من أحصاها دخل الجنة
د.عبدالحميد المحيمد
إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .
عباد اللّه ، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾
أيها الأحبة في اللَّه، كثيرٌ منّا يعرفُ أسماءَ اللّهِ الحُسنى، ولكن كيف يُحصي هذه الأسماء؟ وكيف يتعبّدُ اللَّه بها؟ وكيف يعملُ بمقتضاها؟ وكيف يدعو اللَّه بها؟
يقول اللَّه سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.[الأعراف: 180].
فكيف تكون هذه الأسماءُ سببًا في تثبيت يقينك باللَّه وترسيخ إيمانك، وسببًا في دخول الجنة؟
ويقول النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا، مئةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة».
فكيف يكون هذا الإحصاء؟
يكون ذلك بأن تقرأها وتقول: اللهُ العليمُ، الحكيمُ، السميعُ، العليُّ. الإحصاءُ يأتي بمعنى العدّ، والحفظ، والفهم، والتعبّد؛ أي أن تتعبّدَ اللهَ بهذه الأسماء وتعملَ بمقتضاها. وكيف يكون العملُ بمقتضاها؟
عندما يقلّ النصيرُ من حولك، وعندما تضيقُ الدنيا عليك، وينكسر قلبك، وتجد أن الدنيا مظلمة، وأن الظلام قد أحاط بك، إلى من تلجأ؟ وبمن تستنجد؟ تلجأ إلى اللَّه، وتعلم أن اللَّه ناصرك، فتقول: يا نصيرُ انصرني. فتعلم أن اللَّه إذا كان معك فمن عليك، فلا نخاف أحدًا على الأرض إذا دعونا اللَّه وتعلّق قلبُنا به. وكذلك الفهمُ لأسماء اللَّهِ والعملُ بمقتضاها؛ فعندما تكون في مجالس الناس ويكثر فيها اللغو، وتُطلق سمعك لكل ما يُقال، فتسمع الغيبة، وتسمع الزور، وتسمع الظلم، وتسمع الشتائم، وأذنك تلتقط هذه الأصوات وأنت مُقرٌّ بها، فأنت في غفلة.
فإذا كنت مؤمنًا باسم اللَّهِ السميع، عاملًا بمقتضاه، فلتكن ناصحًا لهم، وتُذكِّرهم بتقوى اللَّه، وبأن اللَّه سميعٌ بصيرٌ مطّلعٌ على أعمالهم وأقوالهم، لا يخفى عليه شيءٌ سبحانه .
عندما أتت خَوْلَةُ بنتُ ثَعْلَبَةَ رضي اللَّه عنها تُجادلُ النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم في زوجِها، قالت عائشةُ رضي اللَّه عنها: الحمدُ للهِ الذي وسِعَ سمعُه الأصواتَ ، لقَد جاءتِ المُجادلةُ إلى رسولِ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ، تُكَلِّمُه في جانبِ البيتِ ما أسمعُ ما تَقولُ فأنزلَ اللَّهُ ، عزَّ وجلَّ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ .. الآية
اللَّهُ سبحانه وتعالى محيطٌ بهذا الكون، يسمع دقاتِ قلبك وما هو أخفى من ذلك. فعندما تُحصي اسمَ اللَّه السميع وتتأمل في معناه، تعلم أن اللَّه يسمعك. وعندما تؤمن باسم اللَّه العليم، فإنك تدرك أنه يعلم السرَّ وأخفى، قال تعالى:
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]
وكان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يربّي أصحابه على هذه المعاني، ويغرسها في نفوس شباب المسلمين. فقد كان عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رضي اللَّه عنهما، وهو غلامٌ صغير، يلازم النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم ويتعلّم منه، فكان يُردفه خلفه على الدابة، ثم قال له:
«يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ».
وهذا الحديث العظيم أصلٌ في فهم أسماء اللَّهِ والعمل بمقتضاها؛ فمن أسماء اللَّهِ تعالى: الحفيظ، وهو الذي يحفظ عباده إذا حفظوا حدوده. فمن حفظ بصره عن الحرام حفظه اللَّه، ومن حفظ سمعه عن الحرام حفظه اللَّه، تحقيقًا لقوله صلى اللَّه عليه وسلم: «احفظِ اللَّهَ يحفظك، احفظِ اللَّهَ تجده تجاهك».
