مقاصد الحج

أ. د حسن بن محمد شبالة
1447/11/20 - 2026/05/07 22:34PM
أيها المؤمنون عباد الله: في مثل هذه الأيام تشتاق القلوب وتهفو النفوس إلى حج بيت الله الحرام؛ استجابة لدعوة إبراهيم الخليل عليه السلام، حين قال الله له: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27]. وقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37]. واستجاب الله تعالى دعاء إبراهيم الخليل، فجعل الأفئدة تهوى الذهاب إلى ذلك المكان وتتمنى الوصول إليه، وتشتاق بين الحين والآخر للطواف حول البيت والتنقل في المشاعر المقدسة.
ونحن في هذه الأيام في أشهر الحج التي قال الله تعالى عنها: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، وهي شهر شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة؛ وفيها تتم نية الحج ويؤدى فيها النسك. لذا كان لا بد لنا من وقفات مع آيات الحج في القرآن الكريم نتدبرها ونعرف مقاصد الشرع فيها، لأن الله سبحانه وتعالى له حكم وأسرار في أحكامه وتشريعاته، وقد اعتنى القرآن الكريم كثيراً باحكام الحج فذكرت في اثنتي عشرة آية من سور متعددة من سور القرآن، فتدبر هذه الآيات والوقوف على معانيها ومقاصدها مطلوب من المسلم ليعرف محاسن الإسلام وحكم وأسرار الفرائض والأحكام ليزداد إيماناً وخضوعاً وامتثالاً لأمر الله وشرعه.
 أما تعلم أحكام الحج التفصيلية، فهي واجبة على من قدر على الحج وعزم على أدائه، فلا يصح له شرعا أن يتعبد لله بجهل، وخاصة عبادة الحج لما فيها من المشقة والنفقة و بذل الجهد والوقت.
أيها المؤمنون عباد الله: نقف مع بعض أسرار وحكم ومقاصد آيات الحج لنتدبرها، ونزداد إيماناً وامتثالاً لأوامر ربنا سبحانه وتعالى.
 ١. أول المقاصد والحكم من فريضة الحج هو: تحقيق التوحيد وإخلاص العمل لله سبحانه وتعالى، فالتوحيد حق الله على العباد وهو واجب عيني على مكلف، وقد جاءت أحكام الشرع كلها تدعو إليه، غير أن تحقيق التوحيد في شعيرة الحج واضح للعيان؛ ويكفي من ذلك أننا حين نعلن الدخول في هذا النسك نرفع صوتنا بالتلبية: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك))؛ فهو إعلان بالتوحيد ورفض الشرك، وهو أيضاً إعلان بإخلاص ذلك العمل لله كما قال الله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196].
مع أن جميع العبادات والفرائض يفعلها العبد لله، إلا أن الله خص الحج والعمرة بقوله "لله"؛ ليُبعد ما كانت تعتاده الجاهلية من الذهاب إلى تلك الأماكن فخراً ورياءً وسمعةً وللحديث عن الآباء والأجداد، فشرع الله الحج والعمرة لإقامة التوحيد. وقد أمر الله نبيه الخليل إبراهيم عليه السلام بأن يبني البيت فقال: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26]. فأمره ببناء البيت ونهاه أن يُشرِك بالله فيه، وأن يُطهِّره من النجاسات الحسية والنجاسات المعنوية مثل الشرك ونحوه، كما قال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]؛ فهذه أول حكم الحج وأعظم مقاصده.
٢. ومن مقاصده الحج: تحقيق العبودية لله تعالى والانقياد لأوامره، فجميع أعمال الحج كلها خضوع وانقياد وفيها مظاهر التعبُّد لله سبحانه وتعالى؛ ابتداءً من خلع المخيط ولبس ملابس الإحرام والطواف والسعي والذبح والرجم والمبيت وسائر أعمال الحج، كلها قد لا تظهر الحكمة للعبد من فعلها لكنه يفعل ذلك تعبُّداً وانقياداً لأمر الله سبحانه وتعالى. إنه يخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام، ويطوف حول البيت انقياداً لله، ويرمي الجمار انقياداً وتعبُّداً لله، ويذبح ويحلق، كل ذلك امتثال لأمر الله سبحانه وتعالى وانقياد لشرعه ولو لم يعرف الحكمة والغاية من ذلك، وقد اسمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تلبيته وهو يقول: ((لبيك بحجة، حقاً تعبُّداً ورِقاً))؛ ليشعرهم بالهدف الغاية من الحج، وهو التعبُّد، والامتثال، والانقياد لأمر الله سبحانه وتعالى في مكان معين وزمان معين بأفعال معينة.
