قرار التغيير يبدأ من داخلك

د.عبدالحميد المحيمد
1447/10/23 - 2026/04/11 05:20AM

 

إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله  اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .

عباد اللّه ، أذكركم ونفسي بتقوى اللّه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)

أيها الأحبة في اللَّه،

إنَّ العاقلَ المؤمنَ ليدركُ تقلُّبَ هذه الحياة، فهي لا تستقرُّ على حالٍ، فالشبابُ يذهبُ، ويأتي سنُّ العجز، ويأتي سنُّ الشيب، والصحةُ تذهبُ ويأتي المرض، وحتى الأمانُ والنعمةُ فإنها تتقلَّب، وهكذا حتى يعلمَ المؤمنُ بأن هذه الدارَ لا استقرارَ لها، وبأن الحياةَ الحقيقيةَ هي حياةُ الآخرة. هذا التقلُّبُ يدعو المؤمنَ لأن يتفكَّر: هل هو حقًّا أصلحَ نفسَه؟ هل تغيَّر نحو الأفضل؟ هل اتَّعظَ وأصلحَ قلبَه وأصلحَ عبادتَه، أم ما زال على حالِه التي كان عليها؟ بعضُ الناسِ اتَّخذَ الصلاةَ عادةً، ولم يُصلِحها، فهي خاليةٌ من الروح، ليس فيها خشوعٌ ولا طمأنينةٌ ولا تدبُّر، وإنما هي مجردُ حركاتٍ. بعضُ الناسِ ما زال تعلُّقُه بالمسجد تعلُّقَ عادةٍ وليس تعلُّقَ عبادةٍ، لماذا؟ هو لا يستطيع أن يُغلِق هاتفه إذا أتى إلى الصلاة، ولا يَضبط نفسه في الصفّ فيخشعَ ويتدبّر. وبعضُ النساءِ يتساهلنَ في الحجابِ الشرعي، ويُقدِّمنَ الخروج إلى الأسواقِ على طاعةِ أزواجِهنَّ. هؤلاء لم يتغيّروا، لماذا؟ أَلَمْ يَسْمَعُوا قولَ اللَّه عزَّ وجلَّ:

 

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ). [المؤمنون:1-2]

 

وقولُ اللَّه عزَّ وجلَّ للنبيِّ صلى اللَّه عليه وسلم:

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ).[الأحزاب: 59]

إذًا القرآنُ يُتلى، والخَتْمَةُ بعدَ الخَتْمَةِ يُداومُ عليها المؤمنُ، فلا بدَّ أن تكونَ له وقفات، وأن تكونَ له نقطةُ تحوُّلٍ ينطلقُ منها.

في عهدِ النبيِّ صلى اللَّه عليه وسلم، كان هناك من اختارَ التغييرَ، وهناك من أصرَّ على عاداتِه وعلى عنادِه.

عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه كان شديدَ البأسِ في الجاهلية، وكان ممن يُضاهيه في القوةِ والبأس عمرو بن هشام، المشهورُ بأبي جهلٍ. وكانا على قدرٍ واحدٍ من القوةِ والبأس، فما الفرقُ بينهما؟

الفرقُ بينهما كما بين السماءِ والأرض؛ لأنَّ عمرَ رضي اللَّه عنه، الفاروق، كان يحملُ رغبةً صادقةً في التغيير، وكان يسعى إلى التغيير، وأما أبو جهلٍ فكان مُصِرًّا على عنادِه.

ولذلك كانت دعوةُ النبيِّ صلى اللَّه عليه وسلم: «اللَّهمَّ أعزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذينِ الرَّجُلَيْنِ إليكَ بأبي جَهْلٍ أو بعُمرَ بنِ الخطَّابِ قالَ: وَكانَ أحبَّهما إليهِ عمرُ».

كان أحبَّهما إلى اللَّه عمرَ بن الخطاب رضي اللَّه عنه؛ لأنَّ فيه أصلَ الخير، ولأنَّ فيه الرغبةَ في التغيير.

وأمَّا الإنسانُ الذي لا يسعى للتغييرِ ولا يرغبُ فيه، فإنَّه لا يُوفَّقُ إليه. فلا بدَّ، أخي المسلم، أن تكون عندك النيّةُ والقصدُ والرغبةُ حتى يُعينَكَ اللَّه عزَّ وجلَّ، ولا يكفي في الإنسانِ أن يسعى في التغيير ما لم يتعلَّق قلبُه بطلبِ العونِ من اللَّه عزَّ وجلَّ.

