنِ بَيْنَ الأَقَارِبِ، وَهَذِهِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}, وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ .
فالْعِيدُ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ ، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْهُ.
فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- عَنِ النَّبِيِّ r قالَ: "لَيْسَ الْواصِلُ بِالْمُكافِئِ، وَلَكِنَّ الْواصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَها" رواه البخاري .
أسأل الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال ، وأن ينفعنا بما سمعنا ؛ أقولُ ما تسمعون وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولجميعِ المسلمين من كلِّ ذَنْبٍ إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ :
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ : عباد الله : لئن أنقضى رمضان فإن مواسم الخيرات لا تنقضي وأبواب الطاعات مشرعة لا تنتهي ؛ فاثبتوا واستمروا على ما ألفتم من طاعة وعبادة في رمضان ، وكونوا كما قال ربكم :) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) واحذروا ممن قال الله :( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ).
وإن من علامة قبل الحسنة ، فعل الحسنة بعدها ، ومن الحسنات التي تفعل بعد رمضان ، صيام ستٍ من شوال ، فعن أبي أيوب رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال ، كان كصيام الدهر ".
فاثبتوا – رحمكم الله - على الطاعة ، وواظبوا على العبادة ، فإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل .
أيها المؤمنون : لقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يخص النساء بموعظة في العيد ، فَيَا أَيَّتُهَا الأَخَوَاتُ الشَّرِيفَاتُ الْعَفِيفَاتُ : يَا مَنْ أَعَزَّكُنَّ اللهُ بِالدِّينِ ، وَشَرَّفَكُنَّ بِالسِّتْرِ ! تَمَسَّكْنَ بِحِجَابِكُنَّ ، كَمَا تَتَمَسَّكْنَ بِدِينِكُنَّ ، فَاللهَ اللهَ فِي حَيَائِكُنَّ وَعَفَافِكُنَّ ، وَاعْلَمْنَ أَنَّ الْمَرْأَةَ بِصَلَاحِهَا يَصْلُحُ الْمُجْتَمَعُ ، وَبِفَسَادِهَا يُصْبِحُ الْمُجْتَمُعُ فِي تَيهٍ وَسَرَابٍ , فَالْأُمُّ هِيَ الْمُجْتَمَعُ ، وَالْأُمُّ هِيَ الْأَسَاسُ ، وَهِيَ صَمَّامُ الْأَمَانِ بِإِذْنِ اللهِ .
الأُمُّ مَدْرَسَةٌ إِذَا أَعْدَدْتَهَا …. أَعْدَدْتَ شَعْبَاً طَيِّبَ الْأَعْرَاقِ.
وقَالَ اللهُ تَعَالَى :{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }.
فاتقينَ اللهَ , وأَقِمْنَ الصلاةَ في وقتِها , وعليكُنَّ بالصَّدَقَةِ ، واحذرنَ التساهلَ في أمرِ الحِجَابِ الشرعيِّ والذي يُعتبرُ زينةَ المرأةِ المؤمنةِ وشِعَارَها الظاهرَ الذي تتميَّزُ به ، وتذكَّرْنَ قولَ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم :" إذا صَلَّتِ المرأةُ خَمْسَها وصامت شهرَها , وحصَّنت فَرْجَها , وأطاعت زوجَها , قيل لها : ادخلي الجَنَّةَ من أيِّ أبوابِ الجَنَّةِ شِئْتِ ".
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا الصَّيِامَ وَالْقِيَامَ وصالح الأعمال ، وَأَعِنَّا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَجَنِّبْنَا كُلَّ شَرٍّ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَاتِنَا ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ، اللهم اجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْك ، اللَّهُمَّ أَتِمَّ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين .
اللهُمَّ وفِّقْ وليَّ أمرِنا ووليَّ عهدِه لما تُحِبُّه وترضاه ، اللهم احفظْ بلادَنا وجميعَ بلادِ المسلمين منْ كلِّ سوءٍ ومَكْرٍ وكَيْدٍ .
اللهمَّ من أرادَنا وأَرادَ دينَنا ودِيارَنا وأَمنَنا وولاةَ أمرِنا وعُلماءَنا ورِجالَ أَمنِنا واجتماعَ كَلمتِنا بسُوءٍ ، اللهمَّ فأشغِله بنَفسِه ، واجعل كيدَه في نَحرِه ، واجعل تَدبيرَه تَدميرًا عَليهِ يا رَبَّ العَالمينَ .
اللهم آتنا في الدنيا حَسَنَةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنَا عذابَ النارِ .
سبحانَ ربِّك ربِّ العِزَّةِ عما يصفون ، وسلامٌ على المرسلين ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين .
اللهم صلِّ وسَلِّمْ وباركْ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .
المرفقات
1773870888_خطبة عيد الفطر 2.docx