علمتنا أحد 15-10-1447

أحمد عبدالعزيز الشاوي
1447/10/14 - 2026/04/02 14:13PM

الحمد لله العلي الأعلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك اله، خلق فسوى وقدر فهدى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي الذي بشر وأنذر ووقی صلی الله عليه وعلى آله وأصحابه أسود الشری وفرسان الوغی وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد: فإن خير ما يوصى به تقوى الله فاتقوا الله عباد الله

ستون آية سطرت أحداثها وشخصت الداء ورسمت معالم الدواء

ستون آية صورت ذلك الحدث الأليم.. حيث الشدة بعد الرخاء والبلاء بعد العطاء .. حدث يجسد التفرد والبهاء، والبذل والعطاء، والمحبة والولاء، والمحنة والبلاء.

ستون آية خلاصتها ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم .. ) نصر ثم معصية وتنازع أعقبه فشل وهزيمة

وعَلى سُفُوحِ جبل أحد.. كانَتْ واحِدَةٌ مِنْ مَعَارِكِ الإِسْلامِ مَعَ الكُفْر ــ غَزْوَةُ أُحُدٍ ــ حَفِظَتِ السِّيْرَةُ أَحْدَاثَها، وفَصَّلَ القُرآنُ وَقَائِعَها، وبَيَّنَتِ الآياتُ عِبَرَها

هي الغزوة التي اجتمع فيها النصر والهزيمة، وظهر فيها النفاق بأظهر علاماته وأجلى صفاته، وبرز فيها الإيمان وما يفعله في النفس البشرية من الاستعلاء على الشهوات والإخلاص لرب الأرض والسماوات .

أحد درس تعلم منه المسلمون أسباب النصر و عوامل الهزيمة

بدأت أحداث أحد منذ أن أصيبت قريش يوم بدر في عظمائها وجرحت في كبريائها ..ومنذ ذلك الوقت وقلوب الكفار تغلي حقدا وحنقا على المسلمين، فعبأت قريش قوتها وكونت تحالفا جديدا مع قبائل لم تكن مكلومة لكن ملة الكفر واحدة (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) .. ووافت مشارف المدينة في منتصف شوال من السنة الثالثة للهجرة.

ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمسيرهم استشار أصحابه فكانوا فريقين ، فأخذ برأي الأغلبية والتي ترى الخروج لمقاتلتهم وليس لامته، ولما رأى الأنصار أنهم ربما أحرجوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله شأنك إذن، فقال مقولته التي يرسم فيها منهج الثبات على المبدأ وعدم التراجع عن الرأي بعد العزيمة : ما ينبغي لنبي إذا ليس لأمته أن يضعها حتى بقاتل

نزل رسول الله الشعب من أحد وجعل ظهره وعسكره إلى الجبل وانتقى خمسين راميا وأمر عليهم عبدالله بن جبير ووضعهم أعلى الجبل وقال لهم : احموا ظهورنا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا ، لانؤتين من قبلكم،

لانؤتين من قبلكم نرددها اليوم لمن حملوا راية الدعوة والتعليم وتربية الأجيال فالأمة اليوم أحوج إلى مزيد من البذل والعطاء لاإلى التراخي والغثاء

التحم الجيشان وتعانقت السيوف وأبلى كثير من المسلمين في هذا اليوم بلاء حسنا واظهروا من البطولات ما أعجز المشركين، واشتدت المعركة ثم أنزل الله نصره على المؤمنين ، وكانت الهزيمة للمشركين، وتطلع إلى الغنائم كثير من الرماة فتركوا أماكنهم فكانت بوادر الهزيمة.

انطلق الرماة يجمعون الغنائم ولم يثبت منهم سوى عشرة مع أميرهم ، فاغتنم خالد بن الوليد الفرصة فشد على بقية الرماة فقتلهم واندفع بخيله في ظهور المسلمين وأخذوهم على غرة وهنا دارت الدائرة على المسلمين ووقع الاضطراب في صفوفهم وولوا مدبرين (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون )

وتنكشف المعركة عن صور أليمة ومشاهد مبكية ونهاية حزينة فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كسرت رباعيته وجرحت شفته وشج في جبهته وأدمي وجهه ورماه ابن قمئه فجرح وجنته ودخلت حلقتان من المغفر فيها ووقع عليه السلام في حفرة فأغمي عليه.

وأما أصحابه فقتل منهم سبعون من كبارهم وخيارهم ومثل بهم فبقرت بطونهم وقطعت أنوفهم وآذانهم كحمزة وعبدالله بن جحش وعمرو بن الجموح وغيرهم. -

وبهذا يسدل الستار على نكسة أحد بعدما شهدت صورا راقية من الشجاعة النبوية والتي تعجز عن بعضها قيادات العالم كلها. أسدل الستار على أحد بعدما شهدت مواقف رائعة في البذل والتضحية فداء لدين الله ودفاعا عن رسول الله . .

طويت صفحة احد بعدما أبرزت صورة من الهمم العالية والنفوس الأبية لشباب وشيوخ ونساء ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه

في هذه المعركة قاتل عمرو بن الجموح وهو شيخ أعرج وهو يقول: والله لأقحزن عليها في الجنة» .

وفيها يقول أنس بن النضر وهو يقاتل : الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من وراه أحد

إنها المعركة التي يخرج إليها حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة وهو جنب .

