عظموا بيوت الله 7/11/1447
أحمد عبدالعزيز الشاوي
الحمد لله نعمه علينا تترى وآلاؤه لانقدر لها حصرا ، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له شهادة أرجو بها ذخرا وأجرا ، واشهد أن محمدا عبده ورسوله أعظم الخلق شرفا وقدرا ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه ، والحمد لله الذي جعل بعد العسر يسرا ،
أما بعد : فياأهل الإسلام ـ اتقوا الله ومن يتق الله يعظم له أجرا
إذا اعترى المسلم هم وغم ، وكدر سعادته وأنسه هم الدين ، لجأ إليها ، وإذا ابتغى رفع الدرجات وتكفير السيئات مشى إليها ، وإن أراد القرب من الله عكف فيها ، ومن رام السلامة من الفتن ، وابتغى العصمة من الشكوك والظنون أطال البقاء فيها ، ومن كان ينشد ظل الله يوم لاظل إلا ظله علق قلبه فيها ..
إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره بدأ بها ، وضايق ابا أمامة رضي الله عنه الدين فأوى إليها ، وتخاصم علي مع فاطمة رضي الله عنهما فبات فيها
إنها بيوت الله وأحب البقاع إلى الله ، وأطهر ساحات الدنيا ، النفوس تتطهر فيها ، والمؤمن يجد راحته ويناجي مولاه ويتوجه إليه بالعبادة فيها ( وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا )
المساجد بيوت الله .. فيها يتعبد المتعبدون ، ويصلي المصلون ويعتكف المعتكفون ، ويتعلم المتعلمون ، ويتلاقى فيه أهل الحي ويتعارفون .. يأتي إليها العبد فتهدأ نفسه ويطمئن قلبه ويتسلل النور إلى فؤاده فيخرج من بيت الله منشرح الصدر باسم الثغر نشيطا طيب النفس ..
إن حضارة الإسلام التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتقوم إلا على المسجد ، ولا تصلح إلا بالمسجد ، ولا يكون لها نور إلا بالمسجد ـ فقد انطلقت معالم الإسلام من المسجد الذي كان أول شئ فعله بعد الهجرة .
يقول أحد المستشرقين " ما زال المسلمون في قوة مادام معهم القرآن والمسجد "
الدور الأول والأساسي للمساجد هو كونها داراً للعبادة ، لكن وظيفتها في عهد السلف الصالح كانت أكبر وأشمل
كانت تضج بالبكاء وتزدحم فيها حلق العلم والعلماء وتتعالى فيها أصوات التكبير والتسبيح والثناء وتلهج فيها الألسنة الصادقة بالدعاء .. يدخل إليها الداخل فيزداد إيمانه ويشتد في الحق بنيانه فأخرجت قادة الدنيا الذين غيروا وجه التأريخ ممن كانوا عبادا للحجر فأصبحوا قادة للبشر ، وكانوا رعاة للغنم فأصبحوا سادة للأمم ( إنما يعمر مساجد الله
كانت المساجد جامعة للعلم ومحكمة للحق ومركزا للتجمع ونقطة للانطلاقة ومكانا للعبادة ومركزا للقيادة وبرلمانا للسياسة .. تعقد فيه ألوية الجيوش وتستقبل فيه الوفود وتبرم فيه المعاهدات وتقام فيه الاجتماعات والمشاورات .. ولذا فلا عجب أن كان أول عمل قام به المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما وصل طيبة مهاجرا أن بدأ ببناء المسجد
إن المساجد ياعباد الله هي التي تؤاخي بيننا وتوحد شملنا وفيها تزول أضغاننا ، وتصفو قلوبنا
هذه هي بيوت الله التي قال عنها ربنا ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، وقال عنها رسولنا صلى الله عليه وسلم " أحب البقاع إلى الله المساجد
يقول الحسن البصري : " أيها المؤمن ، لن تعدم من المسجد إحدى خمس فوائد : أولها مغفرة من الله تكفر ما سلف من الخطيئة ، و ثانيها اكتساب رجل صالح تحبه في الله ، و ثالثها أن تعرف جيرانك ( الذين تقابلهم في المسجد فتتفقد مريضهم و فقيرهم ، و رابعها أن يكف سمعك وبصرك عن الحرام ، وخامسها أن تسمع آية تهديك ."
إنها بيوت الله فيها تتحقق الأخوة والمساواة والحرية الحقيقية وتنعدم فيها كل الفوارق الطبقية فليس لرأس على رأس ارتفاع ، ولا لوجه على وجه تمييز ، ومن ثم فليس لذات على ذات سلطان
لقد أدرك هذه الحقيقة رجال سمت نفوسهم وعلت أرواحهم وسلمت قلوبهم فكانوا رجالا لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار .. رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين .. رجال يعملون لدنياهم لكنهم إذا نادى منادي الله للصلاة تغيرت أحوالهم وانقلبوا إلى عالم آخر من الخشية والرهبة لله والشوق إلى لقائه وانطلقوا إلى بيته يركعون مع الراكعين كما قالت عائشة رضي الله عنها عن قدوتهم صلى الله عليه وسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمازحنا ونمازحه فإذا حضرت الصلاة كأنه لم يعرفنا
إنهم رجال يتطلعون إلى الظل الظليل يوم تدنو الشمس من الخلائق قدر ميل فتعلقت قلوبهم ببيوت الله شوقا وحبا وعكوفا وأنسا وراحة وروحا ..
