مَسَـــــــــــــــــــاجِدُنا ( تعميم )
يوسف العوض
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَهِيَ خَيْرُ زَادٍ لِيَوْمِ الْمَعَادِ.
عِبَادَ اللَّهِ : إِنَّ لِلْمَسَاجِدِ فِي الْإِسْلَامِ مَكَانَةً عَظِيمَةً، وَمَنْزِلَةً رَفِيعَةً، فَهِيَ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَمَحَالُّ عِبَادَتِهِ، وَمَظَانُّ رَحْمَتِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
فَأَمَرَ اللَّهُ بِرَفْعِهَا حِسًّا وَمَعْنًى، رَفْعًا فِي بِنَائِهَا، وَرَفْعًا فِي قَدْرِهَا وَتَعْظِيمِهَا، وَتَنْزِيهِهَا عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِقُدْسِيَّتِهَا.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:«أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا».
عِبَادَ اللَّهِ : إِذَا كَانَتِ الْمَسَاجِدُ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ، فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نُعَظِّمَهَا، وَنَحْفَظَ حُرْمَتَهَا، وَنَصُونَهَا عَنْ كُلِّ مَا يُؤْذِي الْمُصَلِّينَ فِيهَا.
إِنَّ تَعْظِيمَ بُيُوتِ اللَّهِ مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ:﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
فَمِنْ تَعْظِيمِهَا: الْحِرْصُ عَلَى السُّكُونِ وَالْخُشُوعِ فِيهَا، وَتَجَنُّبُ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ، وَتَرْكُ مَا يُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّينَ.
وَمِنْ تَعْظِيمِهَا: الْبُعْدُ عَنْ كُلِّ مَا يُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ، فَالنَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنْ كُلِّ مَا فِيهِ أَذًى، وَقَالَ:«الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».
فَكَيْفَ بِمَنْ يُؤْذِي إِخْوَانَهُ فِي أَشْرَفِ الْبِقَاعِ وَأَطْهَرِهَا؟!
عِبَادَ اللَّهِ : إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَجِبُ لِلْمَسَاجِدِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى نَظَافَتِهَا وَصِيَانَتِهَا.
فَقَدْ رَوَتْ أمُّ المُؤمِنينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:«أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ».
فَالْمَسْجِدُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا نَظِيفًا، وَكَذَلِكَ مَرَافِقُهُ مِنْ أَمَاكِنِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهَا.
وَمِنَ الْمُخَالَفَاتِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا بَعْضُ النَّاسِ حَجْزُ الْأَمَاكِنِ فِي الصُّفُوفِ، خَاصَّةً الصَّفِّ الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَفِي ذَلِكَ تَعَدٍّ عَلَى حَقِّ مَنْ سَبَقَ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:«لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا».
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَعَظِّمُوا بُيُوتَهُ، وَاحْفَظُوا حُرْمَتَهَا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.


الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : إِنَّ مِنْ صُوَرِ أَذِيَّةِ الْمُصَلِّينَ الَّتِي يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهَا وَضْعُ الْأَحْذِيَةِ فِي طُرُقِ النَّاسِ عِنْدَ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، مِمَّا يُعَرِّضُهُمْ لِلْأَذَى، وَلَا سِيَّمَا كِبَارُ السِّنِّ وَذَوُو الْإِعَاقَةِ.
وَإِنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِبُيُوتِ اللَّهِ، وَلَا بِمَنْ يَقْصِدُهَا.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:«إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ».
فَإِذَا كَانَتْ إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةً، فَكَيْفَ بِمَنْ يَضَعُ الْأَذَى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، خَاصَّةً طَرِيقِهِمْ إِلَى بُيُوتِ اللَّهِ؟
عِبَادَ اللَّهِ : وَمِنْ صُوَرِ الْأَذَى أَيْضًا إِيذَاءُ النَّاسِ فِي الطُّرُقَاتِ الْمُحِيطَةِ بِالْمَسَاجِدِ، كَإِيقَافِ الْمَرْكَبَاتِ بِطَرِيقَةٍ تُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ، أَوْ تُلْحِقُ الضَّرَرَ بِالْمُجَاوِرِينَ.
وَهَذَا مِنَ الْأَذَى الْمُحَرَّمِ، وَمِنَ الْمَظَاهِرِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِمُرْتَادِي بُيُوتِ اللَّهِ.
فَالْمُسْلِمُ حَقًّا هُوَ الَّذِي يُرَاعِي حُقُوقَ النَّاسِ، وَلَا يُؤْذِيهِمْ، بَلْ يَكُونُ سَبَبًا فِي رَاحَتِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ : وَعَظِّمُوا مَسَاجِدَهُ، وَاحْرِصُوا عَلَى آدَابِهَا، وَكُونُوا قُدْوَةً فِي حُسْنِ التَّعَامُلِ وَرِعَايَةِ الْحُقُوقِ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى تَعْظِيمِ بُيُوتِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عُمَّارِهَا حَقًّا.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا، وَأَصْلِحْ أَعْمَالَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
المرفقات
1776853340_مساجد.docx