إِذا لَم يَكُن عَونٌ مِنَ اللَّه للِفَتى

فَأَكثَرُ ما يَجني عَلَيهِ اِجتِهادُهُ

الاجتهادُ وحدَه لا يكفي، لا بدَّ أن تُخلِصَ النيّةَ. ولذلك من أعظمِ الأحاديثِ في الإسلام ما قاله النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ».

والنيّةُ تبلغُ بها قبل أن يصلَ عملُك إلى تلك المنزلة، ذلك الرجلُ الذي قتلَ مئةَ نفسٍ، الذي ذكرَ لنا النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم قصتَه، علمًا بأنَّه في هذا الزمانِ وقبله هناك من قتلوا الآلاف، ولكن لم تكن عندهم رغبةٌ في التغيير. ذلك الرجلُ الذي قتلَ مئةَ نفسٍ كانت عنده رغبةٌ في التغيير.فهذه الرغبةُ وهذه النيّةُ أوصلتاه إلى أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ أمرَ ملائكةَ الرحمةِ أن تقبضَ روحَه، رغم أنَّه لم يخرج من أرضِ المعصية، فقد قصُرت خطواتُه، لكن النيّة لم تقصُر، فبلغ بالنيّة ما لم تبلغه الأقدام.

هكذا نحن اليوم نحتاج أن يكون الإنسانُ ذا نيّةٍ صادقةٍ في قلبه: أن ينوي التغييرَ بصدقٍ، وأن ينتقل من الصلاة التي هي مجرّد حركاتٍ يؤديها إلى خشوعٍ يستشعره فيها، وأن يترك مجالسَ السوءِ ورفقةَ السوء، وأن يهجر الغفلةَ ويقبل على القرآن، وأن لا يقتصر حضوره للمسجد على رمضان فقط.

(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الرعد: 11]

نسألُ اللَّه أن يُصلحَ أحوالَنا وأن يردَّنا إليه ردًّا جميلًا. أقولُ ما تسمعون، وأستغفرُ اللَّه.

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه.

أيُّها الأحبّة، لا بدَّ للمؤمن أن يستعينَ باللَّه عزَّ وجلَّ، وأن يُلِحَّ دائمًا في الدعاء، ويُكثِرَ من طلبِ الهداية، وكان من دعاء النبيِّ صلى اللَّه عليه وسلم: «اللَّهم اهدِني وسدِّدني»، فهناك الهدايةُ وهناك التسديدُ والاستقامةُ، وهناك طلبُ الثباتِ في زمنِ التقلُّباتِ والفتن.

فلا يأمنُ الإنسانُ على نفسِه، ولا يظنُّ أنه سيُختمُ له بالخير، بل يبقى دائمًا على خوفٍ ورجاء، كما كان يدعو النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم: «يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قلبي على دينِك».

فيسألُ اللهَ دائمًا الثباتَ، ويُحسِنُ النيّةَ، حتى لو رأى من حولِه من الأسباب ما يظنُّ أنه لا يوصله إلى ذلك، فإنَّه يُحسِنُ الظنَّ باللهِ ويعزمُ على الخير. ولا يقل: كيف يمكنني أن أفعل هذا الشيء، وأن أواظب على قيام الليل، وأن أصومَ الاثنين والخميس؟ بل يُنوي بقلبِه، ويُوقن أن اللهَ عزَّ وجلَّ يُيسِّرُ له ما نوى:

( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ) .[الليل:7]

هناك تيسيرٌ لليُسرى، وهناك تيسيرٌ أيضًا للعُسرى. فالإنسانُ الذي يعصي ويستمرُّ في معصيته يُيَسِّره الله لما هو فيه من طريقٍ، أي:

طريقِ المعصيةِ والبعدِ عن الهداية، وأمّا الذي يُحسنُ فقد قال اللَّه تعالى: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى).

فنسألُ اللَّه أن يُيَسِّرَ لنا طريقَ الإحسانِ وطريقَ الخير، وأن يُجنِّبَنا طريقَ الشر، وأن يُصلحَ قلوبَنا، وأن يعافينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللَّهم احفظ هذا البلدَ وبلادَ المسلمين، اللَّهم احفظه آمنًا مطمئنًّا، اللهمَّ ردَّ عنه كيدَ الظالمين، وردَّ عنه كيدَ المعتدين. اللَّهم إنَّا نجعلُكَ في نحورهم ، ونعوذُ بكَ من شرورهم، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذُ بعظمتِك أن نُغتالَ من تحتنا.

اللَّهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياءِ منهم والأموات.

وآخرُ دعوانا أن الحمدُ للَّه ربِّ العالمين، وصلّى اللَّه على نبيِّنا محمد.

 

المرفقات

1775874043_قرار التغيير يبدأ من داخلك.pdf

المشاهدات 502 | التعليقات 0