مفاتيح رحمة الله (الجزء الثالث )
أمير محمد محمد المدري
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحليم العظيم، الملك العلام. وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، سيد الأنام، والداعي إلى دار السلام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
أما بعد:
أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى، والتزموا التقوى حتى يأتيكم الموت. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
تأمل أخي الحبيب: لما كان موسى يسري ليلاً متجهاً للنار يلتمس شهاباً قبساً.. لم يدر بخُلده وهو يسمع أنفاسه المتعبة أنه متجهٌ ليسمع صوت رب العالمين: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 11-14].
إن القلب ليجف، وإن الكيان ليرتجف، وهو يتصور -مجرد تصور- ذلك المشهد. موسى فريد في تلك الفلاة، والليل دامس، والظلام شامل، والصمت مخيم. وهو ذاهب يلتمس النار التي آنسها من جانب الطور. ثم إذا الوجود كله من حوله يتجاوب بذلك النداء: ﴿يَا مُوسَىٰ * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾.
إن تلك الذرة الصغيرة الضعيفة المحدودة تواجه الجلال الذي لا تدركه الأبصار. الجلال الذي تتضاءل في ظله الأرض والسماوات. ويتلقى.. يتلقى ذلك النداء العلوي بالكيان البشري.. فكيف؟ كيف لولا لطف الله؟ ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾.. فيا للتكريم! يا للتكريم أن يكون الله بذاته هو الذي يختار. يختار عبداً من العبيد هو فرد من جموع الجموع.. تعيش على كوكب من الكواكب هو ذرة في مجموعة. المجموعة هي ذرة في الكون الكبير الذي قال له الله: كن.. فكان! ولكنها رعاية الرحمن لهذا الإنسان.
طرح إبراهيم ولده الوحيد، واستلّ سكينه ليذبحه.. وإسماعيل يردد: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]. وكلاهما لا يعلم أن كبشاً يُربّى بالجنة من 500 عام تجهيزاً لهذه اللحظة.. فيا لها من رحمات الرحيم.
لما دعا نوح ربه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ [القمر: 10]، لم يخطر بباله أن الله سيغرق البشرية لأجله! وأن سكان العالم سيفنون إلا هو ومن معه في السفينة.. فَثِق بربك.. الرحيم واطرق بابه وخذ بيدك مفاتيح الرحمة تنلها.
جاع موسى الرضيع وصراخه يملأ القصر لا يقبل المراضع.. الكل مشغول به: آسية.. المراضع.. الحرس.. كل هذه التعقيدات لأجل قلب امرأة خلف النهر مشتاقة لولدها.. رحمة ولطفاً من رب العالمين لها ولابنها.
أطبقت الظلمات على يونس.. واشتدت الهموم.. فلما اعتذر ونادى: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].
نبينا محمد ﷺ مستلقٍ على فراشه حزيناً، ماتت زوجته خديجة وعمه، فيأمر ربه جبريل يعرج به إليه، يرفعه للسماء.. فيسليه بالأنبياء ويخفف عنه بالملائكة.
أخي الحبيب: كُن على يقين من ثلاث:
- لا أحد أرحم بك من ربك.
- ولا أحد أعلم بهمك من ربك.
- ولا أحد يقدر على رفع الضر عنك إلا ربك.
والحديث يرويه الإمام مسلم في صحيحه (رقم/183) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ. فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ. فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا».
وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40].
«فَيَقُولُ اللَّهُ: شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِمُ يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ».
هذا الحديث لا يكون سبباً في ترك العمل والاتكال عليه، فهذا جهل، إنما الفقه أنه لا يهلك على الله إلا هالك، وإن رباً هذه رحمته وهذا فضله وهذا إحسانه أحق أن يُعبد، وأن يُشكر، وأن يُرتجى، وأن يُدعى، فهو القائل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ [طه: 82].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
***
**الخطبة الثانية**
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وأصحابه وجميع إخوانه.
أما بعد عباد الله:
**المفتاح الحادي عشر من مفاتيح الرحمة: الصبر**
فالدنيا جُبلت على كدرٍ، وتعب، وهموم؛ وبالتالي فأحلى حياة وأسعد حياة يعيشها المسلم بالصبر؛ ونتيجة الصبر محمودة، بل الصابرون هم الذين تنالهم رحمة الله، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
وعليه: فمن أهم أسباب الحرمان من الرحمة كثرة الشكوى والسخط وعدم الاتصاف بالرضا عن الله وعن قدره وقضائه.
**المفتاح الثاني عشر: قيام الليل وإيقاظ الزوجين لبعضهم**
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى، ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ» (أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة).
**المفتاح الثالث عشر: صلاة قبل العصر أربعاً**
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» (أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي).
**المفتاح الرابع عشر: انتظار الصلاة**
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ» (رواه مسلم).
والنبي ﷺ يبشر المصلين برحمات من الله فيقول: «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، حَتَّى يَنْصَرِفَ أَوْ يُحْدِثَ» (رواه البخاري).
**المفتاح الخامس عشر: الهجرة والجهاد**
ترك الأوطان ومفارقة الأحبة، والتعرض للموت في سبيل الله من أشق العبادات على النفوس، والتي بسببها يحصل العبد على الدرجات العلا والمغفرة والرحمة والرضوان، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 218].
وقال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 95-96].
هذا وصلوا - رحمكم الله - على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك فقال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم ارحمنا برحمتك، واغفر لنا برحمتك، واهدنا برحمتك، وعافنا برحمتك، وارزقنا برحمتك. اللهم اجعلنا من الذين تستجيب دعاءهم، وتغفر ذنوبهم، وترحم ضعفهم، وتقيل عثراتهم.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
المرفقات
1777729092_مفاتيح رحمة الله الجزء الثالث.docx