في بُيوتٍ أذِنَ اللهُ أن تُرفع

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ الَّذي شرحَ صدورَ المؤمنينَ لطاعتِه، وسلكَ بهم سبيلَ مرضاتِه، أحمدُه حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وأصحابِه وأزواجِه وذريَّتِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، وامتثلوا أمرَ ربِّكم القائلِ سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

أيها المسلمون: حين أقبلَ نبيُّنا ﷺ على المدينةِ لم يكن يحملُ مشروعَ إقامةِ جدرانٍ ولا تشييدِ عمرانٍ، وإنَّما كان يحملُ رسالةً تُقيمُ القلوبَ قبلَ أن تُقيمَ البنيانَ. فلم يبدأ بسوقٍ يُدِرُّ الربحَ، ولا بقصرٍ يُشيعُ الهيبةَ، بل اتَّجه أولَ ما اتَّجه إلى موضعٍ يُوصِلُ به الأرضَ بالسماء… إلى المسجدِ. هناك حيث تُوضَعُ أولُ لبنةٍ في بناءِ الأمةِ، وتُرسَمُ أولُ معالمِ الهويةِ، وتُغرَسُ أولُ جذورِ الإيمانِ؛ قام المسجدُ شاهدًا على أنَّ هذا الدينَ إنما يُبنى من المحرابِ، ويُحفَظُ بقلوبٍ تعمُرُ بذكرِ اللهِ. وكأنَّ النبيَّ ﷺ يُعلِّمُ الدنيا درسًا لا يَبلى: أنَّ الأمةَ التي تُقيمُ مساجدَها إنما تُقيمُ ذاتَها، وأنَّ القلوبَ التي تعلَّقت ببيوتِ اللهِ لا تتيهُ في طرقِ الحياةِ، ولا تضلُّ في زحامِها.

فيا أيها المؤمنون: إذا كان أولُ عملٍ في فجرِ الدولةِ هو بناءُ المسجدِ، فكيف تكونُ منزلتُه في حياتِنا؟ وكيف يكونُ قدرُه في قلوبِنا؟

المساجدُ بيوتُ اللهِ، أضافها لنفسِه تشريفًا وتكريمًا، وأكثرَ من ذكرِها، عُمَّارُها هم صفوةُ الخلقِ من الأنبياءِ وأتباعِهم، قال اللهُ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾، وهي أحبُّ البقاعِ إلى اللهِ، قال ﷺ: «أحبُّ البلادِ إلى اللهِ مساجدُها».

ولأنَّ المسجدَ منطلقُ السعادةِ ومهوى الطمأنينةِ؛ كان النبيُّ ﷺ إذا قدم من سفرٍ بدأ به، فصلَّى ركعتين، ليكونَ افتتاحُ رجوعِه بيتَ ربِّه.

بناؤها قُربةٌ وعبادةٌ، ووعدَ اللهُ من بناها بالجنةِ، قال ﷺ: «من بنى مسجدًا لله بنى الله له في الجنة مثلَه».

 

ومن قصد المسجدَ فـ«له بكلِّ خطوةٍ يخطوها حسنةٌ، ويرفعُه بها درجةٌ، ويحطُّ عنه بها سيئةٌ». بل إنَّ رجوعَه منها لا يقلُّ فضلًا عن ذهابِه، ففي كلِّ ذهابٍ وإيابٍ فيضٌ من الأجورِ، قال رجلٌ للنبيِّ ﷺ: أريدُ أن يُكتبَ لي ممشايَ من المسجدِ ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي، فقال ﷺ: «قد جمعَ اللهُ لك ذلك كلَّه».

ومن معالمِ الرباطِ التي تُزكِّي النفوسَ وترفعُ الدرجاتِ: كثرةُ الخُطا إليها وانتظارُ الصلواتِ فيها، قال ﷺ: «ألا أدلُّكم على ما يمحو اللهُ به الخطايا ويرفعُ الدرجاتِ؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: إسباغُ الوضوءِ على المكارهِ، وكثرةُ الخطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ، فذلكم الرباطُ فذلكم الرباطُ».

ومن أسبابِ مغفرةِ الذنوبِ: المشيُ إليها، قال ﷺ: «من توضَّأَ للصلاةِ فأسبغَ الوضوءَ ثمَّ مشى إلى الصلاةِ المكتوبةِ، فصلَّاها مع الناسِ أو مع الجماعةِ أو في المسجدِ غفرَ اللهُ له ذنوبَه».

