مسائِلُ مهمّةُ في أوقاتِ الصَّلاةِ
عبدالمحسن بن محمد العامر
الحمدُ للهِ الذي شرَعَ الدينَ ويسَّرَهُ، وجعلَ أعلامَهُ واضحَةً ظاهِرَةً، وأشهدُ ألّا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ذو القوِّةِ القاهِرةِ، وأشهدُ أنَّ محمّداً عبدُه ورسولُه المؤيدُ بالمعجزاتِ الباهِرَةِ، صلى اللهُ وسلم عليه؛ ما تلألأتِ النّجومُ الزَّاهِرَةِ، وما سارتْ الكواكبُ السائرةُ، وعلى آله وأصحابِه أولي الوجوهِ النَّاظْرَةِ، وعلى التّابعينَ ومَنْ تَبِعهم بإحسانٍ إلى يومِ يُبْعَثُ الناسُ إلى الأرضِ السّاهِرَةِ.
أمّا بعدُ: فيا عبادَ اللهِ: أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ تعالى، فتقوى اللهِ تَحْفَظُ الرَّأسَ ومَا وَعَى، والبطنَ وما حوى، وتُذَّكِرُ بالموتِ والبِلا؛ "تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"
معاشرَ المؤمنينَ: الصلاةُ آكدُ أركانِ الإسلامِ بعدَ الشَّهادتينِ، وهي عمودُ الإسلامِ، والفاصلُ بينَ الإسلامِ والكفرِ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ شَقيقٍ رضيَ اللهُ عنه: "كان أصحابُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ لا يرونَ شيئًا من الأعمالِ تركُهُ كفرٌ؛ غيرَ الصَّلاةِ" رواه الترمذيُّ وصحَّحَهُ الألبانيُّ، وقالَ عمرُ بنُ الخطّابِ رضيَ اللهُ عنه: "إنَّه لا حَظَّ في الإسلامِ لِمَنْ أضاعَ الصَّلاةَ"
ويومَ أنْ شَرَعَ اللهُ الصَّلاةَ، شَرَعَ لها أوقاتاً مَحْدُدَةً، يَحْرُمُ استباقُها بالصّلاةِ؛ كمَا يَحْرُمُ فعْلُها بَعْدَها، قالَ تعالى: "إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا" وقالَ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ عنهُ: "الصّلاةُ لَهَا وَقْتٌ شَرَطَهُ اللهُ لَهَا لا تَصِحُّ إلّا بِهِ"
وقد قالَ أهلُ العِلمِ: أنَّ شَرْطَ الوَقتِ آكَدُ شُرُوطِ الصَّلاةِ؛ وقَدْ تَسْقُطُ جَمِيْعُ شُرُوْطِ الصلاةِ مراعاةً لهذا الشَّرطِ، كما لو قُدِّر أنَّ رجلًا عاجزٌ عنِ استقبالِ القِبْلَةِ، وعَاجزٌ عنْ سَتْرِ العَوْرَةِ، وعاجزٌ عنِ الطَّهَارَةِ، وعاجزٌ عنْ تَحْقِيْقِ بَقِيَّةِ شروطِ الصَّلاةِ، فَنقولُ لهُ: يَجِبُ عليكَ أنْ تُصَليَ الصَّلاةَ في وقْتِهَا.
وأداءُ الصلاةِ قَبْلَ وقْتِهَا يَجْعَلُها غيرَ مقبولَةٍ بإجماعِ العلماءِ، ولو كانِ بمقدارٍ يسيرٍ؛ كما لو كبَّرَ تكبيرةَ الإحرامِ قبلَ دخولِ وقتِ الصلاةِ ثمَّ دخلَ الوقتُ؛ فيُعْتَبرُ فِعْلٌ لها في غيرِ وَقتِها.
أمّا أداؤها بَعدَ وَقتِها، فَيَخْتَلِفُ فيه المُتَعَمِّدُ، وغيرُ المُتَعَمِّدِ، فمِنْ أمْثلَةِ غيرِ المُتَعَمِّدِ: مَنْ نامَ غيرَ متعمِّدٍ النّومَ عنِ الصلاةِ، أو نَسِيَها، فهذانِ يصليانِ مباشرةً إذا ذَكَرَاهَا؛ قالَ صلى اللهُ عليه وسلم: "من نسيَ صلاةً أو نامَ عنْها فَكفارتُهُ أنْ يُصليَّها إذا ذَكَرَهَا" رواه مسلمٌ عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه.
