رسالة الإسلام رسالة إنقاذ
الشيخ د. أبو سلمان راجح الحنق
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، والحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً يبدد الظلمات، وحبلاً ينجي من الهلاك، والحمد لله الذي جعل رسالته رحمة للعالمين. والحمد لله الذي أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين وجعله رحمة للعالمين؛ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. فبعثه الله تعالى لإنقاذ البشرية وإخراجها من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
أيها المسلمون: عنوان هذه الخطبة: رسالة الإسلام... رسالة إنقاذ.
أيها المؤمنون: إن عنوان رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتلخص في كلمة واحدة هي: الإنقاذ. فرسالة الإسلام تتمثل في قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} [آل عمران: 103]. وقال جل جلاله: {الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1].
أيها المسلمون: لو أنا نظرنا إلى واقع العالم قبل رسالة الإسلام لوجدنا أن العالم حينها كان يعيش في ظلمات من الشرك والجهل والخرافة؛ فقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)) [رواه مسلم]. فكان العالم يغرق في ظلمات بعضها فوق بعض؛ ظلمة العقيدة بعبادة الحجر والشجر والبشر، وظلمة الأخلاق بوأد ودفن البنات وهن أحياء، وظلمة الاجتماع حيث إن القوي يأكل الضعيف وصاحب المال يستعبد الفقير.
فجاء الإسلام، هذا الدين العظيم، دين جميع الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه، فانتشل هذا الإنسان من ذلك الوحل كي يعيده إلى الفطرة التي خلقه الله عليها؛ {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30].
أيها المسلمون: لقد لخص الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه للعالم كله رسالة الإسلام في كلمات نيرات باهرات واضحات، ولا يزال صدى تلك الكلمات تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل.
حين قال ذلك الصحابي الجليل لقائد الفرس بعد أن سأله قائد الفرس: "ما الذي جاء بكم؟ هل تريدون طعاماً أم كساءً؟" فصدح بها ربعي بن عامر رضي الله عنه مدوية: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور وظلم الأديان إلى عدل الإسلام". إنها كلمات نيرات من نور الوحي الإلهي. وهكذا هم الصحابة رضي الله عنهم حيث تربوا على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا مصابيح تنير الطريق لكل حائر متخبط.
أيها المسلمون: وهذه شهادة أحد مثقفي الغرب النصراني، اسمه غوستاف لوبون، قال: "إن العالم لم يعرف فاتحاً أرحم من العرب المسلمين، حيث أنقذوا الشعوب المفتوحة من اضطهاد أبناء جلدتهم الديني والمالي". والحق ما شهدت به الأعداء. أيها المسلمون: لم يكن دور الأمة المسلمة محصوراً في نشر العقيدة فحسب، بل كانت هذه الأمة حاضنة حضارية وفرت الأمن والأمان والعدل والحرية بضوابطها الشرعية من كتاب الله تعالى ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلمون: فرسالة الإسلام رسالة إنقاذ؛ حيث مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عاماً يرسي قواعد التوحيد والعقيدة، ويزيح تلك الغشاوات التي عشعشت في صدور العرب آنذاك. وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على تزكية الصحابة رضي الله عنهم وأعطاهم صلى الله عليه وسلم دروساً عملية في قوة الإيمان، وسلامة المعتقد، وإخلاص العمل لله الواحد القهار. وأعطاهم دروساً عملية في تحمل أعباء الدعوة، وفي الصبر والثبات وفي البذل والعطاء، وفي تعظيم رب الأرض والسماء، وفي ترك زخارف هذه الحياة الدنيا.
أيها المسلمون: لقد كان الإسلام بمثابة طوق نجاة للبشرية جمعاء في لحظة تاريخية بلغت فيها الحضارات القديمة؛ الرومانية والفارسية والهندية، ذروة الانحلال القيمي والظلم الاجتماعي. فلم يكن الإسلام مجرد طقوس تعبدية، بل كان مشروعاً شاملاً لإعادة صياغة الإنسان والمجتمع؛ إذن فرسالة الإسلام رسالة إنقاذ.
فقد ساهمت رسالة الإسلام في إنقاذ البشرية من عبودية البشر إلى عبودية رب البشر، ومن الظلم والجور واستعباد الضعفاء إلى عدل الإسلام، وإزالة التفاخر والتعاظم بالآباء والأجداد إلى أن يكونوا عباد الله إخواناً.
وتحققت هذه الكلمة المدوية التي أطلقها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟". وقال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى)) [رواه أحمد].
أيها المسلمون: راجعوا وثيقة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته.
وراجعوا خطبة حجة الوداع والتي أرسى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد الحق والعدل والأخوة، وقواعد حقوق الإنسان في الإسلام، وأرسى فيها حقوق النساء، وبين صلى الله عليه وسلم حرمة الدماء والأموال وحرمة التعدي على الأعراض. حجة الوداع التي اجتمع حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على مائة وعشرين ألفاً من الصحابة الأخيار الأبرار الأطهار، كلهم يقتدون به وبهديه ويعملون بسنته ويطبقون توجيهاته وشعارهم: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].
