خطبة وفي أنفسكم أفلا تبصرون

حسين بن حمزة حسين
1447/11/09 - 2026/04/26 22:22PM
اتقوا الله حقَّ التقوى، واعلموا أن ربكم جلّ جلاله لم يترك عباده هملاً، بل أقام لهم من الآيات والبراهين ما يوقظ القلوب من غفلتها، ويقودها إلى بارئها يقينًا وخضوعًا، قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
عباد الله: كان موضوع خطبتنا الجمعة الماضية عن آيَاتِ اللَّهِ فِي الآفَاقِ، ومَوْعِدُنَا الْيَوْمَ مَعَ آيَاتٍ أَقْرَبَ إِلَيْنَا مِنْ كُلِّ قَرِيبٍ؛ فِي أَنْفُسِنَا الَّتِي نَحْيَا بِهَا، وَنَغْفُلُ عَنْ عَظَمَتِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
أخي في الله: أمهِل قلبك لحظاتٍ يتأمّل فيها بديعَ خلق الله في هذا الجسد؛ أصلَه ونشأتَه، إحكامَ بنائه، وجمالَ صورته، وروعةَ تدبيره، هذا الجسد لم يُخلق عبثًا، ولم يُوجَد لهوًا ولعبًا، بل خُلق لحكمةٍ بالغةٍ وغايةٍ عظيمة، قال تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )،وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾. فسبحان من بدأ خلق الإنسان من تراب، من طين لازب، من صلصال كالفخّار، ثم نقله أطوارًا حتى صيّره خلقًا آخر كما تروْن، قال تعالى (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) فسبحان من خلَقَ من عدم، وأوْجَد من غيْر سابق، وصوّر من غيْر مثيل، فما من عظْم فيك، ولا عِرْقٍ ولا عصبٍ إلا وعليه أثرُ صُنعِْ الله عز وجل، الدّال على كمال قدرته، ووجوب التسليم له وشكره وحمده، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ).  
عباد الله: تأمّلوا حاسّة البصر؛ العيْنان، هذه الآية الباهرة، تنتظم ملايين الخلايا في دقةٍ متناهية، تستقبل الضوء وتحُِيلُه صورةً ومعْنى، في تناغمٍ عجيب بين الضوء والعين، ولو أصاب هذا النظام خللٌ مؤثر، اضطربت الرؤيةُ أو زال نورُها، فسبحان من أحكم الخلْق وأتقن التدبير، هما 'الكريمتان' سماهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل الله الجنّة ثمناً لمن صبر على فقدهما، فهل يُتصور أن يَنْتَظم هذا الإحكام، ويسْتقيم هذا الإتقان، بغير تقديرِ عزيزٍ عليم، أو إرادةِ ربٍ حكيم؟!" فسبحان من أوْجدَ من عدم، وصوّر فأبدع، وسوّى فأحكم؛ جسدٌ تتآلف أجهزته، وتتناسق وظائفه في نظامٍ بديع: قلبٌ نابضٌ لا يهدأ، ونَفَسٌ يتردّدُ لا ينقطع، وعقلٌ يُدرك ويميّز، وحواسٌ تَنْقُل إليك ملكوتَ الله في آنٍ واحد، إنه التدبير الشامل، والإحكام الكامل، الذي لو مسّه أدنى خلل، لاضطربت معه الحياة، وانهار معه البنيان، (هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).
إخوة الإيمان: من الذي خَلَقَ وصوّر ودبّر وقدّر؟ ومن الذي أحكم وأتقن هذا البناء العظيم؟ قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أنظروا في هذا القلب؛ خفّاقٌ لا يفتر، دائمةٌ دقاتُه ليلَ نهار، ولو لعقودٍ طوال، لا يكِلُّ ولا يملّ ولا يتعب، فلو سكن خفقانُه لحظة، سكنت معه الحياةُ وفاضت الروح، فمن ذا الذي أمدّه بالقوة، من الذي أجراه بهذا الإتقان، وحفظه بهذا النظام؟ إنه الحكيمُ الله جلّ جلاله، قيوم السماوات والأراضين، وهذا الدم يجري في عروقكم بغير تصرّف منكم، يحمل الحياة إلى كل عضو، وجعل كليتان تنقيانه من السموم، طعام لذيذٌ طعْمُه، جميلٌ رائحته، محبوبٌ للنفوس، ويخرج أعزكم الله كما تعلمون، وهذا الجهاز التنفسي، هواء يدخل ويخرج بلا كُلْفة، لو حُبس دقائق لانقطعت الحياة، جهاز عصبي، وجهاز هضمي، وجهاز تنفسي، وجهاز تناسلي، جهاز سمعي، وجهاز بصري، أجهزةٌ بالغةُ التعقيد في إدراكنا، متناسقةُ النُّظُم، متكاملةُ الأجزاء، متآلفةُ الوظائف؛ لكل منها هدفٌ مخصوص- تذكروا هدفٌ مخصوص-، خُلِقت من طينٍ لازب، فإذا هو أنت هذا الإنسان، الله أكبر، ما أعظمَ اللهَ جلّ جلاله، والله أكبر ما أجلَّ صُنعَه، و الله أكبر ما أعظم أمره الذي من أجله خلقنا.
