ضَعْ نفْسَكَ في المكانِ المناسبِ
عبدالمحسن بن محمد العامر
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) وأشهدُ ألّا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له؛ تعالى عمّا يشركونُ، وأشهدُ أنّ محمداً عبدُه ورسولُه؛ صاحبُ الهديِ المَسْنُونِ، والشّرعِ المَصُونِ، صلى الله وسلّمَ عليه، وعلى آله وصحابتِه أولي السَّبقِ الميمونِ، والقدْرِ المكنونِ، وعلى التّابعينَ ومِن تبعَهم بإحسانٍ وإيمانٍ إلى اليومِ الذي تساءلَ عنه المشركونَ.
أمّا بعدُ: فيا عبادَ اللهِ: أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ تعالى، ففيها الهدايةُ والكفايةُ، والسلامَةُ مِنَ الضَّلالِ والغوايةِ؛ "إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ"
معاشرَ المؤمنينَ: مِنْ رحمةِ اللهِ للبشرِ؛ أنْ جعلَهم على قُدُرَاتٍ متفاوُتة، ومواهبَ متعدِّدةٍ، وفاضَلَ بينَهم بالعقولِ، والأفهامِ، وَفرّقَ بينهم المحبوباتِ والمكروهاتِ، وقسّمَ عليهم الرّغباتِ والاختيارات؛ وهذا مِنْ كمالِ عدلِه، وتَمامِ حِكمتِه؛ قالَ تعالى: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ " وقالَ تعالى: "أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ" قالَ ابنُ كثيرٍ رحمَهُ اللهُ: (قد فَاوتَ بينَ خَلقِهِ فيمَا أَعطاهُم مِنَ الأَموالِ والأرزاقِ والعقولِ والفُهُومِ، وغيرِ ذلكَ مِنَ القُوى الظَّاهِرَةِ والبَاطِنَةِ)
عبادَ اللهِ: إنّ اكتشافَ المَرءِ لنفسِهِ ومواهبِها، ومعرفتَه لقُدراتِها وإمكاناتِها؛ يُعتبرُ مِنْ أهمِّ أسبَابِ نجاحِه في الحياةِ، وسَيْرِهِ فيها سَيْراً سليماً، وعافيتِه مِن العَقباتِ والنّكباتِ، وسلامتِه منَ العقوباتِ والتّبعاتِ، وهذا المَبْدَأُ العظيمُ؛ هو ما كان يُربِّي عليه النّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلّمَ صحابَتَه، حيثُ يَضَعُ كلَّ واحدٍ مِنهم في مكانِه المناسبِ، ويختارُ له العملَ الموافقَ لقُدُراتِه، وإمكاناتِه، وعَقْلِه، وذكائِه، وبهذا التّنوُعُ تَكتمِلُ احتياجاتُ الأمَّةُ في جميعِ المَجالاتِ، وتكتَفي ذاتياً في المِهَنِ والوظائفِ والأعمالِ في جميعِ التّخصُّصَاتِ.
وَقَدْ صَنّفَ النّبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ قُدُراتِ صحابتِه، وما يتَمَتَّعونَ بِهِ مِنْ مَواهَبَ وَصِفاتٍ؛ فعَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَقْرَؤُهَا لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُهَا بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ) رواه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ، وقالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، كما كان النّبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ يَختارُ لكلِّ مُهمَّةٍ ما يناسبُها، ويصلحُ لها، ويَقومُ بها خير قِيامٍ؛ فقدْ أمَرَ زيدَ بنَ ثابتٍ أنْ يَتَعلَّمَ لُغَةَ اليهودِ؛ لِمَا يتمَتّعُ به مِنْ قُدُراتٍ فَائقَةٍ تُسَاعِدُ على ذلك؛ فَعَنْهُ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: "أمرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ أتعلَّمَ له كتابَ يَهودٍ؛ قالَ: إنِّي واللهِ مَا آمنُ يَهودَ على كتابي، قالَ زيدٌ: فَمَا مرَّ بي نِصْفُ شَهرٍ حتَّى تَعَلَّمْتُهُ له، قالَ: فلَمَّا تَعلمتُهُ كانَ إذا كتَبَ إلى يَهودَ كَتَبْتُ إليهم، وإذا كَتَبوا إليهِ قَرأْتُ لَهُ كِتَابَهمْ" رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتّرمذيُّ، وصحَّحهُ الألبانيُّ.
وفي يومِ غزوةِ الخندقِ اختارَ الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلمَ حُذيفةَ بنَ اليمانِ رضيَ اللهُ عنه لكيْ يَدْخُلَ في مُعَسْكَرِ قُريشٍ لِمعرفةِ أخبارِهم، وهيَ مُهمةٌ مِنْ أَخْطرِ مَهامِّ الاستخْباراتِ، فَنَجَحَ حذيفةُ رضيَ اللهُ عنه في دخولِ المُعسكرِ في وقتٍ قالَ عنهُ حذيفةُ: "فذَهَبتُ فدَخَلتُ في القَومِ، والرِّيحُ وجُنودُ اللهِ تَفعَلُ ما تَفعَلُ لا تُقِرُّ لهم قِدْرًا، ولا نارًا، ولا بِناءً، فقامَ أبو سُفْيانَ بنُ حَرْبٍ، فقال: يا مَعشَرَ قُرَيشٍ، لِيَنظُرَ امرُؤٌ مَنْ جَليسُه، فقال حُذَيفةُ: فأخَذتُ بيَدِ الرَّجُلِ الذي إلى جَنْبي، فقُلتُ: مَن أنتَ؟ قال: أنا فُلانُ بنُ فُلانٍ"
فهذهِ الواقعةُ أبلغُ دليلٍ على مَا كانَ يَتمتَّعُ بهِ حُذيفةُ رضي اللهُ عنهُ مِنْ سُرعةِ البَدَاهَةِ في المَواقفِ الحَرِجَةِ والمُفاجِئةِ، بحيثُ لا يَنْكشفُ أمرُهُ وهوَ في صُفُوفِ الأَعداءِ، ولو لمْ يَتَصرَّفْ بِمثلِ تِلكَ السُّرْعَةِ لَبَادَرَهُ جَلِيْسَهُ بِالسُّؤالِ: مَنْ أنت؟ ولَتَعرَّضَ لانِكشافِ أمرِهِ.
وفي يومِ أُحدٍ: "أخَذَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَيفًا فقال: مَن يَأخُذُ مِنِّي هذا؟ فبَسَطوا أيديَهُم، كُلُّ إنسانٍ منهم يقولُ: أنا، أنا، قال: فمَن يَأخُذُه بحَقِّه؟ قال: فأحجَمَ القَومُ. فقالَ سِماكُ بنُ خَرَشَةَ أبو دُجانةَ: أنا آخُذُه بحَقِّه. قال: فأخَذَه، ففَلَقَ به هامَ المُشرِكينَ" رواه مسلمٌ، وقدْ أَثْبَتَتْ أحداثُ المُعْرَكَةِ حُسْنَ اختِيارِ الرَّسُولِ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ لأبي دُجَانَةَ، فَقَدْ قَاتَلَ أبو دُجَانَةَ بهذا السّيفِ قِتالاً شَدِيْدَاً، وقامَ بِعَمَلٍ يَدُلُّ على الشجاعَةِ والفِدَائيةِ المُنْقَطِعَةِ النَّظيرِ؛ إذْ أَحَنَى ظَهْرَهُ على الرسولِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، وجَعَلَ مِنْ ظَهْرِهِ تِرْسَاً ودِرْعَاً تَحْمِيْهِ، فَكانَتْ سِهَامُ الأَعداءِ تقعُ فِيه.
وَكانَ أبو دُجانَةَ رضيَ اللهُ عنهُ أَحَدَ الأَرْبَعَةَ عشرَ رجُلاً الذينَ ثبتوا معَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّمَ يومَ أُحدٍ.
وفي مَجَالِ الخَطَابةِ والشِّعرِ؛ كانَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ يأمرَ ثابتَ بنَ قيسِ بنِ شمّاسٍ رضي اللهُ عنه أنْ يُجيبَ خُطَباءَ الوُفوْدِ بخُطَبِهِ، ويأمرَ حسانَ بنَ ثابتٍ رضيَ اللهُ عنه أنْ يجيبَ شُّعراءَهُمْ بِشِعْرِهِ، فكانَا خيرَ مَنْ يَرُدّا على أخَطَبِ الناسِ وَأَشْعَرِهم.
ولم يكنْ عليه الصلاةُ والسّلامُ يجامِلُ مَنْ يرى أنّه لا يَصْلُحُ لعملٍ أنْ يولّيهِ إياهُ، ولو كانَ مِنْ أحبِّ النّاسِ إليه، فعَنْ أبي ذرٍّ رضيَ اللهُ عنه قالَ: " قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ألا تَستَعمِلُني؟ قال: فضَرَبَ بيَدِه على مَنكِبي، ثُمَّ قال: يا أبا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعيفٌ، وإنَّها أمانةُ، وإنَّها يَومَ القيامةِ خِزيٌ ونَدامةٌ، إلَّا مَن أخَذَها بحَقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها" رواهُ مسلمُ. وقالَ لهُ مرّةً أخرى: " يا أبا ذَرٍّ، إنِّي أراك ضَعيفًا، وإنِّي أُحِبُّ لك ما أُحِبُّ لنَفسي، لا تَأمَّرَنَّ على اثنَينِ، ولا تَولَّيَنَّ مالَ يَتيمٍ" رواهُ مسلمٌ.
ولقد بيّنَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم للأمةِ درساً عظيماً في أنَّ كلَّ صاحبِ مِهنَةٍ أعلمُ بأمْرِها وشأنِ صلاحِها؛ فعن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه: "أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّ بقَومٍ يُلَقِّحونَ، فقال: لو لم تَفعَلوا لَصَلَحَ، قال: فخَرَجَ شِيْصَاً، فمَرَّ بهم فقال: ما لنَخلِكُم؟ قالوا: قُلتَ كَذا وكَذا، قال: أنتُم أعلَمُ بأمرِ دُنياكُم" رواه مسلمٌ.
باركَ اللهُ لي ولكم بالقرآنِ والسُّنةِ، ونفعنا بما فيهما مِنَ الآياتِ والحكمَةِ.
أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم مِنْ كُلِّ ذنبٍ وخطئةٍ إنَّه كانَ غفَّاراً.
الخطبةُ الثّانيَةُ
الحمدُ للهِ الوهّابِ، وهَبَ لكلِّ إنسانٍ مَوَاهِبَ تُمَيِّزُهُ عَنِ الأقرانِ والأصحابِ، وأشهدُ ألّا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له رَبُّ الأربابِ ومُسَبِّبُ الأسبابِ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسُلُه؛ آتاهُ اللهُ السُّنَّةَ والكِتابِ، وأيّدَهُ بالأَصحابِ والأقرابِ، صلى اللهُ وسلّمَ عليهِ وعلى آلِه وصحابتِه الأَحبابِ، وعلى التّابِعِيْنَ ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ وإيمانٍ إلى يومِ المآبِ.
أمّا بعدُ: فيا عبادَ اللهِ: اتقوا اللهَ: "وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"
معاشرَ المؤمنينَ: إنّ إسنادَ الأُمُورِ إلى أَهلِها مِنْ ذوي المواهِبِ والقُدُراتِ المُناسِبَة لها؛ يُطَمْئِنُ على نَجَاحِها، ويبرئُ الذَّمَةَ في تَوْلِيَةِ الأكفَاءِ؛ وهذا ما كانَ مِنْ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنه بعدَ مَشُوْرَةِ عمرَ بنِ الخطّابِ رضيَ اللهُ عنه عليهِ بجَمْعِ القرآنِ بَعْدَ استشهَادِ الصّحابَةِ في حروبِ اليمَامَةِ؛ إذْ استدعى زيدَ بنَ ثابتٍ رضيَ اللهُ عنه لهذِهِ المُهِمَّةِ؛ حيثُ قالَ أبو بَكْرٍ رضيَ اللهُ عنه: "إنَّكَ رَجُلٌ شابٌّ عاقِلٌ، ولا نَتَّهِمُكَ، كُنتَ تَكتُبُ الوحيَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فتَتَبَّعِ القُرآنَ فاجمَعْه. قالَ زيدٌ: فواللهِ لو كَلَّفَني نَقلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ ما كان أثقَلَ عليَّ ممَّا أمَرَني به مِن جَمعِ القُرآنِ" رواهُ البخاريُّ
وكانَ زيدٌ رضيَ اللهُ عنهُ أيضاً؛ أَحَدَ الأربعَةِ الذينَ اختارهم عثمانُ رضيَ اللهُ عنه لجمعِ القرآنِ في خلافَتِه، فَعَنْ أنَسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه: " أنَّ عُثمانَ دَعا زَيدَ بنَ ثابِتٍ، وعَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ، وسَعيدَ بنَ العاصِ، وعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، فنَسَخوها في المَصاحِفِ" رواهُ البخاريُّ.