وفي غدوِّ العبدِ إلى المسجدِ ورواحِه وعدٌ كريمٌ من اللهِ، قال ﷺ: «ومن غدا إلى المسجدِ أو راحَ، أعدَّ اللهُ له في الجنةِ نُزُلًا كلما غدا أو راحَ». ومن كان بيتُه بعيدًا عن المسجدِ ومشى إليهاكان أجرُه أعظمَ، فبُعدُ الطريقِ هنا زيادةٌ في الرصيدِ وجسرٌ نحو الدرجاتِ العُلى، قال ﷺ: «وأعظمُ الناسِ أجرًا في الصلاةِ أبعدُهم فأبعدُهم ممشًى».

الصفوفُ الأولى فيها ميادينُ سبقٍ، يتنافسُ إليها أهلُ الهممِ، ويترقَّبُها الصالحون، قال ﷺ: «لو يعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأولِ ثمَّ لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا».

عمَّارُ المساجدِ هم خِيرةُ الناسِ وصفوتُهم، شهد لهم ربُّهم بالإيمانِ وزكَّاهم بعمارةِ بيوتِه فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾.

وأثنى عليهم سبحانه بالطاعةِ، فرفع قدرَهم، وزكَّى وصفَهم، وجعلهم في عدادِ الرجالِ حقًّا؛ رجالٌ عصمهم من فتنةِ الدنيا، فلم تستزلَّهم تجارةٌ، ولم تشغلهم صفقةٌ، قال سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾، فكانت هذه الشهادةُ أرفعَ من كلِّ ثناءٍ.

 

ومن كرامةِ المساجدِ على اللهِ أنَّ من تعلَّق قلبُه بها أظلَّه اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه، قال ﷺ: «سبعةٌ يظلُّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه»، وذكر منهم: «ورجلٌ قلبُه معلَّقٌ بالمساجدِ». ومن دخلها كان في صلاةٍ ما حبستْه الصلاةُ، تحفُّه السكينةُ وتغشاه الرحمةُ  قال ﷺ:« وإذا دخل المسجد؛ كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، وتُصلِّي عليه الملائكةُ ما دام في مجلسِه الذي يصلِّي فيه، تقولُ: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه».

أعلى اللهُ شأنَ المساجدِ ورفع مكانتَها، فشرع لزوَّارها آدابًا تليقُ بجلالِها، وتُعبِّر عن تعظيمِها؛ فقال سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، فجعل الزينةَ لها أدبًا، والطهارةَ شعارًا، وحسنَ الهيئةِ عنوانًا.

وإذا أقبل العبدُ عليها دخلها مقدِّمًا رجلَه اليمنى، مستشعرًا أنه يقف على أعتاب الرحمةِ، فإذا ولجها قال: «اللهم افتح لي أبوابَ رحمتك»، وإذا خرج قال: «اللهم إني أسألك من فضلك»، ولا يجلس حتى يُحيِّيها بركعتين، امتثالًا لقوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».

ومن تعظيمها: لزومُ السكينةِ والوقارِ في القصد إليها، فلا تُؤتى على عجَل، بل بمهابة وخشوع، قال ﷺ: «إذا أقيمت الصلاةُ فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، عليكم السكينةُ، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتمُّوا». وعظَّم النبيُّ ﷺ من يقوم بخدمتِها، فسأل عن امرأةٍ كانت تقُمُّ مسجده، فلما قيل: ماتت، قال: «دلُّوني على قبرها»، فدلوه فصلَّى عليها. ولما وقع الأعرابي في مخالفة حرمتها فبال في المسجدِ لم يُقابل بالعنفِ، بل بالحكمةِ والرحمةِ، فأمر ﷺ بذنوبٍ من ماءٍ فأُهريق عليه، ثم علَّمه حرمتَها، وقال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا».

أيها المؤمنون: إن بقاءَ المساجدِ طاهرةً نظيفةً، طيبةَ الرائحةِ، ، ليس مظهرًا عابرًا، بل هو من صميم تعظيم شعائر الله، ومما يُعين القلوب على حضورها، فتُؤدَّى العبادة في جوٍّ من الطمأنينة والخشوع. وقد أوصى الله بذلك في قوله  ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ للطَائفِينَ والعَاكِفينَ والرُّكَعِ السُّجُود﴾. وقالت عائشة رضي الله عنها: «أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تُنظَّف وتُطيَّب». فكان تنظيفُها عبادة، وتطييبُها قُربة، ورعايتُها من دلائل التعظيم. ونهى ﷺ عن كلِّ ما يؤذي أهلها من الروائح الكريهة وغيرها، فقال: «من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا».