٣. ومن حكم ومقاصد الحج: تنقية النفوس من الأخلاق السيئة الذميمة القبيحة، قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة: 197]. المطلوب من المسلم أن يبتعد عن الأخلاق السيئة في كل زمان ومكان، لكنه مطلوب منه أكثر أن يضبط أخلاقه في الحج؛ وذلك بسبب الزحام ومشقة السفر والتنقل بين المشاعر فتسوء الأخلاق، وتحتاج الى ضبط لها فامر الحاج أن لا يجادل وأن لا يقول كلاماً سيئاً وأن لا يشغل نفسه بأمور النساء، بل يفرغ وقته وجهده وتفكيره لذكر الله وعبادته، حتى تتدرب نفسه على الأخلاق الحسنة. فإذا ضبط نفسه في ذلك الوقت مع شدة الزحام ومشقة السفر فإنه على ضبطها في غيره من الاوقات اقدر.
٤. ومن مقاصد الحج: التنبيه على أهمية الاستعداد للدار الآخرة؛ فإن الحاج يودع أهله حين يريد السفر للحج ، وهو بهذا التوديع يجب أن يتذكر أنه سيودع الدنيا، وإذا خلع ثيابه الجميلة المزينة المتنوعة ولبس رداءً وإزاراً أبيضين تذكر لبسه للكفن، وأنه سيرحل من هذه الدنيا بثياب غير الثياب التي اعتاد أن يلبسها. واءا تزود الحاج بالطعام والشراب وسائر النفقات، تذكر بذلك التزود للدار الآخرة، بالاعمال الصالحة، قال سبحانه: "وتزودوا"؛ ولذا لما امر الله الحجاج بالتزود لرحلة الحج نبههم على أعظم الزاد، فقال: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التقوى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197]. فهي التي ستأخذونها معكم إلى رحلة الدار الآخرة. وحبن يجتمع الناس ويقفون على صعيد عرفات في وقت واحد؛ يتذكر الإنسان وقوفه بين يدي الله، ويتذكر الحشر، ويتذكر أن الناس اجتمعوا هنا برضاهم ورغبتهم وأنهم سيجتمعون بين يدي الله بقهر الله لهم وحشرهم بين يديه لمحاسبتهم وفصل القضاء بينهم.
٥. ومن مقاصد الحج وحكمه وأسراره: أنه يدربنا ويربينا على تعظيم شعائر الله، قال الله: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]. وكلما ازداد الإنسان تقوى وإيماناً عظم شعائر الله، وشعائر الله هي فرائضه وأحكامه وأوامره ونواهيه، ومنها أعمال الحج؛ فالإحرام من شعائر الله، والذبح للهدي من شعائر الله، والطواف والسعي والحلق وغيرها من أعمال الحج كلها من شعائر الله. والمطلوب من المسلم أن يعظمها، أي: يفعلها تعظيماً لله وامتثالاً لأمره، ويؤديها كما أمر الله، فلا يستهين بها ولا يحتقرها ولا يترك بعضها ولا يستهزئ بها، بل تكون لها مكانة في قلبه.
