فضائل عشر الحجة- منتصف العشر

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا
من يهده الله فلا مضل له // ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ آل عمران [102]
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ۝﴾ النساء [1]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الأحزاب [70، 71]
أما بعد

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَاضَلَ بَيْنَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَاخْتَصَّ مِنَ الْأَزْمِنَةِ مَوَاسِمَ تُضَاعَفُ فِيهَا الْحَسَنَاتُ، وَتُرْفَعُ فِيهَا الدَّرَجَاتُ، وَتُقَالُ فِيهَا الْعَثَرَاتُ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الْمَوَاسِمِ، عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ الْمُبَارَكَةَ، الَّتِي أَعْلَى اللَّهُ شَأْنَهَا، وَأَقْسَمَ بِهَا فِي كِتَابِه، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾.
وَمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ إِلَّا لِعِظَمِ شَأْنِهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» رواه البخاري
فَهِيَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، اجْتَمَعَتْ فِيهَا أُمَّهَاتُ الْعِبَادَاتِ، مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَصَدَقَةٍ وَذِكْرٍ وَحَجٍّ وَنَحْرٍ.
جَاءَتْ هَذِهِ الْمَوَاسِمُ الْعَظِيمَةُ، لِتُخْرِجَ الْقُلُوبَ مِنْ غَفْلَتِهَا، وَتَرُدَّهَا إِلَى رَبِّهَا.
فَيَا سَعَادَةَ مَنْ أَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ مُخْبِتٍ، وَيَا خَسَارَةَ مَنْ أَدْرَكَ الْمَوَاسِمَ وَخَرَجَ مِنْهَا مَحْرُومًا.
وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يَرْفَعُ الْحُجَّاجُ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ"،
وَكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَنَا لَكَ يَا رَبِّ، مُسْتَجِيبٌ لِأَمْرِكَ، مُقْبِلٌ عَلَيْكَ، تَارِكٌ مَا سِوَاكَ، وَفِي زِحَامِ الْحَجِّ وَاخْتِلَاطِ الْخَلْقِ، يَتَعَلَّمُ الْحَاجُّ الصَّبْرَ وَالْحِلْمَ وَكَظْمَ الْغَيْظِ، فَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْخُصُومَاتِ، وَلَا يُؤْذِي مُسْلِمًا، وَلَا يُقَابِلُ الْخَطَأَ بِالْخَطَأِ، لِأَنَّ الْحَجَّ لَيْسَ مَنَاسِكَ تُؤَدَّى فَقَطْ، بَلْ تَرْبِيَةٌ لِلنُّفُوسِ عَلَى حُسْنِ الْخُلُقِ وَتَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ.
وَمَا أَحْوَجَنَا ـ عِبَادَ اللَّهِ ـ إِلَى صِدْقِ الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ، وَتَجْدِيدِ الْعَهْدِ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاسِمِ الْعَظِيمَةِ.
يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَيَّامٌ تَمْضِي، وَصُحُفٌ تُطْوَى، وَأَنْفَاسٌ تُعَدُّ، وَالسَّعِيدُ مَنِ اغْتَنَمَ مَوَاسِمَ النَّفَحَاتِ، فَالْعُمْرُ مَحْدُودٌ، وَالْأَعْمَارُ تُطْوَى، وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ نَوَى وَلَمْ يَفْعَلْ، كَمْ مِنْ أُنَاسٍ اسْتَقْبَلُوا هَذِهِ الْعَشْرَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، وَهُمْ الْيَوْمَ تَحْتَ الثَّرَى، يَتَمَنَّوْنَ تَسْبِيحَةً أَوْ تَهْلِيلَةً أَوْ رَكْعَةً.
فَاللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ هَذِهِ الْعَشْرَ آخِرَ عَهْدِنَا بِالدُّنْيَا إِلَّا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا،
فَاغْتَنِمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ هَذِهِ الْأَيَّامَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، وَبَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ وَالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ، عِبَادَةُ الصِّيَامِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ.
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يُعَظِّمُونَ صِيَامَ أَيَّامِ الْعَشْرِ، لِمَا فِيهَا مِنْ عِظَمِ الْأَجْرِ وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».
وَقَدْ قَالَ ﷺ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».
فَمَا ظَنُّكُمْ ـ عِبَادَ اللَّهِ ـ بِصِيَامٍ فِي أَفْضَلِ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَأَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ؟
وَأَعْظَمُ ذَلِكَ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، الَّذِي يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ.
عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، تَعْظِيمَ شَعَائِرِ اللَّهِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾
وَمِنْ تَعْظِيمِهَا، الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ.
قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هِيَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ»
فَأَحْيُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ سُنَّةَ التَّكْبِيرِ فِي بُيُوتِكُمْ وَمَسَاجِدِكُمْ وَأَسْوَاقِكُمْ، فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمَةِ.
وَمِنْ أَشْهَرِ صِيَغِ التَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَيُشْرَعُ التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ الْعَشْرِ.
وَيُشْرَعُ التَّكْبِيرُ الْمُقَيَّدُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ وَفِي هَذِهِ الْعَشْرِ يَوْمُ عَرَفَةَ، الْيَوْمُ الْمَشْهُودُ، وَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَصِيَامُهُ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ.
وَفِي الْعَشْرِ أَيْضًا يَوْمُ النَّحْرِ، أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ، وَفِيهِ شَعِيرَةُ الْأُضْحِيَّةِ،
قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ﴾
فَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ تَعْظِيمُ اللَّهِ وَإِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لَهُ، لَا الرِّيَاءُ وَلَا الْمُفَاخَرَةُ وَلَا الْمُبَاهَاةُ.
وَبَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ الَّتِي تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ هِيَ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ بِأَنْوَاعِهَا،
وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنِ الرَّجُلِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْبَعِيرُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ.
وَيَنْبَغِي لِلْمُضَحِّي أَنْ يَتَخَيَّرَ أُضْحِيَّتَهُ، وَأَنْ يَحْرِصَ عَلَى طِيبِهَا وَحُسْنِهَا وَسِمَنِهَا، وَكُلَّمَا كَانَتْ أَنْفَسَ عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَغْلَى ثَمَنًا مَعَ الْقُدْرَةِ، كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ فِي الْأَجْرِ.
فَلْيُقَدِّمْهَا الْمُسْلِمُ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، منشرحا صدره، مُبْتَغِيًا بِهَا وَجْهَ اللَّهِ.
فَإِنَّ الْأُضْحِيَّةَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ الْمَالِيَّةِ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ.
وَمِنْ شُرُوطِهَا أَنْ تَكُونَ سَالِمَةً مِنَ الْعُيُوبِ الْبَيِّنَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِي…» فَذَكَرَ الْعَوْرَاءَ وَالْمَرِيضَةَ وَالْعَرْجَاءَ وَالْعَجْفَاءَ
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا أَظْفَارِهِ شَيْئًا مِنْ دُخُولِ الْعَشْرِ حَتَّى يُضَحِّيَ.
عِبَادَ اللَّهِ وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ الْمُبَارَكَةِ، مَا خَصَّهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ خِدْمَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَقَاصِدِيهِمَا.
وَمَا نَرَاهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ تَنْظِيمٍ وَأَمْنٍ وَخِدْمَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ لِضُيُوفِ الرَّحْمَنِ فَهُوَ بَعْدَ تَوْفِيقِ اللَّهِ ثُمَرَةُ جُهُودٍ عَظِيمَةٍ تُبْذَلُ لَيْلًا وَنَهَارًا.
فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُجْزِيَ خَيْرَ الْجَزَاءِ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَسُمُوَّ وَلِيِّ عَهْدِهِ الْأَمِينِ عَلَى مَا يَبْذُلَانِهِ فِي خِدْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ.
وَنَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَحْفَظَ رِجَالَ الْأَمْنِ وَالْعَامِلِينَ فِي خِدْمَةِ الْحُجَّاجِ وَالْكَوَادِرَ الصِّحِّيَّةَ وَجَمِيعَ مَنْ سَهِرَ عَلَى رَاحَةِ ضُيُوفِ الرَّحْمَنِ.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾التوبة [119]
أَمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمُوَفَّقَ مَنْ عَرَفَ قَدْرَ هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَعَمَرَهَا بِالطَّاعَاتِ.
فَلَا تُضَيِّعُوهَا بِالْغَفْلَةِ وَاللَّهْوِ وَكَثْرَةِ الْأَسْوَاقِ، وَلَا بِالتَّفَاخُرِ وَالْمُبَاهَاةِ، وَلَا بِالْمَعَاصِي وَالسَّيِّئَاتِ.
فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ تَعْظُمُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾.
عِبَادَ اللَّهِ، كُلُّ سَاعَةٍ مِنَ الْعُمُرِ إِنْ لَمْ تُقَرِّبْكَ مِنَ اللَّهِ أَبْعَدَتْكَ، وَالْأَيَّامُ تَمْضِي سَرِيعًا، وَالْمَوَاسِمُ تَنْقَضِي، وَالسَّعِيدُ مَنْ خَرَجَ مِنْ دُنْيَاهُ وَاللَّهُ رَاضٍ عَنْهُ.