إنهم المعلقة قلوبهم بالمساجد أسوتهم خير البشرية وهو يصارع الموت ويعالج السكرات فيغمى عليه فيكون أول أسئلته : أصلى الناس فإذا هم بالقيام لبيت الله رجع الإغماء والإعياء حتى إذا ماأفاق ووجد خفة خرج يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض شوقا وحبا لبيت الله
إنهم رجال المساجد أنسهم وروحهم في خطاهم إلى بيوت الله وانتظارهم للصلاة يبتغون رفع الدرجات وتكفير السيئات ( ألا أدلكم على مايمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات .. إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط ..
إنهم المعلقة قلوبهم بالمساجد يتطلعون إلى النزل العظيم من الرحيم الكريم ( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح )
إنهم رجال المساجد يسائلون أبناءهم عن حضور صلاة الجماعة ، ويؤدبونهم على التقصير فيها
بعث عبدالعزيز بن مروان ابنه عمر إلى المدينة يتأدب فيها وكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده ، وكان يلزمه الصلوات فأبطأ يوما عن الصلاة فقال : ماحبسك ، قال : كانت مرجلتي تسكن شعري ، فقال : بلغ من تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة ، وكتب بذلك إلى أبيه فبعث والده إليه رسولا ، فما كلمه حتى حلق شعره
هكذا كان الرجال الذين عرفوا للمساجد قدرها ، وهكذا يجب أن نكون ، فحين تنقطع الصلات بالمساجد تنقطع أواصر الإيمان ، وتجف ينابيع الحكمة ، وتعلو القلوب طبقات الران ، وتسيطر الدنيا ، وتفقد العبادة حلاوتها ونداوتها ، وتغدو جسما لاروح فيه وشكلا لاجوهر له ، وربما غدت حملا ثقيلا تئن تحت وطأته الأعضاء وتشفق من حمله الروح
ياأيها المؤمنون بالله : المساجد قد شيدت لكم ، وهيئت ، وبكل وسائل الراحة جهزت فاعمروها بالغدو لها والرواح ، والذكر فيها في المساء والصباح ، واعمروها بالصلاة فيها فرضا ونفلا ،
وحينما نعمر بيوت الله ونعيد لها مكانتها ودورها سيبطل كيد الكفار والمنافقين والذين يسعون إلى عزل الأمة عن بيت ربها وإشغالها بالتوافه والسفاهات ، ويريدون تهميش دور المساجد وتعطيل وظيفتها سالكين مسلك أسلافهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ..
لايصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح
من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح
اقول هذا القول ..
الخطبة الثانية أما بعد :
إن المسلم الذي يؤمن بالله ويعظم شعائر الله يجب عليه أن يعرف مالبيوت الله من حقوق وما لروادها من آداب
إن ملوك الدنيا لايسمحون ولا يرضون أن يساء الأدب في بلاطهم وقصورهم وبيوتهم ولا أن ترفع فيها الأصوات بحضرتهم ، ولا أن يكثر الضجيج في أماكن تواجدهم ، ولايرضون بحركة أو لفظة غير مسؤولة عندهم ، فبيوت الله أولى بالاحترام والتعظيم والتقديس ( في بيوت أذن الله أن ترفع .. ) فلاتكن المساجد عندكم أوهن البيوت ولا أهونها
إنه واجب على قاصد بيت الله أن يراعي آدابه وأن يتعلم أحكامه ليفهم مايوافق قدسيتها وما يعد مناقضا لمكانتها ، فلا يصح فيها رفع الصوت ولو في قراءة القرآن فكيف بالنغمات الموسيقية والرنات الغنائية
المساجد بيوت الله وروادها ضيوفه فلاتؤذوا ضيوف الله بالروائح الكريهة ولا بحجز الأماكن لكم او لغيركم ولا بتخطي الرقاب وايذاء المصلين فالذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير مااكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثما مبينا
بيوت الله يجب أن تحترم ويحترم قاصدوها من المصلين والذاكرين ومن رواد الحلقات فلايجوز إيذاؤهم أو التضييق عليهم أو تتبع زلاتهم والتدقيق في هفواتهم
بيوت الله بنيت لتجمع لالتفرق ، فليس من الأدب أن تتحول إلى ساحة خلافات وتسوية حسابات ومحل نزاعات فما أكثر مانشأت عداوات وتفرق بسبب تكييف أو صوتيات ، وكم كانت مساجد محلا للانتقادات بلا هدف ، وكم من قائل قد أطال الإمام أوقصر ، وقائل قد أجاد أوقصر ، وكم ترك أناس مسجدهم فرارا من كثرة التحريش فاحفظوا لبيوت الله أدبها وحقها ولاتختلفوا فتختلف قلوبكم فوقت الصلاة يسير لايستحق النزاع وكثرة التدبير
قاصد بيت الله أنموذج للرقي في السلوك والتعامل فهو يحب لغيره مايحب لنفسه فلايرضى مايشاهد من تكدس الأحذية عند الأبواب بصورة فوضوية فيتعثر بها مسن أو معاق ..
علموا أبناءكم حرمة بيوت الله ومرافقها واغرسوا فيهم آدابها ووجوب نظافتها فلايصح ان تتحول الى ساحة مطاردات وارتفاع أصوات وليكن حرصنا عليها كحرصنا على بيوتنا أو أشد حرصا
بيوت الله مكان رحمة وهداية ، وقاصدها يتربى فيها على حب الخير للغير ، فما بال أقوام يقصدون بيوت الله ويؤذون عباد الله بالتضييق على جيرانها وإغلاق ابوابهم والوقوف بطريقة مخالفة فيها خطر وأذى
تعظيم بيوت الله هو تعظيم لله ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب
هذا وصلوا ...
المرفقات
1778040691_عظموا بيوت الله.doc