حقاً إن رسالة الإسلام رسالة إنقاذ؛ {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسرِينَ} [آل عمران: 85]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين، أما بعد.
أيها المسلمون: قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
أيها المؤمنون: إن هذه الأمة المسلمة تمتلك أعظم نعمة وهي الهوية الإسلامية، هذا الدين العظيم، دين جميع الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين؛ {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19].
وقال سبحانه وتعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} [الحج: 78]، وما من نبي ولا رسول إلا ودعا إلى الإسلام، وهو الاستسلام لله تعالى بالتوحيد والخلوص من الشرك. أيها المسلمون: في عصر العلم وانتشار وسائله وسهولة الوصول إلى المعلومة، إلا أنك ترى عالماً حائراً ومتخبطاً؛ فها هي أوروبا وأمريكا وسائر بلاد الغرب النصراني يتخبطون في دهاليز الشرك والكفر، وذلك بقولهم بعقيدة التثليث، أن الله ثالث ثلاثة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وادعائهم أن الله اتخذ صاحبة وولداً، كبرت كلمة تخرج من أفواههم. وهم بهذه العقيدة الباطلة يخالفون ما كان عليه الأنبياء والرسل، عليهم صلوات الله وسلامه، كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، عليهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
أيها المسلمون: العالم اليوم ينتظر الخلاص مما هو فيه من الشقاء والتعاسة والتخبط وطغيان المادة وانحلال الأخلاق وضياع القيم. العالم اليوم يشكو من الحيرة، ويشكو من تسلط فئات محدودة على المال والثروات، ويشكو من الطبقية ومن الأثرة عند طبقات معينة من البشر. العالم اليوم يتخبط في بحر من الظلمات، وخاصة خلال القرنين العشرين والواحد والعشرين، حيث جرب كثير من سكان الكرة الأرضية الإلحاد هروباً من طغيان الكنيسة، ولكنهم لم يجدوا إلا سراباً يتراءى لهم.
ثم جرب كثير من سكان هذه الأرض الرأسمالية وهي كذلك لم تغنِ عنهم شيئاً، بل أصبح الناس طبقتين: طبقة أصحاب رؤوس الأموال، وطبقة العمال الذين يعملون لحساب أصحاب رؤوس الأموال. وهكذا التجارب التي تمر على البشرية، وها هم اليوم ينادون بالديمقراطية والحرية والمساواة والعدل وحقوق الإنسان، وكل ذلك من زبالات أفكار البشر.
أيها المسلمون: وهنا نقول لهذا العالم الحائر المتخبط: إن رسالة الإسلام رسالة إنقاذ. إنقاذ من الشرك والوثنية وتعدد الآلهة إلى عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. إنقاذ من طغيان المادة إلى تهذيب وتزكية النفوس بهذا الدين العظيم؛ {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]. إنقاذ من الانحلال والسقوط الأخلاقي إلى العفة والطهر وسمو الأخلاق.
إنقاذ من الحيرة والشك إلى اليقين بما عند الله تعالى ورسوخ الإيمان في القلوب، إنقاذ من ظلمة الفجور والعصيان إلى نور الإيمان والطاعة، إنقاذ من الظلم الواقع في هذا العالم وسيطرة الظلمة إلى عدل الإسلام. وكما قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟".
أيها المسلمون: فلتفخر هذه الأمة المسلمة المباركة بما حباها الله بهذا الدين العظيم الذي به صلاح الدنيا والدين؛ قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96].
أيها المسلمون: إن العالم الغربي النصراني اليوم يشن حملات من التشويه والتشكيك والتحريض على دين جميع الأنبياء؛ قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} [البقرة: 127-128].
وقال سبحانه: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129]، وقال جل جلاله: {وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 132]. فهذه الآيات تتحدث عن أن الدين الذي ارتضاه الله تعالى للبشرية جمعاء هو دين الإسلام الذي دعت إليه جميع الرسل عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين.
فنقول للعالم وخاصة الغرب: إن رسالة الإسلام هي رسالة إنقاذ لما عليه الغرب من الكفر والشرك والضلال والانحلال والفساد والظلم والطغيان؛ {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]. ونختم ونقول لأمة الإسلام، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمة القرآن والسنة، أمة المليار ونصف المليار: هل اطلعتم على ما عند الغرب النصراني من الشرك والوثنية وتعدد الآلهة، وما لديهم من الانحلال وسقوط القيم وانتكاس الفطر؟
ثم إذا بكثير من أبناء الإسلام ممن أكرمهم الله بهذا الدين وجعلهم خير أمة أخرجت للناس يضلون الطريق، ويتخبطون في طرق مظلمة وبعيدة عن نور الوحيين: كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويسلكون طرق المغضوب عليهم وطرق الضالين، مع أن هذه الأمة الأصل أنها تحمل مشاعل الهداية وطوق النجاة لسائر الأمم، ويسعون جاهدين في إنقاذ هذه البشرية مما هي فيه؛ {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96]. فرسالة الإسلام رسالة إنقاذ. ألا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه.