نفح الطيب في شمائل الحبيب ﷺ

عبدالرحمن اللهيبي
1447/11/14 - 2026/05/01 01:48AM

فاتقوا الله تعالى وراقبوه، وأطيعوا أمره ولا تعصوه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}

 أيها المسلمون: إن الله تعالى جَمَّل خَلْقَ نبيِنا ﷺ وكمَّله، وطيَّب خُلُقَه وحسَّنه ، وأسبغ الله عليه من الحسن والجمال في منظره ومخبره، ما جعله آية في الكمال والجمال

ومن أجمل ما وُصف به ﷺ وصْفُ أمِ معبد له فقالت: " ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ أَبْلَجُ الْوَجْهِ حَسَنُ الْخُلُقِ وَسِيمٌ قَسِيمٌ فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ أي (اشتداد سوادها وبياضِها واتسعاها) وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ ( أي طويل شعر الأجفان ) وَفِي صوَتِهِ صَحَلٌ أي ما يشبه البحة وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ أي طولٌ ووضاءة. وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ .. أَحْوَرُ أَكْحَلُ أَزَجّ أَقْرَنُ ( أي مقرون الحاجبين) شَدِيدُ سَوَادِ الشّعْرِ إذَا صَمَتَ عَلاهُ الْوَقَارُ ، وَإِذَا تَكَلّمَ عَلاهُ الْبَهَاءُ ، أَجْمَلُ النّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ وَأَحْسَنُهُ وَأَحْلاهُ مِنْ قَرِيبٍ ، حُلْوُ الْمَنْطِقِ ، فصل لا نَزْرٌ ولا هَذْرٌ كَأَنّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَنحِدرنَ ، أي جميل المنطق حلو الكلام ليسَ كلامُهُ بقليلٍ لا يُفْهَمُ، ولا بكثيرٍ يُمَلُّ .. رَبْعَةٌ لا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ ولا تَشْنَؤُهُ مِنْ طُولٍ أي لا تزدريه عين لقصره ، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفّونَ بِهِ . إذَا قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ . وَاذَا أَمَرَ تَبَادَرُوا إلَى أَمْرِهِ ، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ أي مخدموم. لا عَابِسٌ وَلا مُفْنِدٌ.

 وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في وصفه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبيضٌ مشربًا بحمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار، أي طويل شعر الأجفان إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت جميعًا، بين كتفيه خاتم النبوة، أجود الناس كفًّا، وأجرأ الناس صدرًا، وأصدق النَّاس لَهجة، وأوفاهم ذمَّة، وألينُهم عريكة، مَنْ رآه بديهةً هابه، ومَنْ خالطه معرفةً أحبَّه

يقول ناعِتُهُ: لم أر قبله ولا بعده مثله"!!

وقال جابر - رضي الله عنه -: "رأيته ليلة  بدر - فجعلت أنظرُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه حلة حمراء، وأنظر إلى القمر؛ فإذا هو عندي أحسن من القمر"

وقال أنس - رضِيَ الله عنه -: "ما مسِسْتُ حريرًا ولا ديباجًا ألْيَنَ من كفِّ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - ولا شَمَمتُ ريحًا ولا عَرفًا أطيب من ريح رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم".

 ولمَّا قدِمَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المدينة مُهاجرًا، وأقبل الناس ينظرون إليه، جاء عبدالله بن سلام - رضي الله عنه – مع الناس لينظر إليه - وكان من أحبار اليهود وعلمائهم - يقول: "فلما نظرتُ إلى وجه النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب".

 هذه يا مسلمون بعض أوصاف النبي الكريم، في جَمال الخَلق، وحسن الصورة، وكمال الهيئة.

وأمَّا كمال النفس ومكارم الأخلاق؛ فقد كان في أعلاها، وله من الذرى أسناها، ويكفي في ذلك شهادة ربه له: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}  ، كان - صلى الله عليه وسلم - دائم البشر، سهل الخلُق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحَّاش، ولا عتَّاب ولا مدَّاح، طويل السكوت، لا يتكلَّم في غير حاجة، لا يضر أحدًا ولا يعيِّره، يعفو ويصفح، ويعاشِرُ النَّاس بالرحمة واللطف، يتغافل عما لا يشتهيه ولا يلتفت إلى ما لا يعنيه....

أما الحِلم والاحتمال، والعفوُ والصفح - فهي من أجل صفاته، ما خير بين أمرين إلا اختار أيْسَرَهُما، ما لم يكن إثما؛ فإن كان إثما كان أبعدَ الناس عنه، ما انتقم لنفسه، إلا أن تُنتهك حرمة الله؛ فإنه يغضب لله. ...