٦. ومن مقاصد الحج وحكمه: ربط المسلم بذكر الله؛ فذكر الله عبادة عظيمة مطلوبة من المسلم في كل وقت ولكنها مطلوبة في الحج أكثر، قال الله سبحانه: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 198-200]. فقد كان الجاهليون يأتون إلى الحج ليمدح كل واحد منهم نفسه وأباه وعشيرته وقبيلته، فأمرهم الله سبحانه وتعالى أن يتركوا هذا العمل وأن يستغلوا الحج في ذكر الله: "فاذكروا الله كذكركم آباءكم"؛ كما كنتم تهتمون بالمدح والفخر والذكر لآبائكم فاذكروا الله أشد من ذلك وأكثر من ذلك. وشرع الله ذكره مع كل عمل من أعمال الحج؛ فالتلبية ذكر، وفي الطواف ذكر، وفي السعي ذكر، وعند الوقوف بعرفة ذكر وعند المشعر الحرام بمزدلفة ذكر، وعند رمي الجمار ذكر وعند الذبح ذكر؛ وهكذا نجد كل افهال الحج مرتبطة بذكر الله سبحانه وتعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشرح لأمته الحج: ((إنما جُعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله)) (رواه أبو داود والترمذي). فالحج لُبُّه ذكر الله، ومقصده الأعظم ذكر الله، وإذا ذكر الإنسان ربه كثيرا تعلَّق به قلبه واستعد لملاقاته جل وعلا.
٧. ومن حكم الحج ومقاصده: أن الحج يذكرنا بالمساواة وأن الخلق كلهم أبناء آدم، فلا فرق بين غني وفقير ولا بين أمير ومأمور فالجميع أمام الله متساوون، يقفون في موقف واحد، ويلبسون لباساً موحداً، ويُلبُّون تلبية واحدة، ويدعون رباً واحداً، ويؤدون مناسك موحدة، فلا يوجد مناسك للأغنياء واخرى للفقراء، الجميع أمام أحكام الله وشرعه كلهم سواء؛ فالإسلام دين المساواة. وفي الحج يتحقق ذلك عمليا فالجميع خلع ثيابه ويلبس الإحرام، والجميع يقف بين يدي الله متضرعاً داعياً، وقد كانت الجاهلية وقبائل قريش لا تحج مع الناس وكانت تحج حجاً مختلفاً عن غيرها، فلا تفيض معهم ولا تقف معهم لتشعرهم أنها شيء وأن باقي الناس شيء آخر، فجاء القرآن ليبطل هذه العادة الجاهلية، قال الله تعالى لهم: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]؛ فلا خصوصية لأحد في الحج، بل الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ}؛ استغفروا الله من الكبر، من حب العلو، والغطرسة، ومن الشعور بأنكم شيء يختلف عن غيركم. فالناس لآدم وآدم من تراب، وفي الحج تزول الطبقية، والعنصرية، ويزول ما اعتاده الناس من اخلاق الجاهلية من التفاضل في الأحساب والأنساب والسلالات وسائر الأعراق والأجناس والألوان.
٨. ومن مقاصد الحج العظمى: تربية المسلم على الانضباط والدقة؛ فالإسلام دين النظام، والمسلم يجب أن يكون أكثر الناس انضباطاً ودقة في مواعيده وأعماله وفي سائر حياته. فالكون مخلوق بنظام ودقة، فلماذا تكون أيها الإنسان فوضوياً من دون المخلوقات؟ انظر إلى الشمس كيف تسير بدقة وانتظام، وإلى القمر وإلى الليل وإلى النهار وإلى سائر مكونات هذا الكون؛ كل يسير بدقة وانتظام لا يخالف أمر الله، كما قال: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} [يس: 40]. إلا البشر ففيهم من الفوضى والارتجال والمزاجية الشيء الكثير ولم ينضبطوا بأوامر الله وتوجيهاته. ولذا جاء الحج ليعلمهم النظام والانضباط فيلبس كذا، وممنوع يلبس كذا، ويستخدم كذا، ولا تستخدم كذا؛ فحُرِّمت عليه طيبات يحبها ليعلمه الانضباط. كالمخيط، والطيب، وممنوع أن يحلق قبل موعد الحلق، وممنوع أن يطوف قبل الموعد، وأن ينفر من عرفة قبل الموعد؛ وهكذا… فلا بد أن ينضبط بمواعيد دقيقة يؤدي بها النسك وبهذا تتدرب نفسه على الانضباط سائر حياته، ليكون من ضمن مخلوقات الله المنضبطة في هذا الكون بأمره وشرعه.
