وجوب شكر الله تعالى على نعمة الأمن والطمأنينة
الشيخ عبد الله بن علي الطريف
وجوب شكر الله تعالى على نعمة الأمن والطمأنينة 1447/9/17هـ
أيها الإخوة: الحديثُ عن نعمة الأمن، حديثٌ لا ينتهي.. واللهج بشكر الله عليها لا ينقضي.. وترديدنا لمنة الله تعالى بها علينا من عظيم تقديرنا لها.. نعم إنَّ نعمة الأمن والطمأنينة التي نتمتع بها في هذه البلاد المباركة حرسها الله تعالى جديرةٌ بالتذكر المستمر، والشكر الدائم.. ذلك أنَّ نعمة الأمن أمنية لمئات الملايين من البشر، فمن البلاد من لا تقف صفارات الإنذار عن دويها في أجوائها فلا يهنأ سكانها بعيش.. ولا يتنعمون بنوم أو زاد أو عبادة.. فهم بين أزيز الطائرات ومباغتة المسيرات التي تسري بالليل البهيم تحمل الموت.. قد فَرَقَتْ قلوبُهم وتنكدَ عيشهم فهم بين خائف ومترقب، قد تبدلت طمأنينتهم خوفًا.. وهَنَأُ عيشِهم ذُعْرًا وفَرَقًا.. تلك حالهم وما مكانهم عنا ببعيد..
أيها الإخوة: إن ما نتمتع به من أمن يوجبُ علينا شكر الله عليه قائمين قاعدين؛ فشكره سببٌ لدوامه وزيادتِه قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ). [إبراهيم:7].. فلله الحمد والشكر ربِ العالمين الَّذِي أَطْعَمَنَا مِنْ جُوعٍ وَآمَنَنَا مِنْ خَوْفٍ..
أيها الإخوة: وفي خضم ما يمر به العالم اليوم من أحدث جسام وصراع دامٍ.. حري بالمسلم أن يكون واعيًا ممن يأخذ الخبر.. فليس كلُ مخبر ثقةً وليس كل محلل حصيفًا صادقًا.. فما أكثر المأجورين في عصرٍ أصبح الإعلامُ فيه عصبَ الحياة.. ومن يريد طمأنينة النفس وراحة البال عليه البحث عن مصدر موثوق.. ففي مثل هذه الظروف ينبري للحديث من يقول الحق ومن يجانبه..
واعلموا أنَّ الآلة الإعلامية أحدُ وسائل الحرب النفسية المؤثرة برفع الروح المعنوية أو تحطيمها.. وقد حكى الله تعالى عن أمثالهم في عهد النبوة فقال: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران:173] ثم ذكر الله تعالى جزاء إيمانهم وطاعتهم بالخروج وتوكلهم فقال: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران:174] لذلك أكثروا من هذا الذكر (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).. كلما سمعتم قول المرجفين.. (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف:21]
واحذروا أيها الإخوة: كل الحذر من تلقي الشائعات ونشرها، والمسارعة بنقل الأخبار.. وتجنبوا كثرة الجدل في الأحداث، والخوض فيما لا تعلمون من المواقف والوقائع في مجالسكم أو في حساباتكم في وسائل التواصل الاجتماعي، فإن للأخبار ظاهرًا وباطنًا، وما تنقله وسائل الإعلام في الغالب يحكي توجه أصحابها وأهدافهم، وقليل منها من يحكي الحقيقة كما هي.. لذا «كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ» مخرج في الصحيحين عَنْ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناسُ من غير تَثبُّت، ولا تَدبُّر، ولا تبَيُّن.. وسبب النَبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- النهي بقوله: «كَفَى بِالْمَرءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سِمَعَ».. وفي رواية: «كَفَى بِالْمَرءِ إِثْماً أَنْ يُحَدِّثَ بَكُلِّ مَا سَمِعْ». عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-. وَقَالَ النَبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا» رواه أبو داود عن أَبِي مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- صححه الألباني.. وعدَّ النَبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- ترك ما لا يعني من حُسن الإسلام فَقَالَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» رواه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وصححه الألباني.. قال ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- الْوَرَعَ كُلَّهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. فَقَالَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» فَهَذَا يَعُمُّ التَّرْكَ لِمَا لَا يَعْنِي مِنَ الْكَلَامِ، وَالنَّظَرِ، وَالِاسْتِمَاعِ، وَالْبَطْشِ، وَالْمَشْيِ، وَالْفِكْرِ، وَسَائِرِ الْحَرَكَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ. فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ كَافِيَةٌ شَافِيَةٌ فِي الْوَرَعِ".. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: وَحَدُّ الْكَلَامِ فِيْمَا لَا يَعْنِيكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ، وَلَوْ سَكَتَّ عَنْهُ لَمْ تَأْثَمْ وَلَمْ تَسْتَضَرْ بِهِ فِي حَالٍ وَلَا مَآلٍ.. وقَالَ: وَلَوْ صَرَفْتَ زَمَانَ الْكَلَامِ -فيما لا يعني- فِي الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ رُبَّمَا يَنْفَتِحُ لَكَ مِنْ نَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَعْظُمُ جَدْوَاهُ.. وَلَوْ هَلَلتَ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ- وَذَكَرْتَهُ وَسَبَّحْتَهُ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ.. فَكَمْ مِنْ كَلَمَةِ يُبْنَى بِهَا لَكَ قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كَنْزًا مِنَ الْكُنُوزِ فَأَخَذَ مَكَانَهُ مَدَرَةً [وهي: قِطْعَةٌ مِنْ الطّيْنِ الْيَابِسِ] لَا يَنْتَفِعُ بِهَا كَانَ خَاسِرًا خُسْرَانًا مُبِينًا.. أهـ
واحذروا كل الحذر من تصوير أو تداول المقاطع المتعلقة بالأحداث الأمنية إن وجدت لا قدر الله؛ لما في ذلك من إعانة العدو على التمادي في عدوانه. ولما فيها من الإرجاف وإشاعة الخوف وتعريض الأنفس ومصالح الأمة للخطر.. اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء واجعلنا من الراشدين وصلى الله وسلم..
الخطبة الثانية:
أيها الإخوة: ونحن نستقبل العشر الأواخر من رمضان عشر الخير والبركات، التي أخبر النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- أن ليلة القدر فيها بقوله «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» رواه مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-. ومن خيرها أنها (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) [القدر:3] في الفضل والشرف وكثرة الثواب والأجر ولذلك قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-. ومن حرم خيرها فهو المحرم.. قال شيخنا محمد العثيمين رحمه الله: "لا تختص ليلة القدر بليلة معينة في جميع الأعوام، بل تتنقل" فهنيئًا لمن وفق لإدراكها.. ومن قام مع الإمام حتى ينصرف كل ليلة في العشر حتى ينصرف الإمام من التراويح والقيام أدرك قيامها إن شاء الله..
أيها الإخوة: ونحن نتمتع بموسم هذا الشهر المبارك هل فكرنا بجلسة نفضي فيها لربنا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ- بكل ما نريد.. ونسأله خيري الدنيا والآخرة؛ فربنا يقول في معرض ذكره لآيات الصيام: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة:186]. وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللهُ عز وجل دُونَ الْغَمَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ». رواه أحمد والترمذي وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وضعفه بعضهم وصححه آخرون وقالوا له شواهد.. ومن أهل العلم من خص وقت الدعاء المستجاب عند الفطر، فَعَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةً مَا تُرَدُّ» رواه ابْنِ مَاجَهْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-، أوصيكم ونفسي بجلسة طويلة نخلو بها بين يدي الله ندعوه بكل ما نريد ونلح بالدعاء بانكسار.. وَرُبَّ دعوة تنطلق من قلب موقن تفعل الأفاعيل.. ادعو الله أن يحفظَ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء ويدحرَ ويهزمَ من أراد بنا سوء ويشغلَه بنفسه.. وأبشروا فإن النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ». أي: فارغتين.. رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم في صحيحيهما، عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ وصححه الألباني.
ومن أراد راحة البال في هذا الشهر الكريم؛ فليقبل على ربه في صيامه ويشتغلْ بالتلاوة والذكر والدعاء.. اللهم اكفنا شر الأشرار أنت حسبنا ونعم الوكيل..