أمَّا الجود والسخاء والبذل والعطاء؛ فإنه يعطي عطاءَ مَنْ لا يخشى الفقر، وكان أجودَ بالخير من الريح المرسلة

وأما شجاعته وإقدامه فكان أشجعَ النَّاس؛ لاقى الشدائد والأهوال وثَبَتَ وصمد، لم يلن ولم يتزعزع؛ قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "كنا إذا حمي البأس، واحمَرَّت الحُدُق، اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما يكون أحدٌ أقرب إلى العدو منه".

 أمَّا تواضعه وحياؤه؛ فيقول أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه ((كان أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها، وإذا كره شيئًا عُرف في وجهه))؛ رواه البخاري. لا يُثْبت نظرَه في وجه أحد، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلِّ نظره التفكر، كان متواضعًا بعيدًا عن الكبْر، يعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس في أصحابه كأحدهم، ويَمنع من القيام له كما يُقام للملوك، تقول عائشةُ - رضي الله عنها -: "كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويحلب شاته، ويعمل بيده ".

{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}  

أمَّا زُهْدُه في الدنيا؛ فحسبُك تقلُّله منها، وإعراضُه عن زهرتِها، وقد سيقتْ إليْهِ الدنيا بحذافيرها، وترادفَتْ عليْهِ فتوحُها، ومع ذلك فقد توفِّي - صلى الله عليه وسلم - ودِرْعُه مرهونةٌ عند يهودي في نفقة عياله

تقول عائشة - رضي الله عنها -: "ما شبِع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام تباعًا من خبز حتى قُبِضَ"، وقالتْ أيضًا: "ما ترك رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - دينارًا ولا دِرْهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا))

وأمَّا خوفه من ربه، وخشيته وطاعته له، وشدة عبادته - فذاك شأن عظيم؛ يقوم الليل إلا قليلاً، ويُسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، ويصلي حتى تتورم قدماه، فيقال له: "قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر"!! فيقول: ((أفلا أكون عبدا شكورًا!))؛ 

قام ليلةً فقرأ في ركعة واحدة سورة البقرةِ والنساءِ وآلِ عمران، ومع كل ذلك فإنه يقول: ((إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة))!!

فهذا هو الحبيب يا محب، وهذه بعض القطوف من شمائل النبي الرؤوف، شمائل لا تحدها الكلمات، ولا توفيها العبارات، وحسبنا ما ذكرنا من اللمحات والإشارات .

أقول قولي هذا ..

 

 

أيها المسلمون:

((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ))

فعلى المسلم أن يتربى على سيرته، وأن يتخلق بخُلُقه، ويستنَّ بسنته، ويقفو أثره، فما عرفت الدنيا ولن تعرف مثله ، فكيف يسيغُ لعاقلٍ بعد اطلاعه لسيرة النبي ﷺ ثم لا يحذُو حذوهُ، ويسيرُ خلفه، ويقتدي بهديه ؟

كيف يسيغ لعاقل ..أن يترك الاقتداء بالنبي ﷺ ليقتدي بالسفهاء والتافهين من المشاهير ، كيف نعرض عن سنته وهو الذي قضى حياته دعوة وجهادا حرصا علينا وشفقا بنا حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يعاني آلام الموت وسكرته .. يوصينا بما ينجيها من التوحيد والصلاة

 أيليقُ بعد هذا لعاقلٍ أن يجعلَ قُدوتَهُ وأسوتَهُ نجما من نجوم الفن أو الكرة ممن لا ينفعُهُ في دنيا ولا أخرى، ((وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا))

فاتقوا الله أيّها المسلمون وتحلوا بشمائل نبيِّكم وأخلاقِه، وتزيَّنوا بمناقبِه وآدابِه، وتمثَّلوا هديَه، وترسَّموا سنّتَه، وعَضّوا عليها بالنواجذ،.

يـا مسلمون لسنّة الهادي ارجِعوا واسترشِدوا بدروسها وتعلَّموا  

فاللهم اشرح صدورنا بمحبة نبينا، اللهم ارزقنا طاعته واتباع سنته ، اللهم اجعل حبَّ رسولك أحبَّ إلينا من أنفسنا ووالدينا والناس أجمعين، ونسألك مرافقته في الجنة يا ذا الجلال والإكرام

هذا وصلوا وسلموا على رسول الله فإن من أحبَّ شيئًا جرى ذِكرُه دومًا على لسانه ، فأكثِروا من الصلاة والسلامِ عليه ، كما أمركم بذلك ربّكم جلّ في علاه، فقال تعالى:  إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  

صلّوا على من تدخلون بِهديِه  دارَ السلامـة تبلغون الْمطلَبَـا

يـا أيّها الراجون خيـرَ شفاعةٍ   من أحمدٍ صلّوا عليه وسلِّموا

المشاهدات 505 | التعليقات 0