مِنْ قَصَصِ القُرآن (قِصَّةُ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ).
أ.د عبدالله الطيار
الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ، وجَعَلَهُ هُدَىً وذكرى لأُولِي الأَلْبَابِ، وأَوْدَعَهُ الحكمةَ وفَصْلَ الْخِطَابِ، وَأَشْهَدُ ألّا إِلَهَ إِلّا اللهُ، وحدهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، إِلَى يَوْمِ الدِّينِ أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ آل عمران: [131-132]
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: إِنَّ الْقَصَصَ الْقُرْآنِيَّ أَصْدَقُ الْقَصَصِ، وَأَحْسَنُ الْحَدِيثِ، فَهُوَ إِخْبَارٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا؟ وَالْقَصَصُ الْقُرْآنِيُّ مَعِينٌ لَا يَنْضَبُ، يُخْبِرُنَا بِمَصَارِعِ الْكَافِرِينَ، وَأَحْوَالِ الْمُكَذِّبِينَ؛ لِنَحْذَرَهَا، وَيُرْشِدُنَا لِسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ؛ لِنَلْزَمَهَا.
عِبَادَ اللهِ: وَمِنَ الْقَصَصِ الْقُرْآنِيِّ: قِصَّةُ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ وَرِثُوا عَنْ أَبِيهِمْ جَنَّةً خَضْرَاءَ، وَحَدِيقَةً غَنَّاءَ، تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، وَكَانَ أَبُوهُمْ رَجُلًا صَالِحًا، حَفِظَ النِّعْمَةَ بِشُكْرِهَا وَأَخْرَجَ زَكَاتَهَا، حَتَّى مَاتَ، فَوَرِثَهُ أَبْنَاءٌ تَمَكَّنَ الشُّحُّ مِنْ نُفُوسِهِمْ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ، وَبَيَّتُوا النِّيَّةَ بِجَهْلٍ، وَعَزَمُوا عَلَى الْإِمْسَاكِ وَالْمَنْعِ قال تعالى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ) القلم: [17-18].
أيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَكَانَ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ أَخٌ صَالِحٌ حَذَّرَهُمْ مَغَبَّةَ الْبُخْلِ، وَعَاقِبَةَ الشُّحِّ، فَأَعْرَضُوا عَنْهُ، وَخَالَفُوا هَدْيَ أَبِيهِمْ فِي الْجُودِ وَالْعَطَاءِ (فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ) حَتَّى سَبَقَ تَدْبِيرُ اللهِ تَدْبِيرَهُمْ، وَكَانَ جَزَاؤُهُمْ مِنْ جِنْسِ صَنِيعِهِمْ، فَأُخِذُوا وَهُمْ كَارِهُونَ وَأُحِيطَ بِهِمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، قال تعالى: (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) القلم: [19-20]. فَصَارَتْ حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، ذَهَبَتْ أَشْجَارُهَا وَثِمَارُهَا، وَحُجِبَ عَنْهَا نُورُ الشَّمْسِ.
عِبَادَ اللهِ: وَلَمَّا رَأَوْا مَزْرَعَتَهُمْ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ، وَاعْتَرَفُوا بِجُرْمِهِمْ، وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ، قَالَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ: (فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ). وَحَوْلَ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ أَقِفُ بَعْضَ الْوَقَفَاتِ وَمِنْهَا:
أولًا: أَنَّ النِّعَمَ ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ، تَقَرُّ بِشُكْرِهَا وَمَعْرِفَةِ حَقِّهَا، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ بِهَا، وَتَفِرُّ بِكُفْرِهَا وَجَحْدِهَا، فَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
ثانيًا: أَنَّ الزَّكَاةَ بَرَكَةٌ وَنَمَاءٌ، وَالصَّدَقَةَ تَأْمِينٌ لِلْمَالِ، وَحِفْظٌ لَهُ مِنَ التَّلَفِ وَالضَّيَاعِ. ثَالِثًا: أَنَّ الْعَبْدَ يُؤَاخَذُ بِالنِّيَّةِ السَّيِّئَةِ، إِذَا كَانَ عَازِمًا عَلَى إِمْضَائِهَا، فَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ بَيَّتُوا النِّيَّةَ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ، فَسَبَقَ فِعْلُ اللهِ فِعْلَهُمْ، وَكَانَ الْهَلَاكُ عَاقِبَةَ مَكْرِهِمْ. رابعًا: وُجُوبُ تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَالْبَذْلِ، وَتَحْذِيرِهِمْ مِنْ مَغَبَّةِ الْبُخْلِ وَالشُّحِّ؛ لِيَكُونُوا امْتِدَادًا لِوَالِدَيْهِمْ فِي الْبِرِّ وَالصَّلَاحِ، وَعَلَى عَهْدِهِمْ فِي الْبَذْلِ وَالْإِنْفَاقِ.
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) الحديد: [7]. بَارَكَ اللهُ لَي ولكم فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآَيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَاتَم المرْسَلِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنَ الدُّرُوسِ المُسْتَفَادَةِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ.
الْحَذَرَ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنِ النُّصْحِ، فَهَذَا عَيْنُ الْكِبْرِ، قَالَ ﷺ: (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ..) وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ رَدُّوا نَصِيحَةَ أَخِيهِمْ فَحَاقَتْ بِهِمُ الْمُصِيبَةُ وَحَلَّ بِهِمْ مَا حَذَّرَهُمْ مِنْهُ.
عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا-رحمكم الله- أَنَّ الشُّكْرَ قَيْدُ النِّعَمِ، وَالصَّدَقَةَ حِصْنٌ لِلْمَالِ، وأَنَّ فِي الإِنْفَاقِ بَرَكَةً وَخَلَفًا، وَفِي الشُّحِّ وَالمَنْعِ مَمْحَقَةً وَتَلَفًا، وَهَذَا وَعْدُ رَبِّنَا: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) وَتَفَقَّدُوا مَكْنُونَ الصُّدُورِ، وَمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ نَوَايَا الْقُلُوبِ، فَمَنْ أَضْمَرَ سُوءًا وَهُوَ جَازِمٌ عَلَى إِمْضَائِهِ طَافَ بِهِ طَائِفُ الْخُسْرَانِ، قَالَ تَعَالَى: (لِّلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفوهُ يُحَاسِبُكُم بِهِ اللَّهُ) [البقرة: 284] اللَّهُمَّ أَصْلِحْ سَرَائِرَنَا، وَطَهِّرْ ضَمَائِرَنَا اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ اَللَّهُمَّ أمِّنا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحَ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللهم وَفِّق وَسَدِّدْ وُلاةَ أُمُورِنَا، وَأَجْرِي الْحَقَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ، اللَّهُمَّ وَاكْفِنا شَرَّ الأَشْرَارِ، وَكَيْدَ الْكُفَّارِ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا أَوْ أَرَادَ دِينَنَا وَمُقَدَّسَاتِنَا بِسُوءٍ، اللَّهُمَّ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ وَرُدَّ كَيْدَهُ إِلَى نَحْرِهِ واجْعَلْ تَدْبِيرَهُ فِي تَدْمِيرِهِ، اللَّهُمَّ حَرِّمْ وُجُوهَنَا عَنِ النَّارِ، وَاجْمَعْنَا وَوَالِدِينَا وَذُرِّيَّاتنَا في مَنَازِلِ الأَبْرَارِ. وَأَقِمِ الصَّلاةَ، إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا. الْجُمُعَة 29 شَوَّال 1447هـ