فإذا استقام العبدُ على طاعة اللَّهِ وحفظ حدوده، توجّه إلى اللَّه في دعائه وسؤاله، راجيًا منه الإجابة وكشف الكرب، رافعًا يديه متضرعًا داعيًا: يا رب… فإن اللَّه يستجيب لعبده إذا أقبل عليه بصدق، وهذا من مقتضى قوله صلى اللَّه عليه وسلم: «إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ »، وهذا توحيدٌ خالص، «وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ».
فلا بدَّ أن نفهمَ أسماءَ اللَّهِ الحُسنى، وأن نقفَ عندها ونتأمّلَ معانيها، ونفزعَ إلى اللَّه وندعوه بها، فنقول: يا رحمنُ ارحمني، يا غفورُ اغفر لي، وندركُ أن اللَّه سبحانه وتعالى لم يخلقنا ليعذّبنا، ولكن ليرحمنا.
يقول النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «والذي نَفسي بيَدِه، لو لم تُذنِبوا لَذَهَبَ اللهُ بكُم، ولَجاءَ بقَومٍ يُذنِبونَ، فيَستَغفِرونَ اللهَ، فيَغفِرُ لهم».
هذا الحديث كفيلٌ بأن يُوقظ قلبَ كلِّ مؤمنٍ، مهما عصى، فيُنصت إليه فيستغفر ويقول: يا غفّارُ اغفر لي، ويا توّابُ تُب عليّ، ويا رحيمُ ارحمني، فيُبشَّر بعد ذلك بمغفرةٍ من اللَّه.
أقول ما تسمعون، وأستغفر اللَّه.
الخطبة الثانية
الحمدُ للَّه والصلاةُ والسلامُ على رَسولِ اللّهِ وعلى آله وصحبه ومن والاه.
ذكر ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس قصةً فيها عبرةٌ وحِكمة؛ حيث كانت شجرةٌ تُعبد من دون اللَّهِ، فجاء إليها رجل، فقال: لأقطعنَّ هذه الشجرة، فجاء ليقطعها غضباً للَّهِ، فلقيه إبليس في صورة إنسان، فقال: ما تريد؟ قال:أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون اللَّهِ، قال:إذا أنت لم تعبدها فما يضرك من عبدها؟ قال: لأقطعنها.
فقال له الشيطان: هل لك فيما هو خير لك؟ لا تقطعها، ولك ديناران كل يوم إذا أصبحت عند وسادتك.قال: فمن أين لي ذلك؟ قال: أنا لك. فرجع، فأصبح فوجد دينارين عند وسادته، ثمّ أصبح بعد ذلك، فلم يجد شيئاً. فقام غضباً ليقطعها، فتمثل له الشيطان في صورته، وقال:ما تريد؟ قال: أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون اللَّهِ تعالى، قال: كذبت ما لك إلى ذلك من سبيل. فذهب ليقطعها، فضرب به الأرض، وخنقه حتى كاد يقتله، قال: أتدري من أنا؟ أنا الشيطان، جئت أول مرة غضباً للَّهِ، فلم يكن لي عليك سبيل، فخدعتك بالدينارين، فتركتها، فلما جئت غضباً للدينارين سلطت عليك .
الشاهدُ في ذلك، أنك تكون قويًّا بإيمانك باللَّه؛ قويٌّ عندما تعلم أن اللَّه هو الرزاق، وأن اللَّه هو الذي يدبّر الكون، وأن اللَّه توّاب، وأن اللَّه رحيم، وأن اللَّه سبحانه يغفر الذنوب جميعًا. وكلما أحصيت أسماءَ اللَّه الحُسنى وفهمت معانيها ودعوت اللَّه بها، عشت سعيدًا في هذه الدنيا، وتستمر السعادة حتى في الآخرة؛ لأن من أحصى أسماءَ اللَّهِ الحُسنى دخل الجنة، كما أخبر النبي صلى اللَّه عليه وسلم:
«من أحصاها دخل الجنة».
فنسأل اللَّه أن يجعلنا وإياكم ووالدينا والمسلمين من أهل الجنان، اللَّهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وكفّر سيئاتنا، وارحم موتانا، وعافِ مبتلانا، واشفِ مرضانا، وانصرنا على من عادانا، اللَّهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا، وادفع عنه كل شرٍّ وكل ظلم، يا رحمن يا رحيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى اللَّه على نبينا محمد.
المرفقات
1777062330_من أحصاها دخل الجنة.pdf