خطبة عيد الفطر 1447هـ
الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله الهويمل
خطبة عيد الفطر 1447هـ ( الصلاة بعد شروق الشمس بـــ 15 دقيقة )
الخطبة الأولى
إِنَّ الحَمدَ للهِ ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه ، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً . أمّا بعد :-
فاتقوا الله عباد الله ، فإن تقوى الله أساس السعادة والفلاح والفوز في الدنيا والآخرة . واشكروه تعالى على أن بلَّغنا رمضان ، وأعاننا فيه على الصيام والقيام وتلاوة القرآن ، ونسأله بفضله أن يُتم علينا النعمة بالقبول والغفران .
عباد الله : إن من أعظم النعم التي امتنَّ الله بها علينا أن جعل لنا عيداً لإظهار الفرح والسرور والأنس والحبور : ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ . و في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا } . ولذا حَرُمَ صومهما ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين : الفطر والنحر ) رواه الشيخان . وفِي السُنَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، قَالَ : كَانَ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ فِي كُلِّ سَنَةٍ ، يَلْعَبُونَ فِيهِمَا ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ قَالَ : { كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا ، وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا : يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى } صححه الألباني . فَعِيدُنَا فِي هَذَا الْيَوْمِ عِيدٌ شَرْعِيٌّ ، جَعَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدَ أَعْيَادِنَا ، نُظْهِرُ فِيهِ فَرَحَنَا ، وَنَشْكُرُ فِيهِ رَبَّنَا . وَالسَّعِيدُ الْفَائِزُ مِنَّا فِي الْعِيدِ مَنْ أَطَاعَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَطَاعَ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واتبع سنته ، بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ؛ فَفَهْمُهُمْ مُقَدَّمٌ عَلَى أَفْهَامِنَا ، فَهُمْ أَقْرَبُ لِلتَّنْزِيلِ ، وَأَفْهَمُ لِلتَّأْوِيلِ . يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ .
اللهُ أَكْبَرُ ، اللهُ أَكْبَرُ ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَاللهُ أَكْبَرُ ، اللهُ أَكْبَرُ ، وَللهِ الْحَمْدُ .
عباد الله : اَلْعِيْدُ مُنَاْسَبَةٌ عَظِيْمَةٌ ، وَفُرْصَةٌ ثَمِيْنَةٌ ، لِلتَّصَافُحِ وَالتَّسَامُحِ ، وَنَبْذِ الشَّحْنَاءِ مِنَ القُلُوبِ ، فَلْتَتَصَافَحِ الْأَيَادِي ، وَتَتَطَهَّرِ الْقُلُوبُ ، وَتُسَلُّ مِنْهَا السَّخِيمَةُ ، فتَصَافَحُوا وَتَصَالَحُوا ، واجتهدوا في إصلاح اَلْنَّفْسِ وَاَلْعَمَلِ ، وَاَلْأُلْفَةِ وَاَلْمَحَبَّةِ فيما بَيْنَكم ، وَاَلْتَّزَاْوُرِ وَاَلْتَّهْنِئَةِ بِالعيد . وَأَفشُوا السَّلامَ بينكم تفوزوا بجنة ربكم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { والذي نفسي بيده ، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أوَلَا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم } رواه مسلم . فَبَاْدِرُوْا أَعْمَاْرَكُمْ ، وَتَنَاْفَسُوْا فِيْمَاْ بَيْنَكُمْ .
واحرصوا على الصلاةَ ، فإنها عَمُودُ الإسلام ، وناهيةٌ عن الفحشاءِ والآثام ، مَنْ حَفِظَها وحافظَ عليها فقدْ حَفِظَ دينَهُ ، ومَن ضيَّعها فهو لِما سواها أضيع ، وأخرجوا زكاةَ أموالكم طيَّبةً بها نفوسُكُم ، فهيَ مِنْ أهمِّ أركانِ دينِكُم ، وعليكُم ببرِّ الوالدينِ وصلةِ الأرحامِ ، والإحسانِ إلى الفُقَراءِ والأيتام ، والصبرِ عندَ فجائع الليالي والأيام ، ومُرُوا بالمعرُوفِ وانْهَوْا عن المنكَرِ فإنهما من واجباتِ الإسلام ، وما قامَ دِينٌ إلاَّ بذلكَ واستقام ، وأَدِيمُوا الطَّاعَةَ بَعدَ رَمَضَانَ ، وَأَتْبِعُوا الإِحسَانَ بِالإِحسانِ ، صُومُوا سِتَّاً من شَوَّالٍ لتنالوا أَجرًا عَظِيمًا ، قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ : " مَن صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهرِ " رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ ، أَيْ : الْعَامَ كُلَّهُ . ويصح أن تُصام متتابعة أو متفرقة ، سواء من أول الشهر أو وسطه أو آخره .
واحْرِصُوا كُلَّ الحِرْصِ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ لمن كان عليه قضاء ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ فَعَلَيْهِ بِالْمُبَادَرَةِ بِهِ قَبْلَ صِيَامِ السِّتِّ ، فَالصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَلَّا تُصَامَ السِّتُّ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ مَا أَفْطَرَ فِيهِ الْعَبْدُ مِنْ رَمَضَانَ ، فَالفَرْضُ أَوْلَى مِنَ النَّفْلِ ، وَاللهُ يَقُولُ فَي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ : ( وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا اِفْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَلاَ يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ) رواهُ البُخَارِيُّ . وَالقَضَاءُ هُوَ الفَرْضُ الْمُحَبَّبُ إِلَى الرَّبِّ جَلَّ في عُلَاهُ .
اللهُ أَكْبَرُ ، اللهُ أَكْبَرُ ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَاللهُ أَكْبَرُ ، اللهُ أَكْبَرُ ، وَللهِ الْحَمْدُ .