هذه الكفاءَةُ الفَذَّةُ، والقُدُراتُ المُتَعَدِّدَةِ، جعلَتُه يتولّى مهَامّاً مُتَعَدِّدةً، وأَعْمَالاً حسَّاسَةً دَقِيْقَةً، وجَعَلَتْه مَحلَّ ثقةَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّم، وخلَفائهُ الرّاشدِينَ، فقدْ كانَ كاتِباً للوَحيِ، وعالماً بالفرائضِ، ومتَعَلِّماً لِلُغَةِ اليَهودِ تَحَدُّثَاً وكِتابَةً، وجامِعاً للقرآنِ ناسِخاً لهُ، ومِثلَ هذه الشَّخصيَّةِ المُتَعَدِّدَةِ المواهبِ والقُدُراتِ، يَتمَنَّاها كلُّ مسؤولٍ، ويَبْحَثُ عنها كلُّ قَائدٍ، ويَفْرَحُ بها كلُّ مُجْتَمَعٍ، إلّا أنَّ وجودَ أمْثَالِها قليلٌ؛ ليسَ بكثيرٍ، وعَزِيْزٌ غَيْرُ وفِيرٍ.
وغالبُ البَشَرِ عِنْدَهم قدُراتٌ مَحدُوْدَةٌ، ومَواهبُ مَحصُورَةٌ، فالذي ينبغي للمسلمِ؛ أنْ يَقِفَ عندَ قُدُرَاتِهِ، ومواهِبِهِ التي أعطاهُ اللهُ إياها، وأنْ يُوجِّهَ نفسَه للمجالِ الذيْ يَجدُ نفْسَهُ فيهِ، وأنْ يَحترِمَ التَّخصُّصَ الذي يُبْدِعُ فيه، وقديماً قالتِ العربُ: (رَحِمَ اللهُ امْرَءًا عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ)
وبعدُ عِبادَ اللهِ: تطويرُ القُدراتِ، وتنميةُ المواهِبِ، واكتسابِ المَعارِفِ؛ مِنَ الأعمالِ المشروعَةِ، والأمورِ المَحْمُودَةِ، بلْ هوَ مِنَ مُقوِّماتِ النَّجاحِ، ومُتطلَّباتِ الحياةِ، قالَ تعالى: "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" قالَ السَّعديُّ رَحمَه اللهُ: ( خَصَّ هذهِ الأَعْضَاءَ الثّلاثَةَ، لِشَرَفِهَا وفَضْلِهَا، ولأَنَّهَا مِفْتَاحٌ لِكُلِّ عِلْمٍ؛ فلا يَصِلُ للعبدِ عِلْمٌ إلّا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الأَبْوَابِ الثَّلاثَةِ، وإلَّا فَسَائرُ الأَعضَاءِ والقُوى الظَّاهِرَةِ والبَاطنةِ هوَ الذي أَعْطَاهُمْ إيَّاهَا، وَجَعَلَ يُنَمِّيْهَا فِيْهِمْ شَيئاً فَشَيْئاً إلى أنْ يَصِلَ كلُّ أَحَدٍ إلى الحَالَةِ الّلائِقَةِ بِه، وذلكَ لأَجلِ أنْ يَشْكُروا اللهَ بِاستِعْمَالِ مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ هذهِ الجَوَارِحِ في طَاعَةِ اللهِ؛ فَمَنِ اسْتَعْمَلَهَا في غِيْرِ ذَلكَ كانتْ حُجَّةً عليهِ وقَابَلَ النِّعْمَةَ بأقْبَحِ المُقَابَلَةِ)
هذا وصلّوا وسلّموا على رسولِ اللهَ ....
المرفقات
1776320558_ضع نفْسَكَ في المكانِ المناسبِ.docx