أسدل الستار على معركة أحد بعدما تعلم المسلمون منها دروسا وعبرا

تعلموا منها أن المعصية وإن صغرت فهي تجر على الأفراد والأمم ويلات ونكبات، وأنها وإن وقعت من أفراد الأمة فإن الخلل بعمها جميعا ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب )

لقد كان ذنب الرماة اجتهادا فأدى إلى ما أدى، فكيف ترتقب الامة في هذا الزمن تصرا وهي تعصي الله وتخالف أمره وأمر رسوله  في عظائم الأمور (وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)

علمتنا أحد أننا مهما امتلكنا من عدد وعدة فلن تغني عنا شيئا إذا تخلى الله عنا ، ولن يتخلى عنا إلا إذا تخلينا عن شريعته ( إن ينصركم الله فلاغالب لكم ..

لقد علمتنا أحد أن التصرفات والاجتهادات الفردية في مقابلة النص تجر على الأمة المصائب والمحن، والأمة التي تغلب على افرادها وطوائفها النزعات الفردية النافرة لا تنجح في صدام بل ولا تشرف نفسها في حرب أو سلام

في أحد رأى المسلمون ثمار التوكل على الله والثقة به وشاهدوا آثار التطلع إلى الدنيا والرغبة في أعراضها وشهواتها.

في أحد درس في العزة والإباء والشموخ حتى مع القرح والألم فبعد نهاية المعركة والنبي صلى الله عليه وسلم  في حالة من الإعياء والنصب والدماء تنزف من جسده الشريف يشاهد جماعة من المشركين فيهم خالد بن الوليد على ظهر الجبل فقال: «لا ينبغي لهم أن يعلونا، ثم أرسل إليهم عمر بن الخطاب في رهط من المهاجرين فقاتلوهم حتى أهبطوهم من الجبل.

في أحد تجلت المحبة الحقيقية لهذا الدين ولرسول رب العالمين وذلك من خلال مواقف سامية في البذل والعطاء لرجال ونساء ..فهذا طلحة بن عبيد الله يتقي السهام بيده عن رسول الله ، حتى شلت أصابعه، وأبو طلحة يسور نفسه بين يدي الرسول ويقول: إني جلد يارسول الله فوجهني في حوائجك ومرني بما شئت.

وأبو دجانة يحني ظهره على رسول الله ، والنبل يقع عليه حتى كثرت به الجراح. ونسيبة بنت كعب تذب بالسيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جرحت جروحا غائرة، وإن تعجب فعجب هذا الموقف المؤثر : بعد المعركة يقول صلى الله عليه وسلم : من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع فقال رجل من الأنصار أنا، فخرج يطوف في القتلى حتى وجد سعدا في الرمق الأخير فناداه فلم يجبه ، ثم قال له : إن رسول الله أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات. قال : إني في الأموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وقل إن سعد، يقول: جزاك الله عني خير ما جزى نبيا عن أمته وإني أجد ريح الجنة وأبلغ قومك مسني السلام وقل لهم : إن سعدا يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف ثم مات رضي الله عنه .

وازدد عجبا من ذلك الموقف -

يعود المسلمون إلى المدينة يحملون أخبار المأساة وتقابلهم امرأة من بني دينار فتل ابوها واخوها وزوجها فنعوهم إليها. فلا والله ما صرخت ولا ندبت، ما ضربت الخدود ولا شقت الجيوب، ولا ذرقت منها دمعة وإنما قالت: ما فعل رسول الله ؟ قالوا: هو بخير يا أم فلان . قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته واطمأنت قالت: يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل أي هينة

وعند هذه المواقف بكل البنان ويعجز عن الحديث اللسان فالله المستعان على حال أهل هذا الزمان أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه

 

 

الخطبة الثانية  أما بعد:

وأخيرا فقد علمتنا أحد أن دين الله منصور بنصر الله، باق بحفظ الله، وأن بقاءه وعزه ليس مربوطا بأفراد أو جماعات أو حركات أو حكومات ودول. حتى ولو كان رسول الله

في أثناء معركة أحد أشيع خبر عن مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصاب المسلمين الارتباك والحيرة فترك بعضهم القتال وأصابهم اليأس والإحباط فمر بهم أنس بن النضر فقال لهم ما يحبسكم قالوا : قد قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فما تصنعون بالحياة بعده موتوا على ما مات عليه ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل. وأنزل الله ( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل ....

إن المسلم لا يجوز له أن نربط هذا الدين بالأشخاص وجودا وعدما فكم لدين الله من أنصار، وإن مات قائد خلفه ألف قائد وكم لله من خطيب وداعية، وكم لدينه من حماة وأمة راعية ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون

أيها المسلمون: وفي الغزوة وقف صلى الله عليه وسلم وتوجه إلى الله الذي بيده كل شيء بالدعاء والثناء على ما نالهم من الجهد والبلاء فقال فيما رواه أحمد لأصحابه استووا حتى أثني على ربي عز وجل فصاروا خلفه صفوفا ثم دعا بهذه الكلمات التي ندعو بها نحن اليوم، وقال ونحن نقول: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما باعدت ولا مبعد لما قاربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين والحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.

اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق.

ويسدل الستار على أحد بمأساتها وأحزانها وبدروسها وعبرها ، فهل توقف المشهد عند ذلك ؟ كلا فالكريم يظل كريما والعزيز يبقى عزيزا ، وتستجد أحداث عجيبة يسطرها قوم صدقوا ماعاهدوا الله عليه ، نكشفها في جمعة قادمة بإذن الله

أيها المسلمون صلوا وسلموا على الرحمة المهداة

 

المرفقات

1775128437_علمتنا أحد.doc

المشاهدات 131 | التعليقات 0