خطبة في الحث على حضور مجالس الوعظ

صالح محمد السعوي
1447/08/10 - 2026/01/29 21:44PM

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة في الحث على حضور مجالس الوعظ

 

بقلم وتأليف / صالح بن محمد السعوي

 

الحمد لله الذي جعل حضور مجالس الوعظ والتذكير وسيلة للتبصر في الدين، ومعرفة الأحكام المفترضة على المكلفين.

 أحمده على تيسير أسباب التفقه في الدين، وأشكره على وفرة العلماء المذكرين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الإله الحق المبين.

وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين.

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه هداة العالمين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه، ووطنوا أنفسكم وألزموها حضور مجالس العلم والعلماء.

والله سبحانه أمر بتصبر النفس مع من وفقوا بملازمة الذكر والدعاء فقال جل وعلا: ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)) [الكهف الآية ٢٨].

وأمر رسول الله ﷺ بالرتع في رياض الجنة التي هي حلق الذكر.

عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مرَرْتُم برياضِ الجنةِ فارتَعوا" قالوا: يا رسول الله وما رياضُ الجنَّةِ؟ قال: "حِلَقُ الذِّكْرِ" رواه الترمذي وقال حديث حسن وهو في صحيح الترغيب.

وعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " عَنْ يمينِ الرحمنِ وكِلْتا يديْهِ يمينٌ؛ رجالٌ ليسوا بأنبياءَ ولا شُهَدَاءَ، يَغْشَى بياضُ وجُوهِهِمْ نظرُ الناظرينَ، يَغْبِطُهُمُ النبيونَ والشهداءُ بِمَقْعَدِهِمْ وقُرْبِهِمْ مِنَ اللهِ عز وجل" قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: "هَمْ جِماعٌ مِنْ نوازِعِ القبائِلِ، يَجْتَمِعُونَ عَلَى ذِكْرِ اللهِ، فينتقونَ أطايِبَ الكلَامِ، كما يَنْتَقِي آكلُ التَّمْرِ أطايِبَهُ" رواه الطبراني ورجاله موثقون وإسناده حسن وهو في صحيح الترغيب.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "ما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ فيما بيْنَهُمْ؛ إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ" رواه مسلم.

ولا خير في الدنيا ولا بما فيها إذا خلت من ذكر الله.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الدُّنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ذكرُ اللهِ وما والاهُ، وعالمًا، أو متعلمًا" رواه الترمذي وقال: حديث حسن كما في صحيح الترغيب.

ولعظم منافع مجالس الذكر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فإن وجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عز وجل تَنادَوْا: هَلُمُّوا إلى حاجَتِكُمْ فَيَحُفُّونَهُمْ بأَجْنِحَتِهِمْ إلى السَّماءِ الدُّنْيا" الحديث متفق عليه.

وفي آخر الحديث يقول الله: "فَأُشْهِدُكُمْ أنِّي قدْ غَفَرْتُ لهمْ" قالَ: "يقولُ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ: فيهم فُلانٌ ليسَ منهمْ، إنَّما جاءَ لِحاجَةٍ، قالَ: هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقَى بهِمْ جَلِيسُهُمْ" متفق عليه.

وعن أبي واقد الحارث بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ بينما هو جالسٌ في المسجد والناس معه إذْ أقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنَانِ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ وذَهَبَ واحِدٌ، فَوَقَفَا علَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ فأمَّا أحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وأَمَّا الثَّالِثُ: فأدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: "ألَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أمَّا أحَدُهُمْ فأوَى إلى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ منه، وأَمَّا الآخَرُ فأعْرَضَ فأعْرَضَ اللَّهُ عنْه" متفق عليه.

والله سبحانه يباهي بأهل مجالس الذكر الملائكة.

عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ خَرَجَ علَى حَلْقَةٍ مِن أَصْحَابِهِ، فَقالَ: "ما أَجْلَسَكُمْ؟" قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ علَى ما هَدَانَا لِلإِسْلَامِ، وَمَنَّ به عَلَيْنَا، قالَ: "آللَّهِ ما أَجْلَسَكُمْ إلَّا ذَاكَ؟" قالوا: آللَّهِ ما أَجْلَسَنَا إلَّا ذَلكَ، قالَ: "أَمَا إنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فأخْبَرَنِي أنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بكُمُ المَلَائِكَةَ" رواه مسلم.

لا أنعم وأبهج للمؤمنين في الدنيا من مجالس الذكر، وحلق العلم والعلماء.

وعن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ما جلس قومٌ مجلسًا يذكرون اللهَ عزَّ وجلَّ فيه فيقومون؛ حتى يُقالَ لهم: قوموا قد غفر لكم، وبُدِّلَتْ سيِّئاتِكم حسناتٌ" رواه الطبراني وابن أبي شيبة وغيرهما والحديث صحيح لغيره.

وفي هذه البلاد التي أنعم الله عليها بالعلماء العاملين والدعاة المصلحين، وطلاب العلم الحريصين على نفع أنفسهم وتبليغ العلم لغيرهم، لما يجدونه من عون ولاة الأمر وشد العضد والتشجيع والبذل في ذلك.

اللهم من علينا رجالاً ونساء وبنين وبنات بالهداية والرغبة في الخير وتحصيل العلم بوسائله والعمل به.

اللهم أصلح إمامنا واحفظه وانصر به الدين وأصلح ولي عهده والعلماء والمستشارين وشد عضده بهم لصالح الإسلام والمسلمين. 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان الآية ٧٣].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

خطبة أخيرة في الحث على حضور مجالس الوعظ

 

الحمد لله الذي منَّ علينا معشر المسلمين بتوارث العلم والمعلمين والوعاظ والمرشدين.

أحمده تعالى على توافر مجالس العلم والمتعلمين، وأشكره سبحانه على المزيد للشاكرين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مصلح الصالحين.

وأشهد أن نبينا محمداً خاتم النبيين والمرسلين.

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأئمة الهادين المهديين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واغنموا المشاركة في حضور مجالس الوعظ والتذكير بحسب ما يمكنكم وهي في الغالب تكون في الأوقات المناسبة من بعد صلاة المغرب وما بين أذان العشاء وإقامة الصلاة، ومن بعد صلاة العصر لثلاثة أحاديث مع موجز شرحها والمبادرة في حضور خطبة الجمعة والإنصات لسماعها وتقدمت الأدلة التي توقظ أصحاب الهمم العلية.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد بعد الأنفس والأنفاس.

وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن بنات نبينا وزوجاته أمهات المؤمنين وعن سائر الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وعنا معهم أجمعين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وانصر من نصر الدين، وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين واكفنا شر الأشرار وكيد الفجار وأعذنا من شياطين الإنس والجان، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين.

اللهم ادفع عنا الغلا والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم تب على التائبين واغفر ذنوب المذنبين واقض الدين عن المدينين واشف مرضانا ومرضى المسلمين.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك.

اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.

ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، لك راهبين، لك مطاوعين، إليك مخبتين منيبين، ربنا تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخيمة قلوبنا.

اللهم احفظ إيماننا وثبتنا عليه وأصلح إمامنا وولي عهده وقيض لهما البطانة الصالحة من العلماء وخيرة المؤمنين، واحفظ رجال أمننا واحمِ دماءهم وأعراضهم وعتادهم.

اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعفوا عنا واغفر لوالدينا ولمن له حق علينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

المشاهدات 158 | التعليقات 0