٩. ومن مقاصد الحج: إشعار أمة الإسلام أنهم أمة واحدة؛ ويقول لهم: كفى تفرقاً، كفى تمزقاً، وقد شرع الله للناس عبادات يشعرون بها بالاجتماع وأنهم أمة واحدة؛ ففي كل يوم شرع له خمس صلوات ليجتمعوا فبها وفي كل أسبوع شرع لهم صلاة الجمعة ليجتمعوا فيها اكثر، وشرع لهم رمضان ليصوموا فيه جميعاً، ثم شرع لهم الحج وهو المؤتمر العام الذي يجتمع إليه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، باختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومناصبهم وغناهم وفقرهم فيجتمعون في صعيد واحد. أليس في ذلك دليل على أن الإسلام هو دين الوحدة والاجتماع؟ قال سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]. وفي الحج يشعر المسلم أنه ينتسب إلى أمة ضاربة بجذورها في التاريخ، وتعيش في الأرض كلها منها الأعجمي والعربي والأسود والأبيض كلهم في صعيد واحد يعبدون رباً واحداً، ينادون بتلبية واحدة. إن هذا الشعور الذي يجده المسلم في الحج يدفعه الى الاجتماع ونبذ التفرق والتمزق. فإن أعداء الإسلام اليوم حريصون كل الحرص على تمزيق الأمة وتقسيمها بأسباب متعددة؛ كالوطنيات، والقوميات، والحزبيات، والعنصريات، وسائر أنواع الطبقيات المختلفة، حتى تتمزق أوصالها ويعيشوا ضعفاء لا مكان لهم بين الأمم بسبب الفرقة والاختلاف.
١٠. وأخيراً: من أعظم مقاصد الحج: أن الإنسان يشعر بالاعتدال والاتزان والواقعية في أحكام الشريعة؛ فمع أن الحج عبادة وتضرع وإقبال على الله، إلا أن الله أباح وأذن لمن حج أن يبتغي من فضل الله، وفضل الله في آيات الحج هو التجارة وطلب الرزق والحصول على المنافع الدنيوية كما قال سبحانه وتعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198]. فمن ذهب للحج واتم المشاعر فلا مانع أن يبتغي من فضل الله وأن يتاجر ويتزود من المال فيه ويحصل على المنافع الدنيوية هناك؛ فدين الإسلام ليس دين الرهبنة، بل دين يجمع بين الدنيا والآخرة، ويجمع بين حقوق الجسد وحقوق الروح، ويجمع بين عمارة الأرض وعمارة القلوب.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الحج إلى بيته الحرام، وأن يفقهنا وإياكم في مقاصده وأحكامه، وأن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله كما قال: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197].
أيها المؤمنون: الحج مدرسة تربوية عظيمة متنوعة البرامج والأنشطة، تربي الإنسان على عدد كثير من القيم والأخلاق؛ فهو مدرسة في التربية على الخشونة والتحمل، فإنه مع ازدحام الناس وبعد المسافة وكثرة الأعمال تظهر الأخلاق السيئة في الناس، فيحتاج الإنسان إلى أن يضبط تصرفاته وأخلاقه، وأن يتدرب على الخشونة، وأن يأكل ما تيسر، وأن يتحمل النوم في أي مكان، وأن يتحمل المشي والحركة والزحام؛ فهو مدرسة للتربية على الرجولة والخشونة وشظف العيش.
وهكذا يجب أن يكون حال المسلم بعيداً عن الترهل، بعيداً عن الترفه؛ بل إن أحسن الحجاج وأقربهم إلى الله سبحانه وتعالى أكثرهم رثاثة في ثيابه. لأن في ذلك إعلان للعبودية بين يدي الله سبحانه وتعالى.
 والحج أيضاً مدرسة لتعلم الصبر والتحمل، ويتعود الإنسان في هذه الفترة على التربية على الانضباط ويتربى على القناعة في اللباس، والمأكل، والمشرب والمسكن، ويتربى أيضاً على التواضع وأن يشعر أنه واحد من ضمن الأمة، وأنه لا فرق بينه وبين غيره؛ فالغني بجوار الفقير، والجميع يؤدي المناسك، فتذهب من النفوس حزازات الكبر والغطرسة وفي الحج يتربى المسلم على الأخوة الإيمانية، فقد تجد ناساً ضعفاء فقراء فتحسن إليهم فتشعر أنهم إخوانك، وتشعر أيضاً برقة القلب، وتشعر بمشاعر الأخوة الإيمانية التي تجعلك واحداً من المسلمين.