الخطبة الثانية:
عِبَادَ اللهِ: خَلَقَ اللهُ هٰذَا الجَسَدَ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ، ثُمَّ أَوْدَعَ فِيهِ رُوحًا بِهَا حَيَاتُهُ وَقِوَامُهُ، رُوحٌ غَيَّبَ اللهُ حَقِيقَتَهَا عَنِ العُقُولِ، وَأَبْقَى أَثَرَهَا شَاهِدًا فِي الأَبْدَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فَإِذَا سَكَنَتِ الرُّوحُ الجَسَدِ دَبَّتْ فِيهِ الحَيَاةُ، وَإِذَا فَارَقَتْهُ خَمَدَتْ حَرَكَتُهُ، وَسَكَنَ بَعْدَ اضْطِرَابٍ، فَتَأَمَّلُوا هٰذَا الِارْتِبَاطَ العَجِيبَ بَيْنَ جَسَدٍ يُرَى وَرُوحٍ لَا تُرَى؛ بِهِمَا تَكُونُ حَقِيقَةُ الإِنسَانِ، وَبِهِمَا يَقُومُ التَّكْلِيفُ، وَعَلَيْهِمَا يَكُونُ الحِسَابُ وَالجَزَاءُ. فَإِذَا جَاءَ الأَجَلُ انْقَطَعَ الوصال-بإذن الله-،وانفصلت الروح عن الجسد، وَعَادَتِ الرُّوحُ إِلَى بَارِئِهَا، ثُمَّ يُبْعَثُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَتُرَدُّ وتعود الأَرْوَاحُ إِلَى الأَجْسَادِ، لِيَقِفَ العَبْدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ مَوْقِفًا لَا مَهْرَبَ مِنْهُ وَلَا مَفَرَّ، تَذَكَّرُوا –رَحِمَكُمُ اللهُ– قَوْلَ الحَقِّ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾؛ مَسِيرٌ لَا يَتَوَقَّفُ، وَمَوْعِدٌ لَا يَتَأَخَّرُ، فَاسْتَعِدُّوا لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَتَزَوَّدُوا لَهُ بِالتَّقْوَى.
وَاعْلَمُوا أَنَّ الغَايَةَ الَّتِي خُلِقْتُمْ من أجلها عِبَادَةُ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وَأَنَّكُمْ مَوْقُوفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، مَسْؤُولُونَ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
فَعَظِّمُوا رَبَّكُمْ حَقَّ التَّعْظِيمِ، وَأَخْلِصُوا لَهُ العِبَادَةَ، وَاسْتَعْمِلُوا نِعَمَهُ فِي طَاعَتِهِ لَا فِي مَعْصِيَتِهِ؛ فَهٰذِهِ الجَوَارِحُ إِمَّا شَاهِدَةٌ لَكُمْ أَوْ عَلَيْكُمْ: عَيْنٌ إِمَّا تَنْظُرُ إِلَى طَاعَةٍ أَوْ تَقَعُ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلِسَانٌ إِمَّا يذكر ربّه أَوْ يقول زوراً، وَقَلْبٌ إِمَّا يَعْمُرُ بِالتَّوْحِيدِ أَوْ يَتِيهُ فِي الغَفْلَةِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ النِّعَمِ نِعْمَةُ الهِدَايَةِ وَالتَّوْحِيدِ، فَهِيَ أَصْلُ النَّجَاةِ، وَمِفْتَاحُ القَبُولِ؛ فَاثْبُتُوا عَلَيْهَا، وَتَمَسَّكُوا بِهَا، وَسَلُوا اللهَ حُسْنَ الخَاتِمَةِ، وَصِدْقَ الشُّكْرِ، وَصَلَاحَ العَمَلِ.
المشاهدات 471 | التعليقات 0