عباد الله : يومكم هذا اجتمع فيه عيدين وصلاتين ، عيد وجمعة ، فمن صلى صلاة العيد مع الإمام فيستحب لهم صلاة الجمعة أيضاً ، فإنْ لم يَحضروا الجمعة مع الإمامِ فلا جُناحَ عليهم ، ولكنَّهم يُصلُّونَ في بيوتِهم ظهرًا أربعَ ركعاتٍ وجوبًا . أسأل الله تعالى أن يجعلنا من المقبولين ، وأن يختم لنا بخير وأن يجمعنا على خير .
أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَاْ ، وَأَسْتَغْفِرُ اَللهَ لِيْ وَلَكُمْ وَلَجَمِيْعِ اَلْمُسْلِمِيْنَ فَإِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْمُ .
الخطبة الثانية
الحمد لله معيد الجُمَع والأعياد ، ومبيد الأمم والأجناد ، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا مضاد ، وأشهـد أن محمدًا عبده ورسوله المُفَضَّل على جميع العباد ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التناد . أما بعد :-
فإن العيد في الإسلام تذكير بنعمة الأخوة في الدين ، وتأكيد الاعتصام بحبل الله المتين . قال الله تعالى : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ .
عباد الله : إن الأمن في الأوطان والسكينة والاطمئنان ، من أعظم نعم الله على العباد ، بل هو ضرورة لصلاح أحوال العباد والبلاد . لأن الأمن إذا اسْتَتَبَّ حُفِظَت الأرواح والأعراض والأموال ، فقرَّت العيون وسكنت النفوس واطمأنت القلوب ، وانشرحت الصدور ، وتهيأت الأسباب للتعاون على البر والتقوى ، وتفرغ الناس لمصالح الدين والدنيا ، ولذلك فإن الأمن وما يتوفر معه من القوت والعافية هو كل نعيم الدنيا ، فعن عُبَيد اللَّه بِن مِحْصَنٍ الأَنْصارِيِّ الخَطْمِيِّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : { مَنْ أَصبح مِنكُمْ آمِنًا في سِرْبِهِ ، مُعَافًى في جَسدِه ، عِندهُ قُوتُ يَومِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحذافِيرِها } رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ . وأما إذا اختلَّ الأمن واضطرب ، وحلَّ محله الخوف والرهب ، سُفِكت الدماء ، وهُتِكت الأعراض ، وسُلِبت الأموال ، وتعطلت الجُمع والجماعات ، وقُطِّعت السبل ، وارتفعت الأسعار ، وقلَّت المُؤَن ، وصار بأس أهل البلد الواحد بينهم ، وتسلط عليهم عدوهم من غيرهم ، وربما تشرد أهل البيت الواحد في الأقطار ، ووقع من الأهوال والفظائع مالا يخطر على البال ، ومن تأمل ما وقع لبعض البلدان التي تَبَدَّل حالها من الاجتماع إلى الافتراق ، ومن الأمن إلى الخوف ، أدرك عواقب فقدان الأمن . فحافظوا على ما أنتم فيه من نعمة الأمن والاستقرار بالأخذ بأسباب المحافظة عليه ومنها :
أولاً : تحقيق التوحيد والاستقامة على الطاعة واجتناب المعصية ، قال الله تعالى : ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ .
ثانياً : شكر الله تعالى على نِعَمِه بالقلب واللسان والجوارح فبالشكر تدوم النعم وتزيد قال تعالى : ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ .
ثالثاً : لزوم الجماعة والسمع والطاعة لقيادتنا وولي أمرنا ، وهذا من أعظم أسباب ثبات الأمن والمحافظة عليه .. رابعاً : اجتناب كل ما يُخل بالأمن ويثير الخوف والقلق ، من نقل الشائعات والأراجيف ، والخوض في قضايا السياسة والأمن والحرب خَوضاً يخدم العدو ، ويضر بالأمن ، قال الله تعالى : ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ ، وهذا يدل على أنه ليس كل خبر يُذاع ويُتَناقل ، فقط ما جاء من الجهات المختصة وكان في نقله مصلحة .. خامساً : الالتزام بالتوجيهات الأمنية التي تصدر عن الجهات المسؤولة فيما يتعلق بتصوير الحوادث الأمنية والنقاط العسكرية والتحركات الرسمية ، لأن تصوير ما يُمنع تصويره ونشره في وسائل التواصل قد يستغله العدو لصالحه عسكرياً وأمنياً وإعلاميناً وغير ذلك .. سادساً : الإكثار من الدعاء لبلادنا وولاة أمورنا ورجال أمننا بالحفظ والسلامة والنصر والتأييد فإن الله سميع قريب مجيب .. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين ، وأذِلَّ الشرك والمشركين ، وانصر عبادك المؤمنين ، اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، اللهم احفظ إمامنا وولي عهده بحفظك وأيدهم بتأييدك وأعز بهم دينك ، اللهم وفقْهُم لهُدَاكَ واجعلْ عمَلَهُم في رضاكَ . اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين . اللهم من أرادنا بسوء فأشغله بنفسه ورد كيده في نحره وأدر عليه دائرة السُوء . اللهم أمِّن حدودنا وانصر جنودنا ، اللهم ثبت أقدامهم وسدد رأيهم ورميهم وانصرهم على عدوك وعدوهم يارب العالمين . اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات . ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . اللهم صل وسلِّم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
( خطبة عيد الفطر 1/10/1447هـ . جمع وتنسيق خطيب جامع العمار بمحافظة الرين / عبد الرحمن عبد الله الهويمل للتواصل جوال و واتساب / 0504750883 ) .
المرفقات
1773781102_خطبة عيد الفطر 1447هـ.docx