مفاتيح رحمة الله (الجزء الثاني)
أمير محمد محمد المدري
مفاتيح رحمة الله (الجزء الثاني)
الحمد لله مجيب الدعوات، رفيع الدرجات، يجيب دعوة المضطرين، ويكشف السوء، وينزل الرحمات.
الشمس والبدر من آيات قدرته
والبر والبحر فيض من عطاياه
الطير سبحه والوحش مجده
والموج كبّره والحوت ناجاه
والنمل تحت الصخور الصم قدّسه
والنحل يهتف له حمداً في خلاياه
والناس يعصونه جهراً فيسترهم
والعبد ينسى وربي ليس ينساه
أحمده تعالى، وأشكره، وأثني عليه، وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، العزيز الغفار.
ما زلنا وإياكم مع مفاتيح الرحمة:
الرحمة وما أدراك ما الرحمة! إذا ذكرتها للعبد فلينساه الله جميعاً لا يهم. قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: 2]. الله أكبر! إنها خزائن اللطف والجود والعناية انفتحت لزكريا عليه السلام.
وإذا العناية لاحظتك عيونها *** نم فالمخاوف كلها أمان
رحمته سبحانه إذا قصدت أحداً فإنها تصل إليه ولو كان في فم أسد. فلا إله إلا الله، لو وقف في طريق إرادته ورحمته الناس كلهم أولهم وآخرهم، وأنسهم وجنهم، فإنها تعبر بالمرحوم إلى بر الجود والإحسان، وشواطئ الأمان والجنان.
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38].
**فيا أيها المؤمنون:**
المرء في هذه الحياة يسعى ويعمل، ويرجو رحمة ربه، فبها ينال السعادة في الدنيا والآخرة، فلا سعادة ولا فلاح ولا فوز ولا نجاح إلا برحمة الله. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
روى الحاكم وقال: "صحيح الإسناد" من حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي: إِنَّ لِلَّهِ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ عَبَدَ اللَّهَ خَمْسَمِائَةَ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ فِي الْبَحْرِ، وَأَخْرَجَ اللَّهُ لَهُ عَيْنًا عَذْبَةً وَشَجَرَةَ رُمّانٍ تُخْرِجُ لَهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ رُمّانَةً، يَتَعَبَّدُ يَوْمَهُ فَإِذَا أَمْسَى نَزَلَ فَأَصَابَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ لِصَلَاتِهِ، فَسَأَلَ اللَّهَ رَبَّهُ عِنْدَ الْأَجَلِ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِدًا حَتَّى يَبْعَثَهُ سَاجِدًا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، فَنَجِدُ لَهُ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ: رَبِّ بِلَعَمَلِي، فَيَقُولُ اللَّهُ: قَايِسُوا عَبْدِي بِنِعْمَتِي عَلَيْهِ وَبِعَمَلِهِ، فَتُوجَدُ نِعْمَةُ الْبَصَرِ أَحَاطَتْ بِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَقِيَتْ نِعْمَةُ الْجَسَدِ فَضْلًا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي النَّارَ، فَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ، فَيُنَادِي: رَبِّ بِرَحْمَتِكَ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: رُدُّوهُ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي مَنْ خَلَقَكَ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ اللَّهُ: مَنْ قَوَّاكَ عَلَى عِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْزَلَكَ مِنْ جَبَلٍ وَسَطَ لُجَّةٍ وَأَخْرَجَ لَكَ الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنَ الْمَالِحِ وَأَخْرَجَ لَكَ كُلَّ لَيْلَةٍ رُمّانَةً وَإِنَّمَا يَخْرُجُ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَنِعْمَ الْعَبْدُ كُنْتَ» (مستدرك الحاكم، وأخرجه البيهقي في الشعب، وضعفه العقيلي في الضعفاء، والذهبي متعقباً الحاكم).
وقفنا مع مفاتيح الرحمة الستة: إيمانٌ بالله، وطاعة لله ولرسوله، واتباع للكتاب الحكيم، واتباع لسنة نبيه الكريم، ورحمة للخلق؛ فمن لا يرحم لا يُرحم، وأخوةٌ وصلح بين المتخاصمين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10].
**المفتاح السابع: اللجوء إلى الله تعالى والتضرع بين يديه**
الدعاء؛ فكم من رحمة ظاهرة أو باطنة كانت بسبب الدعاء! ألا ترى أصحاب الكهف فروا بدينهم من القهر والظلم، ولجأوا إلى الله بالدعاء، قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 10].