فَأَكْثِرُوا فِي هَذِهِ الْعَشْرِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالصَّدَقَةِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ.
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً صَادِقَةً، فَمَا أَجْمَلَ التَّائِبَ وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ فِي أَحَبِّ الْأَيَّامِ إِلَى اللَّه.
وَأَصْلِحُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ مَا بَيْنَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَأَطْفِئُوا خُصُومَاتِكُمْ، فَكَمْ مِنْ قَاطِعٍ لِرَحِمِهِ، وَكَمْ مِنْ مُتَشَاحِنَيْنِ فَرَّقَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمَا،
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِرْمَانِ، أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْكَ مَوَاسِمُ الْمَغْفِرَةِ وَقَلْبُكَ مَمْلُوءٌ بِالشَّحْنَاءِ وَالْبَغْضَاءِ، فَبَادِرُوا بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالصُّلْحِ، فَإِنَّ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَسْرَعُهُمْ إِلَى الْإِصْلَاحِ.
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَوَفِّقْنَا لِلْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ.
وَأَحْيُوا شَعِيرَةَ التَّكْبِيرِ فِي بُيُوتِكُمْ وَمَجَالِسِكُمْ وَمَعَ أَهْلِيكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ،
فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمَةِ.
عِبَادَ اللَّهِ، هَذِهِ أَيَّامٌ عَظِيمَةٌ، فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا بِالْغَفْلَةِ.
وَلَا تَجْعَلُوا نَصِيبَكُمْ مِنْهَا الطَّعَامَ وَاللَّهْوَ، بَلْ عَمِّرُوهَا بِالذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ وَالصَّلَاةِ وَالْقُرْآنِ وَصَالِحِ الْأَعْمَالِ.
ثُمَّ اعْلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ الْمُسَبِّحَةِ بِقُدْسِهِ، وَثَلَّثَ بِكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ إِنْسِهِ وَجِنِّهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾.
وقال -- : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بهَا عَشْرًا".
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ،
وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَ الْحُجَّاجِ حَجَّهُمْ، وَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ.
اللَّهُمَّ تَبْ عَلَيْنَا تَوْبَةً نَصُوحًا.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَأَمْنَهَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَأَدِمْ عَلَيْنَا الْأَمْنَ وَالْإِيمَانَ وَالِاسْتِقْرَارَ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَأَيِّدْ بِالْعِزِّ وَالتَّمْكِينِ وَالنَّصْرِ الْمُبِينِ عَبْدَكَ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسُمُوَّ وَلِيِّ عَهْدِهِ الْأَمِينِ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْهُمَا فِي صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ، وَاجْزِهِمَا عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَعَنْ خِدْمَةِ الْحَرَمَيْنِ وَضُيُوفِ الرَّحْمَنِ خَيْرَ الْجَزَاءِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ رِجَالَ الْأَمْنِ وَجَمِيعَ الْقَائِمِينَ عَلَى خِدْمَةِ الْحُجَّاجِ، وَاجْزِهِمْ خَيْرَ الْجَزَاءِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفِتَنِ وَالشُّرُورِ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا الْأَمْنَ وَالْإِيمَانَ وَالرَّخَاءَ وَالِاسْتِقْرَارَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَيَسِّرْ أُمُورَنَا، وَبَلِّغْنَا فِيمَا يُرْضِيكَ آمَالَنَا.
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِذُرِّيَّاتِنَا وَأَزْوَاجِنَا، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ رِضَاكَ وَالْجَنَّةَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ سَخَطِكَ وَالنَّارِ.
اللَّهُمَّ مَا سَأَلْنَاكَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ مَسْأَلَةٍ صَالِحَةٍ، فَاجْعَلْ لَنَا أَوْفَرَ الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ مِنْهَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ تُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا دُعَاءَنَا وَصَالِحَ أَعْمَالِنَا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ البقرة [286]
﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
عباد الله ﴿ ۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ النحل [90]
فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَليِلَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

المرفقات

1779047166_فضائل عشر الحجة- منتصف العشر.docx

1779047166_فضائل عشر الحجة- منتصف العشر.pdf

المشاهدات 245 | التعليقات 0