عسى وعسى الجزء الثاني
أمير محمد محمد المدري
عسى وعسى الجزء الثاني
الحمد لله المتفرِّدِ بالعظمة والبقاء والدوام، يكوِّر الليل على النهار، ويكوِّر النهار على الليل، ويصرّف الشهور والأعوام، لا إله إلا هو، الخلقُ خلقه، الأمر أمرُه، فتبارك ذو الجلال والإكرام، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وهو الغفور التواب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قدّر الأمور بإحكام، وأجراها على أحسن نظام.
إلهي:
ما في الوجود سواك رب يعبد كلا ولا مولى سواك فيقصدُ
يا من له عنت الوجوه بأسرها ذلا وكل الكائنات توحدُ
أنت الاله الواحد الفرد الذي كل القلوب له تَقِرُ وتشهدُ
فاللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وفرج همومنا.
وأشهد أن سيّدنا ونبيَّنا محمدًا عبد الله ورسوله، أفضل الرسل وسيّد الأنام، ختم الله به الرسل والأنبياء فكان مسك الختام.
يا من تحبون النبي محمدا صلوا عليه وسلموا طول المدى
فصلاتكم وسلامكم نورا لكم في أمسكم وبيومكم ولكم غدا
صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الأطهار وأصحابه الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا على الدوام.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته، فاتقوا الله وأحسنوا الظن فيه وفي قضائه، وابشروا برحمته وكرمه، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحديد: 28].
وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29].
عباد الله:
ما زلنا وإياكم مع "عسى" و"عسى"، تلك الحقيقة القرآنية التي تُقرر أن الأمر كله لله، وأن خيرة الله هي أحسن خيرة. تلك الحقيقة التي عنوانها:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
تلك الحقيقة التي تتلقاها النفوس الفزعة فتسكن وتطمئن، وتتلقاها النفوس الحائرة فتهتدي، وتتلقاها النفوس الخائفة فتستقر وتأمن، وتتلقاها النفوس اليائسة القانطة المحبطة، فإذا بشعاع الأمل يسري في كيانها.
حقيقة قرآنية نحتاجها في زمن كثرت فيه البلاءات والفتن وضيق المعاش. إنها بلسم الحياة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: 11].
يُرمى النبي ﷺ في عرضه الشريف الذي من أجله تراق الدماء، ومع ذلك يقول تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. تبكي عائشة رضي الله عنها المتهمة في عرضها، تبكي شهراً كاملاً ولا تكتحل بنوم، حتى تقول: "كاد البكاء فالقٌ كبدي"، ومع ذلك يقول تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أخي الكريم: قد يُبعد الله عنك الدنيا وأنت حريصٌ عليها وعلى مالها، حُباً فيك؛ لأنها قد تبعدك عنه، وتطغيك، قال تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7].
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير بقوله: سبني فلان، وأهانني فلان، وحسدني فلان، وما هو إلا فضل الله عز وجل".
فاختيار الله لك خير من اختيارك، ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
أيها الحبيب: ما منعك الله إلا ليعطيك، وما ابتلاك إلا ليعافيك، ولا أماتك إلا ليحييك، ولا أخرجك إلى هذه الدار إلا لتتأهب للقدوم عليه، وتسلك الطرق الموصلة إليه.
أخي الحبيب: قد تفقد ولدك فيموت صغيراً رحمة بك وبه. ففي سنن النسائي بسندٍ صحيح من حديث قرة بن إياس، قال: كان نبي الله ﷺ إذا جلس يجلس إليه نفرٌ من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة حزينا على ابنه، ففقده النبي ﷺ فقال: "ما لي لا أرى فلاناً؟" قالوا: يا رسول الله بُنيَّه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بُنيِّه؟ فأخبره أنه هلك فعزَّاه عليه ثم قال: «يَا فُلَانُ، أَيُّمَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ أَنْ تُمَتَّعَ بِهِ عُمُرَكَ، أَوْ لَا تَأْتِيَ غَدًا إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُ لَكَ؟» قال: يا نبي الله بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي؛ لهو أحبُّ إليَّ، قال: «فَذَاكَ لَكَ».
رُوي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أَجْرِنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا». قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ.
أيها المؤمنون:
ما نحن إلا عباد لله، نثق ونرضى ونصبر على قضائه وقدره. قِيلَ لِيَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَتَى يَبْلُغُ الْعَبْدُ إِلَى مَقَامِ الرِّضَا؟ فَقَالَ: إِذَا أَقَامَ نَفْسَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ فِي مُعَامَلَتِهِ مَعَ رَبِّهِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنْ أَعْطَيْتَنِي قَبِلْتُ، وَإِنْ مَنَعْتَنِي رَضِيتُ، وَإِنْ تَرَكْتَنِي عَبَدْتُ، وَإِنْ دَعَوْتَنِي أَجَبْتُ.
عباد الله:
عندما خرج المسلمون يوم بدر، كان الهدف عير قريش وتجارتها لا القتال، ولكن الله يريد أمرًا آخر وهو خير، فجعل القافلة تفلت، ليلتقي الفريقان والجيشان! وكان النصر الذي دوَّى في الجزيرة العربية ورفع راية الإسلام، وقال النبي ﷺ: «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ؛ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». فأين تكون القافلة من هذا الخير الضخم الذي أراده الله للمسلمين؟! فلا إله إلا الله القائل: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
حُكي عن ملك كان له وزير صالح يرضى دائماً بقضاء الله، فما كان يحدث أمر خيراً كان أو شراً إلا وحمد الله ورضي بقضائه قائلاً: "لعله خير". وذات مرة كان الملك يأكل بعضاً من الفاكهة، وجرح إصبعه السكين، فقال الوزير الصالح كلمته المعهودة: "لعله خير"، فغضب الملك كثيراً لهذا الأمر، وقال: أي خير في مكروه أصابني؟ فقد جرح السكين يدي وسال منها الدم الكثير، وأمر الملك بأن يُجرَّد الوزير من منصبه ويُزج به في السجن عقاباً له على فعلته.