فاستجاب الله لهم وأنزل عليهم رحماته فقال لهم: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾ [الكهف: 16].
لا إله إلا الله! لقد تحول ذلك الكهف إلى رحمة شاملة، وإلى أم رؤوم تحتضن فلذات أكبادها بين ذراعيها وتضمهم إلى صدرها، بينما تنكرهم البشر.
ومن أدعية القرآن كما في سورة آل عمران: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
ألا فتأملوا تواضع سليمان عليه السلام وهو يطلب رحمة الله حين أحس بالنعمة التي وهبها الله إياه من سماع النملة تتكلم، قال تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19].
أخي الحبيب: وأنت تقرأ القرآن إذا مررت بقوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105]، قل: اللهم خصّني برحمتك. وإذا مررت بقوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: 31]، قل: يارب أدخلني في رحمتك وأنت أرحم الراحمين.
**عباد الله:**
اطلبوا رحمة الله تأتيكم. قال أحد أسلافنا: كُنَّا فِي الْبَحْرِ، فَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَهَاجَتِ الْأَمْوَاجُ، فَبَكَى النَّاسُ وَصَاحُوا، فَقِيلَ لِمَعْرُوفٍ أَوِ ابْنِ مَعْرُوفٍ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ، لَوْ سَأَلْتَهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ؟ وَإِذَا هُوَ نَائِمٌ فِي نَاحِيَةِ السَّفِينَةِ مَلْفُوفٌ رَأْسُهُ فِي كِسَاءٍ، فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، أَمَا تَرَى مَا النَّاسُ فِيهِ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ قَدْ أَرَيْتَنَا قُدْرَتَكَ، فَأَرِنَا رَحْمَتَكَ»، فَهَدَأَتِ السَّفِينَةُ.
**عباد الله:**
إذا حل الهم، وخيم الغم، واشتد الكرب، وعظم الخطب، وضاقت السبل وبارت الحيل. نادى المنادي: يا اللهُ يا الله «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم» فتأتي رحمة الله فيفرّج الهم، وينفّس الكرب، ويذلل الصعب، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 88]. إنها رحمة الله.
إذا أجدبت الأرض، ومات الزرع، وجف الضرع، وذبلت الأزهار، وذوت الأشجار، وغار الماء، وقل الغذاء، واشتد البلاء. خرج المستغيثون بالشيوخ الركع، والأطفال الرضع، والبهائم الرتع، فنادوا: يا اللهُ يا الله، فينزل المطر، وينهمر الغيث، ويذهب الظمأ، وترتوي الأرض: ﴿فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: 50].
إذا اشتد المرض بالمريض، وضعف جسمه، وشحب لونه، وقلت حيلته وضعفت وسيلته، وعجز الطبيب، وحار المداوي، وجزعت النفس، ورجفت اليد، ووجف القلب، وانطرح المريض، واتجه العليل، إلى العليّ الجليل ونادى: يا اللهُ يا الله، فزال الداء، ودب الشفاء، وسُمع الدعاء: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 83-84]. إنها رحمة الله.
إذا حلّقت الطائرة في الأفق البعيد، وكانت معلّقة بين السماء والأرض، فأشار مؤشر الخلل، وظهرت دلائل العطل، فذعر القائد، وارتبك الركاب، وضجّت الأصوات، فبكى النساء وصاح الرجال، وفُجع الأطفال، وعمّ الرعب، وخيم الهلع، وعظم الفزع، ألحّوا في النداء، وعظم الدعاء: يا اللهُ يا الله، فأتى لطفه وتنزلت رحمته، وعظمت منّته، فهدأت القلوب، وسكنت النفوس، وهبطت الطائرة بسلام. إنها رحمة الله.
إذا اعترض الجنين في بطن أمه، وعسرت ولادته، وصعبت وفادته وأوشكت الأم على الهلاك، وأيقنت بالممات. لجأت إلى مُنفّس الكربات، وقاضي الحاجات، ونادت: يا اللهُ يا الله، فزال أنينها، وخرج جنينها. إنها رحمة الله.