ومن تعظيمها كذلك: صيانةُ أجوائها عن اللغو ورفع الأصوات؛ فقد سمع عمر رضي الله عنه رجلين يرفعان أصواتهما في المسجد، فدعاهما وقال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعانِ أصواتَكما في مسجد رسول الله! فالمساجدُ لا يُرفع فيها صوتُ نزاعٍ ولا خصومة، قال ﷺ: «إياكم وهيشات الأسواق» أي: لا تكون في المساجد.  وكذلك نُزِّهت عن المعاملات الدنيوية، فلا بيعٌ ولا شراء، قال ﷺ: «إذا رأيتم من يبيع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك». وقال ﷺ: «من سمع رجلًا ينشدُ ضالة في المسجد فليقل: لا ردَّها الله عليك، فإن المساجدَ لم تُبنَ لهذا».

بارك الله لي ولكم في القرآنِ والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده..

أما بعد: فالمساجدُ عزُّ المسلمين، وموطنُ شرفهم، وشعارُ دينهم الذي تُعرَف به هُويتُهم وتُصان به جماعتُهم؛ من عمَرها بالصلاةِ والذكرِ رفعه الله قدرًا، وبسط له في صدره نورًا.

وقد بيَّن النبيُّ ﷺ سرَّ عمارةِ المساجد وغايتَها، فقال: «إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن»، فليست جدرانًا تُشيَّد، بل معانٍ تُحيي القلوب. وقد جعل الله حياتها بالذكر والعلم، فقال جل وعلا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، وفيها يُتعلَّم الكتابُ والسنة، امتثالًا لأمر الله، وإحياءً لسنة المرسلين، فتُبارك الأوقات، وتزكو الأعمال، وتصلح النفوس والذراري. ومن حُرم خيرها أو صُرف عنها فقد فاته من الفضل ما لا يُعوَّض، وخسر موردًا من أعظم موارد الهداية والطمأنينة.

 

والملائكة تشهدُ المساجدَ وتستمعُ الخطبَ وتحفُّ أهلَها؛ قال ﷺ: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». وتلقِّي العلم فيها أربح من متاع الدنيا؛ قال ﷺ: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل». ولذلك كان مسجدُه ﷺ مدرسةَ الأمة، خرَّج جيلًا فريدًا.

أيها المسلمون: ومن أعظم ما تُصانُ به المساجد، وتُحفظُ به مكانتُها: توحيدُ الله فيها، وإخلاصُ العبادة له وحده؛ فلا يُدعى فيها إلا الله، ولا يُستغاثُ فيها إلا به، ولا يُصرف شيء من العبادة لغيره؛ قال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، أي أخلصوا له القصد والعبادة.

فالمساجدُ بيوتُ توحيد، لا تُدنَّسُ بشرك، ولا تُخالطُها مظاهرُ القبور والبدع؛ فإن تعظيمَها يكون بتطهيرها من كل ما ينافي الإخلاص، وصيانتِها عما يضادُ معنى العبوديةِ لله وحده.

ثم اعلموا عباد الله: أن من تعظيمِ المساجد؛ الحرصَ على صلاة الجماعة فيها مع الإمام؛ فهي عنوان الاجتماع، ومظهر الوحدة، وشعار هذا الدين. وقد شدَّد النبي ﷺ في شأنها، حتى قال: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أُخالفَ إلى منازلِ قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرِّقَ عليهم »، فدل ذلك على عظيم حقها، وخطورة التفريط فيها.

فاحفظوا ـ رحمكم الله ـ مساجدكم بالتوحيد و السنة وشهودِ الجماعة؛ تكن لكم عزًّا في الدنيا، ونجاةً يوم يقوم الناس لرب العالمين.

ثم صلوا وسلموا على خير البرية وأزكى البشرية نبينا محمد، فاللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المرفقات

1776942377_�في بُيوتٍ أذِنَ اللهُ أن تُرفع.pdf

1776942378_�في بُيوتٍ أذِنَ اللهُ أن تُرفع.docx

المشاهدات 473 | التعليقات 0