وبعد أيام قليلة خرج الملك في رحلة صيد، وأنساه الصيد مرور الوقت فابتعد كثيراً عن بلده، ودخل في أرض تعبد النار، فلما رأوه أهل القرية أمسكوا به وقرروا تقديمه كقربان لآلهتهم، وكانت هذه عادة متبعة عندهم. ولما جردوه من ملابسه حتى يقذفونه في النار، رأوا الجرح الغائر في إصبعه فاستبعدوه وأخلوا سبيله، لأن من شروط القربان أن يكون سليماً معافى ليس به شائبة، واعتبروا الجرح في يده عيباً ونقصاً فيه لذا تركوه، فعاد إلى بلده وتذكر كلام الوزير "لعله خير"، وأن الخيرة فيما اختاره الله.
وأمر بأن يؤتى بالوزير ويعاد إلى منصبه، ولما رآه قال: لقد عرفت الخيرة فيما حدث لي، وأن الله اختار لي ما ينجيني من الموت، أما أنت فما هي الخيرة من دخولك السجن؟ فقال الوزير: لو لم أدخل السجن لكنت جئت معك في رحلة الصيد، وكنت سأكون أنا بديلك في النار. فأنا صحيح معافى، وكانوا سيتقربون بي لآلهتهم، وأحمد الله أني كنت في السجن حينها، فقد كان سجني خيرة اختارها الله لحمايتي من الوقوع في مثل هذا الموقف. وهذه القصة توضح مدى رحمة الله تعالى ورفقه بعباده، فهو دائماً يختار لهم الخير.
تأمل أخي الحبيب في قصة أم موسى حينما ألقت ولدها في لجة البحر واثقة بربها، فقد وعدها بعودته إلى أحضانها:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7].
فكان هذا بداية حياة أمة وهلاك طاغية، فهل كان أحد يتخيل ذلك وهي تلقي بولدها في لجة البحر؟ لكنها لحظات وجاء الفتح العظيم:
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: 13].
حكمةُ الله وخيرَةُ الله كانت تدخرُ لموسى ما هو أعظمُ من قصورِ الفرعون، وما هو أعظمُ من نعيمِ الترف، كانت تدخرُ له منصبَ الرسالة، وشرفَ النبوةَ، وأن يكلمَه ربُه بلا تُرجمان، وأن يكونَ من الخمسةِ الأوائلِ في تاريخِ البشريةِ كلِها، من أوليِ العزمِ من الرسل.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
---
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وأصحابه وجميع إخوانه.
أما بعد: عباد الله، تخيلوا معي: ماذا لو علم كل إنسان بالأمور التي ستحدث له في المستقبل؟ كيف ستكون نفسية ذلك الإنسان لو علم فرضاً أنه سيقع له حادث سيارة بعد شهر من الآن؟ أو أنه سيخسر كل أمواله ويصبح فقيراً بعد عشرين سنة؟ ما هو شعور الإنسان عندما يعلم أنه سيموت ابنه بعد عشر سنين؟ كيف ستكون حياة تلك المرأة التي تعلم أن زوجها سيتزوج عليها نهاية العام؟
لا إله إلا الله.. والله لو علم أحدنا بذلك لما طابت الحياة، ولا تلذذ الإنسان بطعام أو شراب، ولا تهنأ بنوم أو راحة أو سكينة، بل إن الحياة ستتوقف انتظاراً لهذا القادم خيراً كان أو شراً. فكان من رحمة الله بنا أن أختص نفسه بعلم الغيب المطلق، حتى ينطلق الإنسان في هذه الحياة متوكلاً على الله، وباذلاً ما يستطيع من الأسباب، وراضياً بما قدره الله وقضاه، قال تعالى:
﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65].
عباد الله:
إن ما يصيب أمتنا اليوم من اختلاف وتفرق، وتسلط العدو واحتلال الأرض وتدنيس المقدسات، وضعف الأمة وتأخرها، كل هذا فيه خير كثير:
1. فالأمة تحتاج إلى تمحيص وتمايز في الصفوف، فيظهر الإيمان من النفاق، والحق من الباطل، والخير من الشر.
2. لتفيق الأمة من غفلتها وتعود إلى دينها واتباع نبيها محمد ﷺ.
3. حتى تبذل الأمة من الأسباب المأمور بها شرعاً ما تستطيع.
ولن يكون بعد ذلك إلا النصر والتمكين. فأملوا بالله وثقوا به، واصبروا وأحسنوا الظن به، وقووا صلتكم به.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
اللهم اجعلنا من الصابرين الشاكرين، الراضين بقضائك، المتوكلين عليك. اللهم ارحم أمتنا، واجمع كلمتها على الحق، وانصرها على عدوها، واجعلنا ممن يقولون في كل ما يقع لهم: "لعله خير"، فيكون خيرًا لهم في عاجلهم وآجلهم.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المرفقات
1778337480_عسى وعسى الجزء الثاني.docx