ومِنْ أمْثِلَةِ غيرِ المُتَعمِّدِ: المجنونُ والمُغمَى عليه، فلا يقضيانِ سواءً طالَ زمنُ ذلك أو قَصُرَ، قالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النائمِ حتى يستيقظَ، وعن الصبيِّ حتى يَبلُغَ، وعن المجنونِ حتى يَعقِلَ" رواهُ أبو داود والنَّسائيُّ وصحَّحَهُ الألبانيُّ.
ومِنْ أمْثِلَةِ غيرِ المُتَعمِّدِ؛ مَنْ زالَ عَقْلُه بِبَنجٍ أو دواءٍ مُباحٍ تَعَاطَاهُ؛ فإنّه يَقْضِي مَا فَاتَه وإنْ طالَتِ المُدّةُ.
وإذا طَهُرتِ الحائضُ بَعدَ دُخُولِ وقتِ العِشاءِ فإنَّهُ يلزمُها أنْ تُصليَ العِشاءَ لأنَّها أدركتْ وَقتَها، وكذلكَ يَلزَمُهَا أنْ تُصَليَ المَغْرِبَ معَها؛ لأنَّها تُجمعُ معَ العِشاءِ عندَ وُجودِ العُذرِ .
وكذلكَ إذا طَهُرَتْ بَعدَ دُخولِ وقتِ العَصْرِ فإنَّها تُصليْ الظُّهرَ والعَصرَ، هذا ما أفتى بهِ بعضُ أصحابِ النَّبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ، وبهِ قالَ جمهورُ العلماءِ.
وأمّا السّكرانُ فإنَّه فَرْضٌ عليهِ أنْ يقضيَ ما فاتَه حالَ سُكْرِه؛ قالَ تعالى: "لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ"
أمّا مَن ترَكَ الصَّلاةَ عمدًا حتَّى خرَجَ وقتُها؛ فاختَلفَ أهلُ العِلمِ في قضائِه على قولينِ؛ فجُمهورُ العلماءِ أنَّه يلزَمُهُ القضاءُ، وفاعلُ ذلك آثمٌ لدخولِه في الوعيدِ المُتَرَتِّبِ على تأخيرِ الصلاةِ، قالَ تعالى: "فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ" وقالَ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: "تِلكَ صَلَاةُ المُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حتَّى إذَا كَانَتْ بيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا" رواهُ مسلمٌ عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه.
عبادَ اللهِ: المتهاوِنُ في أداء الصلاةِ في وقتها، مُعرِّضٌ نفسه للعقابِ والعذابِ في الدنيا ويومِ المآبِ، قالَ عليه الصلاةُ والسَّلامُ: "الذي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ، كَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومَالَهُ" رواه البخاريُّ ومسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما.
و"عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الرُّؤْيَا، قالَ: أَمَّا الذي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بالحَجَرِ، فإنَّه يَأْخُذُ القُرْآنَ، فَيَرْفِضُهُ، ويَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ" رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عن سمرةَ بنِ جُندُبٍ رضيَ اللهُ عنه.
ويومَ أنْ شَغَلَ المُشْرِكونَ النَّبيَّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ الخَنْدَقِ، دعا عَلَيْهِمْ دعاءً مُروِّعاً، قالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه: " كُنَّا مع النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ الخَنْدَقِ، فَقَالَ: مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وبُيُوتَهُمْ نَارًا، كما شَغَلُونَا عن صَلَاةِ الوُسْطَى حتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ. وهي صَلَاةُ العَصْرِ" رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وفي رِوايةٍ: " فشغلُونا عن صلاةِ العصرِ حتى قرُبتِ الشمسُ أن تغيبَ" وجُمِعَ بينه وبين سابِقِه بأنَّ الحَبْسَ انتهى إلى وقتِ الحُمْرةِ أو الصُّفْرةِ، ولمْ تَقَعِ الصَّلاةُ إلَّا بعد المغرِبِ.
باركَ اللهُ لي ولكم بالكتابِ والسُّنَّةِ، ونفَعنا بما صرَّف فيهما مِنَ الحِكْمَةِ..