كما أن الحج مدرسة لتربية الضمير على مراقبة الله سبحانه، والأمة اليوم محتاجة إلى تربية الضمير! فقد فسدت ضمائر بعض الناس اليوم، حتى حصل منهم الغش والخداع والمكر والأذية للآخرين. فالحج مدرسة لتربية الضمير، فيشعر اثناء المناسك أنه يراقب الله، فلا يستخدم ما حرمه الله، ولا يقع في محذورات الإحرام، ويسأل هنا وهنا: عن حكظ نتف الشعر، او قص الظف، ونحوها من الأسئلة التي تدل على صحوة الضمير، فياليت بعض الناس اليوم يربون ضمائرهم على مراقبة الله حين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويأخذون حقوقهم، ويبطشون بهم.
والعجب أن من يسأل في الحج عن حكم كسر الظفر أو سقوط الشعر من راسه، او أنه استخدم صابونة فيها رائحة الطيب؛ ما شاء الله، هذه هي صحوة الضمير وهذه هي المراقبة الحقيقية لله. لكن هلا سألت نفسك في سائر أحوالك، في كل أيامك، في أي مكان عشت فيه، عن ماتقع فيه من الحرام، وعن الأذية للآخرين؟.
هل ماتت الضمائر وفسدت، وذهبت المراقبة لله من قلوب كثير من الناس اليوم حتى صار الحلال ما استطاعوا أن يصلوا إليه، والحرام ما لم يقدروا عليه، نعوذ بالله من فساد الضمائر.
إن الحج مدرسة لتربية الضمير على مراقبة الله سبحانه وتعالى، فلنرب أنفسنا وضمائرنا على مراقبة الله في كل أحوالنا في أي زمان ومكان.
عباد الله: الحج مدرسة لبناء العلاقات بين المؤمنين وإصلاح ذات البين، والشعور بالوحدة الإيمانية وبناء معقد الولاء والبراء على الإيمان والتقوى، فالمسلم يوالي في الله ويعادي في الله، فيعتبر المؤمنين كلهم إخوانه؛ له ما لهم وعليهم ما عليه. والحج يربي الناس على الولاء لدين الله، ويبعد منهم الولاءات الضيقة، فينسون بلدانهم وجنسياتهم وأحزابهم وقبائلهم، ينسونها في تلك المشاعر، فلم يبق إلا ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك))؛ إنه مدرسة بحق لبناء الولاء المطلق لله ولرسوله وللمؤمنين.
والحج مدرسة لتربية الإنسان على البذل والتضحية والنفقة في سبيل الله؛ ما أجمل ذلك الإنسان الذي يجمع نفقة الحج من الحلال! وربما يجمعها بعض الناس أربعين أو خمسين سنة، ريالاً فوق ريال وقرشاً فوق قرش، من عرق جبينه، ومن حلال ليس فيه شبهة حرام، ثم ماذا يفعل بها؟ ينفقها كلها في سبيل الله في بلد الله الحرام؛ فيتعود بذلك على كسب المال من حله والسخى في النفقة، وترك البخل والشح.
فهذه مدرسة الحج العظيمة التي يجب على المسلم أن يستشعرها ولو لم يحج، فإن الحج على من استطاع إليه سبيلاً، ولكن استشعار مقاصد الحج وحكمه وأسراره مطلوب من كل المسلم ليعلم عظمة هذا الدين، ومكانة الحج في الإسلام.
وإذا علم الإنسان هذه المقاصد والحكم فإنه سيسعى إلى البحث عن الزاد والنفقة وتتوق نفيه للحج بإذن الله.
وقد سمعت ان بعض الأعاجم في بلاد ما وراء النهر يبلغ عمره سبعين عاماً وهو يجمع النفقة منذ اربعين سنة لكي يحج ويأتي من أميال بعيدة بسن كبير ليقف بين يدي الله يرجو ما عند الله. وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) (رواه البخاري ومسلم).
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الحج المبرور، وأن يجعلنا من الذين يسعون إليه، وأن ينفعنا بأحكامه وحكمه ومقاصده، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأزواجه وذريته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
 
المشاهدات 202 | التعليقات 0