نهاية رمضان وأحكام زكاة الفطر
فهد الجمعة
الْحَمْدُ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ، حَكَمَ بِالْفَنَاءِ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ ، وَبِالْبَقَاءِ فِي دَارِ الْقَرَارِ ، ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّمُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ ، وَسَلَّمَتَسْلِيمًا كَثِيرًا مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ .
أما بعد: فأوصيكم أيها المسلمون بتقوى الله، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).
واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة.
أيها المسلمون:لم يتبقَ من شهر رمضان إلا أيام قليلة، ومَن يدري مَن يدركها في العام القادم
تُؤَمِّلُ في الدُّنْيَا طويلًا وَلَا تَدْرِي
إِذَا جَنَّ لَيْلٌ هَلْ تَعِيشُ إِلَى الفجرِ
فَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ
وَكَمْ مِنْ عَلِيلٍ عَاشَ دَهْرًا إِلَى دهرِ
وَكَمْ مِنْ فتىً يُمْسِي وَيُصْبِحُ آمِنًا
وَقَدْ نُسِجَتْ أَكْفَانُهُ وَهْوَ لا يَدْرِي
فَرَمَضَانُ -أَيُّهَا المسلمون- أَوْشَكَ عَلَى الْانْتِهَاءِ وَالرَّحِيلِ ، وَلَكِنْ مِنْ أَبْرَزِ وَأَهَمِّ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِ :أَنَّهُ مَهْمَا بَلَغَ فِيهِ التَّقْصِيرُ وَالْكَسَلُ وَالْإِهْمَالُ ، فَإِنَّهُ يُحْسِنُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ ، وَلَا يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ مَنْ هُوَأَرْحَمُ بِهِ مِنْ أُمِّهِ ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ الصَّحِيحِ : "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، فليظن بي عبدي ما شاء" . وَمِنَ الْخَيْرِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّهُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ أَنَّهُ مَهْمَا بَلَغْ بِنَا التَّقْصِيرُوَالْإِهْمَالُ فِيمَا مَضَى مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ ، فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلٌ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ ،فَتَشْمَلُنَارَحْمَتُهُ ، وَيُعْتِقُ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ مَعَ عُتَقَائِهِ ، فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ ، لَمْ تُعْطَهَا أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ : خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الْحِيتَانُ حَتَّى يُفْطِرُوا ، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ ، ثُمَّ يَقُولُ : يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ ، أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ الْمُؤْنَةَ وَالْأَذَى وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ،فَلَا يَخْلُصُونَ فِيهِ إِلَى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ ، وَيُغْفَرُ لَهُمْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ "، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟قَالَ : "لَا ، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ".
عباد الله: استقيموا على طاعة ربكم بعد رمضان ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.
جاهدوا أنفسكم على طاعة ربكم، واجتنبوا معصيته، وتزودوا من الأعمال الصالحة التي تقربكم إليه وتزيد في درجاتكم. وسلوا الله القبول فإنما يتقبل الله من المتقين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدلله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبدالله ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فقد فرض الله عليكم في آخر شهر رمضان زكاة الفطر، وهي زكاة عن النفس والبدن وليست زكاةعن المال، وتعطى للمساكين، وهي واجبة على كل مسلم ومسلمة قادر عليها كبيرا كان أوصغيرا ذكرًا أو أنثى حرًا أو عبدًا لقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صلىالله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكروالأنثى والصغير والكبير من المسلمين» متفق عليه.
والحكمة من فرضها: لتكون طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمةً للمساكين، فعن ابن عباسرضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهْرة للصائم من اللغووالرفث وطعمة للمساكين» رواه أبو داود
ولا يجزئ إخراج القيمة من النقود عن زكاة الفطر؛ لمخالفة ذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلمحيث فرضها صاعًا من الطعام، وهو فعل الصحابة رضي الله عنهم، واخراجها طعامًا من شعائرالله ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. والقدر الواجب من زكاة الفطر صاع منالطعام بصاع النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ما يقارب ثلاثة كيلو جرامات. وأفضل وقتلإخراجها يوم العيد قبل صلاة العيد، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز تأخيرهاعن صلاة العيد.
عباد الله: إذا وافق يوم العيد يوم الجمعة، فإنّ صلاة العيد تصلّى في وقتها، ويُرخّص لمَنحضرها ترك صلاة الجمعة، ويصلي صلاة الظهر بدلًا منها في البيت، بينما يجب على إمامالمسجد إقامة الجمعة ليشهدها مَن شاء أو مَن لم يحضر العيد. والأفضل والأكمل أداءالصلاتين معًا، ولا تسقط الجمعة عمن لم يحضر العيد.
اللهم تقبل منا الصيام والقيام وسائر الأعمال الصالحة، وتجاوز عن تقصيرنا يا رب العالمين.