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكُم إنَّه كانَ غَفّاراً..
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ على إحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لهُ على توفِيْقِهِ وامتِنَانِه، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ تعظيماً لشأنِه، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عَبْدُهُ ورسولُه الدّاعي إلى رِضْوانِه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلى آلهِ وأصحابِه وأتباعِه وإخوانِه.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله؛ "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ"
معاشرَ المؤمنينَ: أداءُ الصلاةِ في أوَّلِ وقتها مِنْ أفضلِ الأعمالِ، وأحبِّها إلى اللهِ تعالى؛ قالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه: " سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: الصَّلاةُ علَى وقْتِها، قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: ثُمَّ برُّ الوالِدَيْنِ، قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: الجِهادُ في سَبيلِ اللَّهِ، قالَ: حدَّثَني بهِنَّ، ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي" رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.
ولْيَعْلَمِ المُسلمُ أنَّ لوقتي العصرِ والعشاءِ وقتُ فضيلَةٍ ووقتُ ضرورةٍ، فيمتدُّ وقتُ صلاةِ العصرِ المختارُ إلى أنْ تَصفرَّ الشمسُ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "وقتُ العصرِ ما لم تَصفَرَّ الشَّمسُ" رواهُ مسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ رضيَ اللهُ عنهما. وَوَقتُ الضَّرورةِ إلى غُروبِ الشَّمسِ، قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: "ومَن أَدركَ ركعةً مِن العصرِ قَبلَ أن تَغرُبَ الشمسُ، فقدْ أدْرَكَ العصرَ" رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه.
ويمتدُّ وقتُ صلاةِ العِشاءِ الاختياريُّ إلى نِصفِ اللَّيلِ، والضروريُّ إلى طلوعِ الفجرِ، وهذا اختيارُ ابنِ تيميةَ وابنِ بازٍ والشوكانيِّ ــ رحمهم اللهُ ــ وبه أفتتِ اللجنَةُ الدائمةُ.
وبعدُ عبادَ اللهِ: على المسلمِ أنْ يحافظَ على الصلواتِ المكتوباتِ في أوّلِ أوقاتها، فالتأخرُ يجرُّ التأخرَ، والشيطانُ حريصٌ على إغواءِ المسلمِ، وإنْسَائِه، وإلهائه عنِ الصلاةِ حتى يَخْرجَ وقتُها، أو يَخرجَ وقتُ أفْضَلِيَّتِها، ولْيَحْسِبِ المسلمُ حسابَه لِقِصَرِ النّهارِ في فصلِ الشتاءِ، فالأوقاتُ تَتَقَاربُ، فالعَصرُ قريبٌ مِنَ الظُّهرِ، وعَصْرُ الشتاءِ قَصيرٌ، بحيثُ تَصفرُّ الشمسُ في وقتٍ قَصيرٍ بَعدَ دُخولِ الوَقتِ، فلْيَحذرِ الذينَ يَنَامونَ بعد خُروجِهمْ مِنَ الأعمالِ والوظائفِ، وكذلكَ الذين يَنْهَمِكُونَ في أعمالِهمُ المتواصلةِ، والمتنزّهونَ في البَراري، والمسافرونَ ونحوُهم.
ولْيَعلَمِ المُسْلِمُ أنّ وقتَ المَغْربِ هو أَقْصَرُ أوقاتِ الصّلاةِ، ونِهايتُهُ بغروبِ الشّفقِ الأحمرِ، وليسَ يَستمرُّ ساعةً ونصفَها كما هوَ في التّقاويمِ، بلْ يَخرجُ قَبلَ ذلكَ بنحوِ عشرِ دقائقَ إلى ربعِ ساعةٍ أو أكثرِ؛ على حَسَبِ فصولِ السّنةِ، فيجبُ أداءُ الصلاةِ قبلَ ذلكَ، والأفضلُ والأولى المبادرةُ في أدائِها مِن أوّلِ وقتِها؛ عنْ سَلمةَ بنِ الأَكوعِ رَضِيَ اللهُ عَنْه :"أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يُصلِّي المغربَ إذا غربتِ الشَّمسُ وتوارتْ بالحِجابِ" رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.
هذا وصلوا وسلموا ..
المرفقات
1767152593_مسائِلُ مهمّةُ في أوقاتِ الصَّلاةِ.docx