جاءت امرأة من بني إسرائيل إلى موسى عليه السلام قالت: يا نبي الله، أنت كليم الله، ادعُ الله لي أن يرزقني الولد، فكلم الله، فقال الله يا موسى إن المرأة عاقر، يعني أن المرأة ما تستطيع أن تلد. وبعد سنوات مرة يمر موسى عليه السلام بجوار بيت هذه المرأة وإذا به يرى بجوارها ولدين، فاستغرب وقال لها سائلاً: لمن هؤلاء الأولاد؟ قالت: لي، إنهم أبنائي.
فكلم موسى ربه وقال: يارب تلك المرأة العاقر رأيت لها أولاد! فقال الله: «يا موسى إنها دعتني ودعتني ودعتني فأجبتها»، فلا إله إلا الله.
**المفتاح الثامن: زيارة المريض**
نعم اسمعوا الحبيب المصطفى وهو يقول كما جاء في السلسلة الصحيحة للألباني: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسَ فِيهَا».
إنها رسالة أن نتواصى على الخير، رسالة أن نتآخى، رسالة أن نتراحم، رسالة أن لا نتفرق. وهذا هو الإسلام دين معاملات كما هو دين عبادات، يقول عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا -أي: يزور مريضًا أو أخًا له في الله- غُدْوَةً فِي أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً -أي: في المساء- صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ» (صحيح، أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود).
الله أكبر، هنيئًا والله لمن حمل نفسه في زيارة أخٍ له في الله، يزوره للاطمئنان عليه في مرضه أو في صحته، هنيئًا له بالجائزة الكبرى؛ يصلي عليه ألف ملك من ملائكة الله.
**المفتاح التاسع: التقوى**
وهي: القناعة بالقليل، والعمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والاستعداد ليوم الرحيل. التقوى أن يراك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
التقوى أخي المسلم أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس: 45]، وقال عز اسمه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحديد: 28].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
***
**الخطبة الثانية**
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وأصحابه وجميع إخوانه.
أما بعد عباد الله:
**المفتاح العاشر: الاستماع إلى القرآن الكريم والإنصات له وتعلمه**
القرآن الكريم كلام الله، هو كله بركة ورحمة وفضل، وكلما اقترب منه العبد كلما حصل له الفضل والبر والرحمة، قال عز من قائل: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].
وقال رسول الله ﷺ: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (صحيح مسلم).
**المفتاح الحادي عشر: الاستغفار والتوبة**
الإنسان محل الخطأ، فهو ينسى وينام ويضعف ويكسل ويظلم ويجهل، لكن الله بلطفه ورحمته وإحسانه وتكرمه شرع الاستغفار والتوبة من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، جليلها وحقيرها، فكان فضله وبره ورحمته. قال سبحانه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ۖ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: 46]، وقال تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54].
قال الحسن البصري رحمه الله: لا أظن أن الله يعذب رجلاً استغفر! فقيل: لماذا؟ قال: كيف يلهمه الله الاستغفار ويريد به أذى.
الاستغفار هو الأمان الثاني من العذاب بعد النبي ﷺ: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33].
تقول إحدى النساء: مات زوجي وأنا في الثلاثين من عمري وعندي منه خمسة أطفال بنين وبنات، فأظلمت الدنيا في عيني وبكيت حتى خفت على بصري وندبت حظي ويئست، وطوقني الهم فأبنائي صغار وليس لنا دخل يكفينا، وكنت أصرف باقتصاد من بقايا مال قليل تركه لنا أبونا. وبينما أنا في غرفتي فتحت المذياع على إذاعة القرآن الكريم وإذا بشيخ يقول: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا» (أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي).
فأكثرت بعدها الاستغفار وأمرت أبنائي بذلك، وما مر بنا والله ستة أشهر حتى جاء تخطيط مشروع على أملاك لنا قديمة فعوضت فيها بملايين، وصار ابني الأول على طلاب منطقته وحفظ القرآن كاملاً، وصار محل عناية الناس ورعايتهم، وامتلأ بيتنا خيراً، وصرنا في عيشة هنيئة، وأصلح الله لي كل أبنائي وبناتي، وذهب عني الهم والحزن والغم، وصرت أسعد امرأة.
هذا وصلوا - رحمكم الله - على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك فقال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم ارحمنا برحمتك، واغفر لنا برحمتك، واهدنا برحمتك، وعافنا برحمتك، وارزقنا برحمتك. اللهم اجعلنا من الذين تستجيب دعاءهم، وتغفر ذنوبهم، وترحم ضعفهم، وتقيل عثراتهم.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
المرفقات
1777433442_مفاتيح رحمة الله الجزء الثاني.docx